توسع إمبراطورية ناشئة
قرأت مقالين في نشرة ثمانية، معنونين ب " كيف يختلف الفتح الإسلامي عن الاستعمار" للدكتور خالد البكر ثم تعقيب الأستاذ حسين إسماعيل المعنون ب " لماذا نحاول تطهير ماضينا؟"، وهما يتناولان موضوعا طرق أكثر من مرة، وأحببت المشاركة برأي ثالث، أراه يختلف عن الرأيين السابقين.
في البدأ، وقبل الحديث عن المفهومين، لابد من بيان نقطتين أراهما مهمتين جدا.
الأولى هي أنه من الملاحظ دائما أنه يتم التعامل مع الكثير من المفاهيم، ومنها مفهومي "الفتح" و "الإستعمار" و كأن المعنى والدلالات التي يشير إليها كل مفهوم فيهما، ثابتين، متجاوزين لزمن تشكل المفهوم وعملية إنتاجه - وإنتاج المفاهيم عملية لها سياق وليست حدث - ويتم استبعاد أثر عوامل الزمن والتاريخ والبيئة والثقافة ومنها الثقافة الاجتماعية والسياسية، والطريقة التي تفعل بها هذه العوامل، فتغير دلالة المعنى، أي عملية انتاج التفسير، وإن بقي استخدام إسم المفهوم ثابتا. وهذا خطأ منهجي كبير، يقودنا دائما إلى نتائج خاطئة.
النقطة الثانية، هي استبعاد العلوم الإنسانية الحديثة وما قدمته لنا، خاصة علم الاجتماع بفروعه ومناهجه، مثل علم الاجتماع السياسي وعلم الاجتماع الثقافي، وعلم اجتماع الجماعات، وفي إعادة قراءة الأحداث والسياقات التي تقود إلى تشكل وقائع جديدة، تعيد تشكيل المفاهيم والمعاني والدلالات، حين قراءة ودراسة تاريخنا الإسلامي.
إهمال هاذين الأمرين، يجعلان قراءتنا لتاريخنا ناقصة، وجزئية، ومن الصعب جدا البناء عليها، لتكوين صورة اكثر شمولا ووضوحا لهذا التاريخ.
لنبدأ:
لا بد مسبقاً أن نفرق بين الإسلام، وبين تاريخ المسلمين، أي حول ما يسمى بـ (الإسلام التاريخي) ونقرأ تلك التجربة التاريخية، قراءة تحاول ان تكون موضوعية ومنهجية، بعيدا عن تلك الهالة التي اعتدنا أن نسبغها على تاريخنا من جهة، ومبتعدين أيضا عن تبني رؤى تحمل في خلفيتها نماذج لقراءات استشراقية، تحاول محاكمة الماضي، وفق مفاهيم وقيم الحاضر، غالبا لتدينه، وحينا باعتقاد صحة هذه القراءة، التي تستبعد البعد الثقافي والتاريخي من قرائتها.
فإعادة قراءة التجربة التاريخية، يستلزم مغادرة الزمن النفسي، وشعورنا الوجداني تجاه الماضي، والتعامل معه ودراسته بموضوعية، وغير مكتفين بالروايات الرسمية وتاريخ المؤرخ، وخطابات السلطة، ومن يقيم حولها ويؤرخ لها، بل نبحث أيضا في الدينامكيات، والخلفيات، والمسكوت عنه، والمهمش والمتروك، وربط ما قبل بما بعد.
كنتيجة طبيعية تحدث في كل الأمم والمجتمعات، بفعل غياب المؤسسين، وأثر الزمن والأحداث التاريخية المفصلية، والتغير الإجتماعي والثقافي، والتغيير السياسي، ودخول شخصيات جديدة إلى المشهد، أن تحدث تغيرات في بنيه المجتمع والسلطة وثقافة الحكم، والمجتمع الإسلامي ليس استثناء من ذلك.
فتحولت الدولة من خلافة في عهد الخلفاء الأربعة الراشدين رضي الله عنهم، إلى مسار وسياق تاريخي آخر يبتعد نسبيا عن (إسلام النص)، ويقترب من مسار وتجربة الحكم في النظم السياسية والاجتماعية والثقافية التي كانت سائدة في ذلك الزمن، فتحولت الدولة لدى المسلمين إلى إمبراطورية لا تختلف كثيراً في النوع، عن أي امبراطورية سابقة عليها في العالم أو لاحقة، وإن كانت هناك فوارق في الدرجة بالتأكيد. فالحاكم تحول إلى امبراطور وإن بقي يسمى بالخليفة، لكن دلالة المفهوم اختلفت ما بين عهد الخلفاء الراشدين، وما بعدهم.
ولو عدنا للتاريخ الإسلامي، وأردنا وضع حد فاصل بين المبادئ في الحكم والسياسة ووسائل تجسيدها التاريخية كان انضمام فئات جديدة للسلطة في الدولة، وتوليها مهام رئيسة فيها، أعني من اتفق على تسميتهم بـ (مسلمة الفتح) والذين كانت ما زالت تشوب ممارساتهم السياسية والثقافية الكثير من الثقافة التي كانت سائدة في عصر الجاهلية وعلينا أن نعترف بموضوعية، بأن الإرث الجاهلي اجتماعيا وثقافيا لم يتم محوه تماما، ولم يكن المسلمون متساوين في مستوى التحرر منه، كما دلت عليه بعض الوقائع والأحداث، حتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما دل الحديثين: "إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ"، "دَعُوها فإنَّها مُنتنةٌ".
وهنا لا أتحدث عن أفراد، لكن الحديث يتجه نحو ذهنية وثقافة كانت سائدة لقرون، وصراعات وطموحات قوى سياسية واجتماعية واقتصادية، تتنافس فيما بينها على المواقع والنفوذ.
فإذا كان ذلك مؤثرا على مستوى إعادة فهم وتفسير وتأويل النصوص، والفقه، والتشريع، والتدين سواء الفردي أو الاجتماعي، كما رأينا في الفقه أثر عودة المكون الثقافي الجاهلي، ليكون فاعلاً في المجتمع الإسلامي، بعد الخلفاء الأربعة، وفي عمليتي إنتاج وتفسير النصوص، فتراجع الفقه حضاريّاً وثقافيّاً، تجاه المرأة وغير المسلم، على سبيل المثال عن النصوص التي وردت في (صحيفة المدينة)، التي كتبت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كدستور للتعايش بين كافة سكان المدينة (يثرب)، بغضّ النظر عن الدين، وينظر للجميع نظرة متقدمة حضاريّاً كمواطنين، أي فقه التعامل مع الآخر المختلف. تراجع الفقه بعدها تحت وطأة الزهو الإمبراطوري، والشعور بالتفوق الأخلاقي، وفرط القوة والسطوة على الآخر، ليفتي بمضايقة غير المسلمين في الطرقات، وتضييقها عليهم وإلزامهم بلباس معين تمييزاً لهم، بشكل يشبه بعض ما فعلته الدول الاستعمارية في القرون الأخيرة، بمواطني الدول المُستَعمَرة، من تمييز ديني وعرقي. لذا من الطبيعي أن يكون كل ذلك مؤثرا على بنيه وذهنية وسلوك الدولة في الإسلام.
فبعد ترسخ موقع السلطة في الدولة الأموية، والبحث عن مزيد من الاستقرار، تحولت إلى التوسع، واميل إلى استخدام هذا المفهوم أكثر من مفهوم الفتح، الذى أراه ينطبق على فترة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، حيث كانت الحروب دفاعية، إما لصد عدوان أو منعه استباقيا، أو لمواجهة سلطة منعت وحاربت دخول الإسلام إلى شعبها، ومن أجل تمكين الناس من التعرف على الإسلام، كما حدث ضد الفرس والروم حينها أو للحفاظ على وحدة الدولة كما حدث في حروب الردة. أو مفهوم الاستعمار الحديث، وهو في حقيقته احتلال استيطاني للسلب والقهر، فيما ما فعله المسلمين لم يكن كذلك.
وكان ذلك التوسع حينها سياق سياسي تاريخي طبيعي، لأي امبراطورية ناشئة، ترى فيما حولها من محيط، مجال حيوي لها. ولم يكن مدانا سواء سياسيا أو اخلاقيا، كما يحاول من يتبنى إلصاق مفهوم الإستعمار الحديث بتلك الحقبة من الزمن.
وهذا التوسع وفق ما اقرأ لم تكن تستهدف منه السلطة والدولة الإسلامية حينها نشر الإسلام فقط، كما يقول المؤرخ بل هناك عدة اهداف، أولها بسط السلطة وضم شعوب وأراضي جديدة للإمبراطورية الإسلامية الناشئة، وجعل شعوبها جزء من عقيدة وثقافة الإسلام. ثانيا زيادة موارد الدولة، والتي زاد انفاقها بعد إنشاء الدواوين والوزارات وزيادة تمدن حواضر الدولة، وزيادة نفقات الخلفاء وامور الدولة، لذا اتجه التوسع إلى المناطق الخصبة في الغالب.
كذلك إيجاد مناصب واموال وسبايا جديدة داخل الدولة الإسلامية، يمكن منحها وتوزيعها على المحيط القريب من الخلفاء، المؤثر على الدولة واستقرارها سياسيّاً، اجتماعيّاً، دينيّاً، عسكريّاً. وتحييد وإسكات بعض الطامعين في السلطة عبر ذلك.
وأنوّه هنا بعبقرية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كرجل دولة، سابق لثقافة زمنه، أثناء ممارسته للحكم، لأنه كابن للمجتمع القرشي وعائلاته، وقارئ لتلك الذهنية، أدرك ذلك المنزع، نحو السلطة والمال. لذا بحكمة وتفكير بعيد المدى، منع توزيع الأراضي المفتوحة في عهده، خاصة الزراعية خارج الجزيرة العربية، ومنع استرقاق أهلها وتوزيعهم على الجنود الفاتحين، وجعل الأراضي تابعة لبيت المال، كوقف لجميع المسلمين، منعاً لاحتكارها من قبل الجنود الفاتحين، وهم جنود وليسوا مزارعين، رغم اعتراض بعض الصحابة وقتها، والإضطرار إلى اللجوء للتحكيم بينه وبينهم، وكانت مقولته الشهيرة: "... ومن لمن سيأتي بعدكم"
كذلك وهذا كان هدف مهم جدا من وجهة نظري، فإن دفع آلاف المسلمين للمعارك الخارجية، فيه ضمان لعدم استغلال المعارضات السياسية لهم، التي كانت ناشطة جدا وقتها، وتعبئتهم ضد الحاكم أو السلطة، خاصة في عهد الدولة الأموية ورأينا في زمن تولي (الحجاج) لولاية العراق، أن من أول قراراته كان منح الناس العطايا ثم توجيههم بما يشبه أمر التعبئة العسكري إلى الانضمام للجيوش المقاتلة على حدود الدولة الإسلامية، مع توعد من يتخلف منهم. وكانت هذه إحدى أهم استراتيجياته لإخماد الاضطرابات والثورات في العراق، في فترة
الدولة الأموية.
عبدالخالق مرزوقي.