‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا فكرية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا فكرية. إظهار كافة الرسائل

02‏/10‏/2021

لعبة شهريار المستمرة ضد وعي المرأة



"جاءت شهرزاد لتقاوم الرجل بسلاح اللغة، فحولته إلى (مستمع) 
وهي ( مبدعة)، وادخلته في لعبة المجاز وشبكته في نص مفتوح
نص تقوم فيه الحبكة على الإنتشار والتداخل والتبدل والتنوع
وتاه الرجل في هذا السحر الجديد، قامت هذه اللعبة المجازية على 
تدجين المتوحش وذلك بإخضاع الرجل وترويضه لمدة ألف يوم
ويوم، وهذه مدة تعادل الزمن الطبيعي لفترة الحمل والرضاعة
وبذا تكون المرأة قد أدخلت الرجل البالغ ( المتوحش) في رحم
مجازي، وفي حضانة مجازية، وجعلته يعتمد عليها في رضاعة 
ليلية، يتطلع إليها وينتظرها، فصار عالة على المرأة، مثل طفل
 مع أمه، حتى تدجن ولانت سطوته".


النص السابق من كتاب: المرأة واللغة، للدكتور عبدالله الغذامي
وهو يصور ويصادق على (السردية الشائعة)، لإنتصار شهرزاد 
على شهريار، عبر انهاء ممارسته ل متعته في الممارسة كل 
ليلة مع إمرأة ثم قتلها، كما يحكي كتاب (ألف ليلة وليلة).


فهل فعلا انتصرت شهرزاد على شهريار ومنعته من هذه المتعة؟ 
أم هناك طرق اخرى يمكن اعادة فهم (لعبة شهريار) عبرها
وتخفيها السردية الشائعة التي نُقِلَت لنا؟ وعبر اعادة القراءة
تلك، نستطيع فهم استمرار لعبة شهريار في العصر الحديث.


من مضمرات القصة، والتي ربما هي جزء من لعبة شهريار
والتي يمكن العثور عليها، حين التحليل بخلفية جندرية، هي 
أنها كقصة في خطابها المعلن تقول بإنتصار شهرزاد (المرأة) 
لكن في مضمرها ترسخ أن على المرأة أن تبذل جهدا دائما 
ومتواصلا، لكي تكون مصدرا لمتعة الرجل وأن انتصارها المفترض
الذى تروجه السردية الشائعة، هو انتصار قال به وروجه الرجل
وهو انتصار لا يتحقق لها كشهرزاد، ولكل النساء، إلا باستمرارها 
في بذل الجهد لتكون مصدرا لمتعة الرجل، كل وقت، كما يرسخ 
خطاب القصة المضمر، وبالتالي عليها دائما أن تكون تحت ضغط 
أن تكتسب مهارات أرضائه، وأن تبادر، بكل ما تملك من قدرة 
وذكاء وحيلة، وكل وسيلة قادرة على امتلاكها، مادية أو معنوية.

ولا يتم الإعتراف بإنتصارها إلا حين يقر الرجل أنه في حال 
استمتاع، وهو اقرار وقتي، فسرعان ما يطلب المزيد من 
المتعة، اما هي فيكفي أن يقول لها أنها انتصرت عليه وتحررت
فهل شهرزاد انتصرت في الحقيقة؟  رغم أن صلب دورها في
القصة لم يتغير، سواء كانت شهرزاد ألف ليلة وليلة أو المرأة 
الحالية في (خطاب الرجل) لتحريرها،  وهو تحقيق المتعة
 لشهريار، التي استمر يحققها رغم تغير الأدوات والوسائل
لكن لعبته مستمرة، بخطابات ماكرة، تحاول مراوغة وعيها
فتقدم لها كامرأة حديثة تبحث عن تحرر من سلطة خطاب
هيمنة، خطابية تحررية، لكن بمضمون لا يختلف بل ربما
مطابق لرغبة لشهريار القديم، الذى ما زال يستخدمها لتحقيق
متعته، فسوق عروض الأزياء والتصاميم ومقاسات العارضات
ومواسم الموضة الي يحددها جميعا الرجل، والإعلانات للسلع 
التي تستهدف الرجل وعن طريق استخدام المرأة كسلعة لتسويق 
السلع والخدمات، من اعداد وتصميم واخراج الرجل ومن اجله 
والإنتشار المهول لعمليات التجميل وملابس النساء اثناء الألعاب
الرياضية، بما في ذلك الأولمبياد التي هي اقصر بكثير واكثر 
ضيقا من ملابس الرجال في ذات الألعاب، واندية الإستربتيز
ومواقع المواعدة الحديثة وتشريع الجنس كمهنة قانونيا وغيرها
جميعها تقدم من أجل الرجل كمستهلك ومشتري نهائي، حتى
في السلع الخاصة بالمرأة، لكنه يقدمها في خطابة للمرأة الحديثة
 كجزء من الحرية، ومن تحررها، ويجعلها تقتنع بهذا المفهوم
 فيما المضمون هو جزء من لعبته القديمة المستمرة في
 استخدامها كمتعة.


 لذا التحرر الحقيقي يكون في تحررها من أسر سلطة تلك
 اللعبة، ومن جعل خطابه تجاهها هو المحدد لمفاهيمها 
وقيمها تجاه ذاتها، وبتقديمها خطاب مضاد، يعيد تعريف 
ذاتها، ويضع معاني جديدة للمفاهيم. 

فلا يمكن أن تكون حرا، حين تكون مستمرا في استخدام 
لغة، مفاهيم، وخطاب لست مساهما فيها، وانتج من
اجل الهيمنة عليك. 


*عبدالخالق مرزوقي




07‏/12‏/2019

سؤال الجسد لدى الأجيال الجديدة

                 سؤال الجسد لدى الأجيال الجديدة

عبدالخالق مرزوقي

في ظل ما نشهده من تحولات تجري على الأرض، في المجتمعات العربية والخليجية منها تحديدا، ومازالت خارج إطار البحث العلمي في المجال الإجتماعي، نرى
أن "الجسد"- اختيار كلمة جسد هنا بدلا من جسم مقصود لكون الأولى تعبر أكثر عن المعنى المادى المجرد - من المحرمات الثقافية التي تقترب الأجيال الجديدة من 
كسر تابو الحديث العلني عنها في مجتمعاتنا "المحافظة"، أعني الجسد في واقعيته 
المادية، عذاباته، حاجاته، وجماله.

بالتاكيد أن الجسد كمادة لم يكن غائبا، عن غالب الحضارات الإنسانية، لكننا نتحدث عن تعميم مفاهيم جديدة تتناوله فمنذ العام 1960 بحسب (ديديه انزيو) حدث "تطور" للأفكار والأذواق والعادات في المجتمعات الغربية، فرنسا تحديدا وبرزت توجهات تبرز مكانة الجسد في الثقافة الجديدة، كمعارضة الحكم بالإعدام وحق تحديد النسل استقلالية المرأة في الحياة المهنية والخاصة، ثم ابتداء من السبعينات والحديث مازال لديديه انزيو برز وجوب أخذ الجسد بعين الإعتبار "كتجذر للذات في الكائن"، وكالآلة الأولى للإتصال والتبادل في آن معا، وفي تعددية اشكاله الجنسية.*

في مجتمعاتنا وصلت هذه الأسئلة للتناول العام والمعمم متأخرة، فقد كانت تتداول في العقود الماضية في الأوساط الفكرية والثقافية وحدها، وعلى استحياء غالبا بمعزل عن المشاركة العامة في الحديث، التي اتاحتها وسائل التواصل الإجتماعي أسئلة من نوع هل اجسادنا مجرد "مادة" نمتلكها كما نمتلك أي شيء آخر؟ فقط مجموعة "اعضاء" وخلايا عصبية مترابطة، وبالتالي اذا كانت الإجابة بنعم يترتب على ذلك اننا نستطيع التصرف بها كما نريد. 

و"نمتلكها" هنا شائكة، فإن كانت اجسادنا مجرد مادة 
نمتلكها، فأين نوجد "نحن"! وهل نستطيع فصل وجودها عن وجودنا؟

أم تمتلكنا هي! وبالتالي نحن مجرد كائن مادي، تحركه خلايا عصبية، كما تقول بعض الإتجاهات المادية في الفكر وبالتالي نحن مجبرين على الإستجابة الآلية لكل متطلبات تلك المادة واحتياجاتها التي تعبر عنها.

أم نحن "كائنات متجسدة"، فلا نستطيع فصل الذات المتجردة عن اجسادنا، وبالتالي كما نتحدث عن احتياجات الجزء غير المادي فينا، بشكل اعتيادي ومعلن، علينا 
ايضا أن نولي الجانب المادي الإهتمام، وأن نمتلك القدرة 
على الحديث عنه بشكل طبيعي واعتيادي كذلك.

اجابة هذا السؤال ليست هدفي هنا، ولا اطلب تجاوزه 
كذلك، ما اهدف إليه هو تجاوز الإجابة، الي سيقترحها كل من يقرأ ما سبق - اذا فعل - للسؤال الذى تضمره بعض تلك الإجابات بدورها.

وهو أن الإجابات التي تقترحها اجيالنا الجديدة، كممارسة عملية، وتتداولها فيما بينها، سواء في ظاهرة العمليات التجميلية، أو استغلال الجسد وحينا بعضه كأداة 
للتسويق، سواء التسويق التجاري أو تسويق الأفكار - هذا 
لا يقتصر على اتجاه معين، أو جنس محدد - أو في 
الحديث الذي مازال يتم استحياء حول "الحرية الجنسية"
وكما ذكر (ميشيل مارزانو) "كون الجسد موضوع مادي
فإنه يدخل في حقلي التحول والظهور"**، فإن هذه الممارسات العملية تعبران تعبيرا واضحا عن تحول وظهور الجسد في الثقافة الإجتماعية القادمة، وتتم هذه
الإجابات بناء على افكار ذاتية واهواء نفسية، لكونها غير مصحوبة بتأسيس معرفي عميق يضع تلك الأفكار في سياقها الفكري، ويجعل الذات فاعلة، وليست فقط منفعلة امام هذه الأفكار، أو بمواكبة من المشتغلين بالحقول الفكرية والثقافية الذين مازالوا بعيدين عن مواكبة الأسئلة العملية في مجتمعاتنا.

-------------
*ديديه انزيو
* *ميشيلا مارزانو


20‏/04‏/2018

نماذج من عملية تغيير وعي المجتمعات أو الهندسة الإجتماعية


عبدالخالق مرزوقي



من وجهة نظري أنه في القضايا العامة، خاصة المتوجهه للناس، أنه لا يوجد شيء يحدث عفويا، أو بالصدفة


والكثير من الناس ، حتى ممن يعتقدون أنهم يصلون لقناعاتهم
بإستقلالية وعبر عمليات وعي وتفكير عقلاني، لا يدركون أنه تمارس ضدهم عملية برمجة لمدة طويلة، كي يعتقدون انهم فعلا كذلك. 

ربما من وجهة نظر الأفراد، أو الفئات الإجتماعية التي يتم تطبيق استراتيجيات تغيير الوعي، أو تزييفه، أو الهندسة الإجتماعية - فن اختراق العقول والتلاعب بها - يتم   تعريف هالاعمال بالمؤامرة.

لكن من وجهة نظر من يخطط لتغيير الأفكار، وجهات النظر، التوجهات العامة، تسمى استراتيجيات، تطوير وعي، صناعة "وعي" جديد

من أمثلة ذلك، في السينما الامريكية، الافلام الحربية اللي انتجتها هوليود، عن حرب فيتنام قبل عقود، كانت في خدمة الاستراتيجية السياسية والاعلامية والدعاية الرسمية الحكومية الامريكية، لصناعة رأي عام موجه - هي تجري على مستوى اللاوعي- لتصوير التدخل الامريكي انه لاهداف نبيلة، وأن امريكا لم تخسر الحرب.

ذات الاستراتيجية وبنفس الوسائل والتكتيكات، تم استخدمها وانتاج سلسلة افلام منها 

افلام رامبو - سلفستر ستالون - عن " الجهاد" في افغانستان ضد الشيوعية، وشارك الإعلام المكتوب والمسموع، والمسمى ب "الحر" و "المستقل"، ايضا في تنفيذ 
تلك الإستراتيجية السياسية، وكان " المجاهدين" وقتها يسمون في الاعلام الامريكي 
ب " مقاتلون من اجل الحرية"

وغالبا الافلام الحربية الامريكية، عن حروب امريكا ضد آخرين إما تمول من وزارة الدفاع جزئيا بطريقة غير مباشرة، أو تحصل على تسهيلات منها.

من ضمن الأمثلة الأخرى في العقود الأخيرة، في موضوع المثلية، تم تنفيذ تلك الإستراتيجيات - من وجهة نظري- لكن اختلفت السياسة والتكتيكات والطرق التنفيذ

اشترك الإعلام الغربي سواء كصحافة مكتوبة أو كمواقع مشهورة، واغلبه مملوك لعدد قليل جدا من الشخصيات، مثل ميردوخ، كذلك السينما، والأدب، والفن عموما، وسياسيين يريدون أن يحصلون على رضا ملاك الاعلام والداعمين بالمال عنهم، في الاشتغال على تغيير النظرة داخل المجتمعات تجاه تقبل المثلية

ففي كل الافلام والمسلسلات لو نركز الملاحظة، دائما يتم تصويرهم بأنهم طيبين، مسالمين، عطوفين، بحاجة لاحتضان اجتماعي، افراد فعالين في مجتمعاتهم، لا يؤذون احد

وخلال عقود بسيطة تغير الوعي العام تجاههم من رفض اجتماعي عام لقبول، بدأ التغيير حين شطبت الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين، المثلية الجنسية من الدليل التشخيصي والإحصائي للإضطرابات النفسية، وهذا ألغى تعريفها كإضطراب نفسي أو شذوذ جنسي

وبعد أن كان الزواج المثلي محظورا في العديد من الولايات، تم اقراره فيدراليا في عام 2015، عبر قرار المحكمة العليا في عهد أوباما.

نفس الموضوع والاستراتيجيات حاليا تتكرر تجاه موضوع تشريع وقوننه استخدام المخدرات، تحديدا الحشيش والماريجوانا في امريكا وبعض دول اوروبا

ويتم تغيير الوعي تجاه هالموضوع بتصويرها انها ليست مثل الانواع الاخرى، والسماح بها يقلل عدد المدمنين على الانواع القوية من المخدرات، ويقلل التهريب، ويمكن السماح بها للتعاطي الشخصي وليس للتجارة، في هولندا شرعت قانونا تحت هالحجة، وفي امريكا بعض الولايات شرعتها قانونا، سواء كزراعة أو استهلاك شخصي.

ايضا لدينا في العالم العربي، تمارس مثل هالاستراتيجيات في مواضيع عديدة، ضد المجتمعات، وليس شرطا أن تمارس من قبل السلطة العامة، فقد تمارس من اتجاهات سياسية، دينية، فكرية لتحقيق اهدافها.

تم استخدمها في الثورة المضادة للربيع العربي لتشويهه، ايضا ال
قادة الخفيين للجماعات الارهابية يمارسونها ضد افراد تلك الجماعات تحت مسمى الدفاع عن العقيدة، الكثير مما يقوم به الاعلام والاعلاميين، تحت مسمى الوطنية أو الدفاع عن الوطن مثال آخر على استخدام استراتجيات وأساليب تغيير الوعي.

ويوجد الكثير من الناس، يكون منخرطا في التنفيذ، معتقدا أنه يقوم بعمل نبيل وواعي داخل المجتمع، وهو لا يعي انه مجرد منفذ لاستراتيجيات غيره، والتي اهدافها لا تتطابق بالضرورة مع اهدافه كمنفذ.

02‏/03‏/2018

عن مقدمات نقاش الأفكار والمفاهيم- قضية النسوية كنموذج


عبدالخالق مرزوقي

في امسيتنا الاخيرة عن الادب العراقي، ضمن جمعية كلنا نقرأ كان هناك نقاش جانبي قوي، دار بين طرفين من الحضور، حول من الأفضل في المجال الأدبي والفني العربي، الرجال أم النساء

اثار لدي ذلك النقاش رغبة في التعليق على نقاط محددة، تتعلق بطريقة عرض القضايا من ناحية منطقية، لأنها ورغم كونها تبدو صحيحة منطقيا - علم المنطق عموما يتحدث عن صورة الفكر وليس مضمونه، لذا يسمى بالمنطق الصوري- لكنها ليست بالضرورة كذلك موضوعيا.


الرأي الأول كان يقول إن الرجال افضل في الإنتاج الثقافي والفني وقدم وجهة نظره بطريقة منطقية ضمنيا معتمدا البناء التالي:


1- المقدمة الأولى: معيار الافضلية هو العدد و الكثرة. 
2- المقدمة الثانية: في الإنتاج الثقافي والفني عموما، عدد الرجال البارزين اكثر.
3- النتيجة : إذن الرجال افضل من النساء في هذه القضية. 



منطقيا ارى النتيجة صحيحة وسليمة، ولا اعتقد أن هناك من يستطيع رفض ورد هذه النتيجة، وعدم التسليم بها، اذا اعتمدنا نفس المقدمات. 

لكن هل كانت النتيجة موضوعيا صحيحة؟

من الطرف الثاني، الأخوات اللاتي قمن بالرد في النقاش، كانت ردودهم المتحمسة للدفاع عن المرأة، تقوم على أن هذه النتيجة غير صحيحة وغير سليمة، وقدموا دليل لردها ودحضها، عن طريق ذكر امثلة يرون انها تنفي هالنتيجة، كوجود شاعرات مبدعات من مثال نازك الملائكة وسعاد الصباح، وغيرهم.

هل كانت ردودهم تنفي النتيجة التي وصل لها الطرف الأول حقا؟

اعتقد بشكل خاص، أن الطرفين كانوا على خطأ لأنهم اعتمدوا طرق خاطئة في عرض قضية النقاش وفي طرح الحجج.

الرأي الأول حول افضلية الرجال، رغم انه صحيح من ناحية النتيجة المنطقية التي وصل لها، بالمعيار الذى وضعه للوصول لهذه النتيجة، لكن الخطأ فيه، هو نوع المعيار المعتمد للافضلية والذى وُضِع كمقدمة أولى، وهو معيار العدد، وتم تجاهل حقائق موضوعية من تاريخ طويل من اختلاف الفرص، والتمكين بين الجنسين والظروف الاجتماعية والثقافية، وتجاهل معيار جودة العمل ونسبة المتميزين بين الرجال من ضمن مجموع الرجال، ونسبتهم بين النساء من ضمن مجموعة النساء.



بالنسبة للرأي الثاني حول رد ودحض الراي الاول، والذى ينفي 

الافضلية للرجال، كان النقاش والردود المعلنة في الظاهر، تدور حول نفي أفضلية جنس الرجال على جنس النساء، لكن على مستوى أعمق ومضمر كانت الطريقة المعتمدة تقود لنتيجة منطقية، هي ذاتها تؤكد أن الرأي الاول صحيح، لأن الأخوات في حماسهن للرد - وهذا ملاحظ في النقاشات العديدة حول المواضيع المتعلقة بالمرأة وحقوقها خاصة في وسائل التواصل- لم يلاحظن
أو ينتبهن، إلى أنهم وافقن ضمنيا، على نفس المقدمات، التي طرحها الطرف الأول بإنتقالهم مباشرة لنقاش النتيجة وليس دحض مقدماتها، بدليل انهن لم يرفضن معيار العدد أو يعلن بطلانه، بل ضمنيا وافقوا عليه وتم طرح اسماء قليلة تؤكد اعترافهم بهذا المعيار كأساس للوصول للنتيجة، ولأنهن وافقن عليه ضمنيا كانت النتيجة المنطقية من المفترض أن تقودهم لتأييد رأي الطرف الأول، بدون ذلك سيكن متناقضات في العمق اذا رفضن النتيجة
رغم أنهن ظاهريا ضدها وهذا ما حدث، أعني التناقض.


الكثير من النقاش في مختلف القضايا بين الناس، والجدال في بعضها، يجري بهذه الطريقة، حيث لا يكون هناك اعتماد معايير موحدة لدى طرفي الحوار أو تحديد دقيق لموضوع النقاش، أو تحليل وتفكيك للمقدمات، سواء النقاش المباشر، أو في وسائل التواصل، فتكون النتيجة أن كل طرف يرى ما وصل له، هو الصحيح، بناء على معاييره هو، وكمطلقاته ومقدماته وتحيزاته التي وضعها للوصول إلى النتيجة.


وهذا لا يحدث بين عامة الناس فقط، بل ايضا بين المطلعين والمثقفين احيان اخرى ففي ترجمة كتاب: The Female Eunuch


للكاتبة الإسترالية جيرمين غرير (29 يناير 1939) والتي تُعد أحد أبرز الأصوات النسوية في أواخر القرن العشرين، إلى اللغة العربية، كانت هناك ترجمتين، الأولى في 1981 لهنرييت عبود عن دار الطليعة، بعنوان: "المرأة المدجنة"


أما الترجمة الثانية فحديثة نسبيا وصدرت قبل سنوات قليلة بترجمة عبدالله بديع فاضل، عن دار الرحبة بعنوان: "المرأة المخصية"




ونلاحظ هنا الفارق في اختيار عنوان كل ترجمة، اعني الفرق بين استخدام كلمات العنوانين، الترجمتين استخدمتا ذات الكلمة إمرأة Woman، ولم تستخدما كلمة انثى Female التي يمكن ان يدل

عليها عنوان الكتاب باللغة الإنجليزية، ورغم أنه لا يظهر وجود فرق مهم بين كلمتي إمرأة وانثى، للمتعجل في القراءة، إلا أن بينهما اختلافات مهمة وتزداد اهميتها هنا، لأن الموضوع يتناول قضايا ثقافية تتعلق بالنسوية والذكورة من الناحية الفكرية، لذا اعتقد أن إستخدام كلمة أنثى كان سيكون أكثر عمقا وملائمة لأن
الكتاب ليس عن المرأة كجنس في مقابل جنس الرجل، بل أمر اشمل يتناول الأنثى كمعنى وكمفهوم ثقافي، والمفاهيم النسوية في مقابل الثقافة الذكورية.

كذلك عملية إختيار كلمتي: "مدجنة" و"مخصية" في الترجمتين فهو ليس فرقا لغوية بين كلمتين، يمكن وضع احداهما مكان الأخرى بعفوية فقط، بل يخفي ويضمر فرقا ثقافيا في تناول الموضوع، فرغم أن الكلمتين تمنحان معنى قريب من بعضهما 
حيث تتقصدان القول أن الأنثى مسلوبة الإرادة وتابعة ثقافيا.

فمن ناحية وقع كلمة "مدجنة"، بغض النظر عن صحة إطلاق الكلمة من عدمه، بما يوحي به من مقارنة مع مخلوق آخر أما كلمة "مخصية"، فإضافة لمعناها الأول، الذى يعني أيضا أنها مسلوبة الإرادة ولكن ليست بالضرورة تابعة، بالمقدار الذى توحي به الكلمة الأولى، هناك معنى ثاني اعمق لها، وهو انها تصنف فعالية وقدرة الأنثى، بمعايير ذكورية، فالإخصاء وفي مقابله الفحولة وهما هنا بمعناهما الثقافي هي معايير ومفاهيم ذكورية.

وإستخدام معايير ومفاهيم ذكورية، لوصف الإنثى، في مقام الدفاع
عن الأنثى هو أمر يضمر ثقافة ذكورية ما، سواء كان الإستخدام 
من قبل رجال أو نساء، وهذا مما يجب أن يعيه أي مترجم، فلكل كلمة معاني ومدلولات وسياقات في لغتها الأصلية وفي حقلها المعرفي تفهم من خلالها وعلى المترجم الإلمام بذلك.

وكذلك للكلمات في اللغة المترجم إليها، معاني ودلالات وسياق تفهم من خلالها، وعلى المترجم إمتلاك الحصيلة اللغوية، والخلفية
الثقافية، لإنتقاء الكلمات والمعاني، التي تقرب القارئ من فهم النص الأصلي كما كتب في لغته، ما أمكن ذلك، ولا يمارس علينا المترجم وصايته، ويجبرنا على قراءة النصوص كما يريد منا هو قرائتها.

وبما أن الفكر النسوي الخليجي عموما والسعودي خصوصا حاليا
في مرحلة ظهور كبير، لابد من أن يتنبه جيدا، في بحثه عن الدفاع عن قضايا النساء، لعدم اضمار الخطاب الذكوري بدون وعي.

ولا اتحدث فقط عن تلك الردود المتعجلة العشوائية، فتلك يكون من الواضح تهافتها، حديثي عن تلك التي تقدم الحجج بطريقة تظهرها بصورة منطقية تظهرأنها علمية ومستندة على قواعد حقيقية، وبأن من يقدمها صاحب قوة منطق وحجة وهذا نوع من القوة، تجعل الاطراف الاخرى تسلم بسلطة تلك الآراء، وبما تقدمه كنتائج.

فمن اهم الأمور الغائبة عن الثقافة العربية، عملية تفكيك وتحليل
طرق الوصول للأفكار والنتائج وعرضها، ففي العادة نذهب مباشرة لمناقشة الأفكار والنتائج.

استسهالا للتفكير، واعتقاد أن مجرد التفكير يساوي انتاج فكر ولأن ذلك لا يتطلب تأسيس مسبق ثقافي ومعرفي كبير، ولأن اغلب حواراتنا ونقاشاتنا هي بحث عن مكسب، وتأييد نتيجة وصلنا لها مسبقا بدون بحث، واعتقد هذا خطا وخلل ثقافي كبير.


28‏/01‏/2017

حول الإلحاد



هذا حوار دار بين الإستاذ شايع الوقيان
وبيني عبر موضوع كتبه في الفيسبوك
احببت نقله لهذا المكان.



الإستاذ شايع :

ليس دفاعا عن الإلحاد:

هناك خطأ سوف أسميه خطأ مقوليا Category Mistake* عند مناقشة قضية الإلحاد.

يتمثل الخطأ في المقارنة بين ( مسلم) و ( ملحد). والخطأ يكمن في التعامل مع الإلحاد كمقولة مساوية في
 الرتبة لمقولة ( الإسلام) أو حتى في مقارنة ( مسيحي) بـ( ملحد).. إلخ

فإذا قيل لي ما هي أخلاق الملاحدة؟ لقلت: الملاحدة ليسوا نوعا واحدا. فالإلحاد موقف بسيط جدا يتمثل في
 إنكار وجود خالق واع ومصمم لهذا الكون. هو موقف وليس تيارا أو مذهبا. من ثم، سنجد أن هناك
ماركسيا ملحدا، وأخلاقه ( منظومته الأخلاقية) هي الأخلاق الماركسية ( لا الألحادية) وهناك رأسمالي 
ملحد وأخلاقه تتجلى في مذهب المنفعة ( وهناك مذهب العدالة الرولزي الليبرالي)، وهناك قومي ملحد و…إلخ

الجدير بالذكر أننا قد نجد رأسماليا غير ملحد، بل حتى أنه صار لدينا ماركسي غير ملحد.

الشاهد أنه ليس ثمة فلسفة أخلاقية خاصة بالإلحاد ولا نظرية معرفية ولا رؤى جمالية. فالإلحاد مجرد موقف 
معارض للتصور الديني فيما يتعلق بالإله، وعليه، فعندما يقول أحد إن ستالين يمثل أخلاق الإلحاد سأقول: 
كلا، بل يمثل أخلاق مذهبه السياسي ( الماركسية الستالينية)، وعندما يقول أحد أن هتلر يمثل أخلاق الإلحاد 
أقول: كلا، بل أخلاق المذهب النازي ( وهو ليس إلحاديا على كل حال وليس علمانيا أيضا كما سأبين بعد قليل).

وهذا الشيء يصدق بالمقابل على المقولة الموازية للإلحاد وهي ( التدين). والتدين هو اعتناق دين ينهض على
 فكرة وجود إله واع وذي مقاصد ومنشئ للكون.

الإسلام والمسيحية واليهودية تحديدا يمكن التعامل معها كعقائد دينية خالصة ويمكن التعامل معها كأيديولوجيا 
مذهبية. الحال الأول يعد موقفا فرديا.. والثاني يعد مذهبا له أبعاده السياسية والسلطوية عموما.

التنظيمات الإرهابية كالقاعدة وداعش لا تمثل الإسلام كموقف عقدي فردي بل كأيديولوجيا. فهم يريدون 
فرض رؤاهم بالقوة. وأخلاقهم الدموية تمثل الخلفية الأيديولوجية لهم.

ولو فرضنا أن ملحدا تسنم سدة السلطة وصار كل همه إجبار المتدينين على الإلحاد لكان هذا تعاملا أيديولوجيا
 ولذا فلن تعدم وجود ملاحدة كثر يرفضون عمله؛ كما لا نعدم وجود مسلمين كثر يرفضون عمل داعش.

في حالة الإسلام المعاصر، الأمر معقد كثيرا..وتداخلت فيه المواقف الفردية مع التفسيرات الأيديولوجية. 
وأغلب التيارات الأيديولوجية والمذاهب المتشددة تستند على الإسلام ليس كنص فقط وإنما كتاريخ طويل 
من الممارسة السياسية.

والمفارقة تحدث عندما تجد شخصا يرفض أعمال داعش ولكنه يؤمن بكثير من مبادئها. وهذا الوعي المزيف 
والفهم اللا-تاريخي للدين لا يمكن التغلب عليه ما لم يتم إعادة الدين لوضعه الطبيعي؛ أي إلى كونه موقفا فرديا. 
والأفق الملائم لهذا التحول لن يكون سوى تطبيق العلمانية. والعلمانية مبدأ بسيط أيضا: جعل السياسة محايدة 
بحيث تعبر عن (الشعب) وليس عن (الجمهور)؛ عن المجتمع بأطيافه وليس عن مذهب ديني أو عرقي معين.

وأود التشديد على كلمة ( عرقي). فالعلمانية ليست فقط الحياد السياسي تجاه الدين بل تجاه العرق واللغة واللون 
وأي مكون سكوني static أو شبه سكوني.

فدولة القومية العربية ليست علمانية أبدا مادامت لم تفصل بين السياسة والعروبة. ونازية هتلر ليست علمانية 
لأنها لم تفصل بين السياسة والعرق… وقس على ذلك بقية الدول كجنوب أفريقيا إبان حقبة الفصل العنصري 
وإسرائيل. والشواهد كثيرة ولا تكاد تخلو منها دولة وبعضها ظاهر وبعضها مضمر.
**

استدراك:
قد يقول قائل: إذا كان (الشعب) كتلة واحدة.. فهل يحق لهم رفض العلمانية، أي هل يحق لهم تطبيق مذهبهم 
الديني عليهم؟! لنفترض أن كل شعب دولة ما يدينون بالمذهب الشيعي الأثني عشري أو المذهب الحنبلي فهل
نطبق تعاليم الأثني عشرية أو الحنبلية عليهم وليس الحياد العلماني؟!

الجواب هو أنه من المستحيل أن يكون الشعب بهذا التطابق والتماثل، فالتاريخ يخبرنا أن الفروقات والاختلافات 
هي صفة الشعب، وأن الناس ليسوا كتلة واحدة بل هم شعوب وقبائل وأعراق شتى، وإذا وجد مجتمع يتطابق فيه 
الناس فيكونون نسخة من بعضهم بعضا فاعلم أن ظلما رهيبا قد حدث وأنهم لم يكونوا بمثل هذا التماثل لو كانوا 
أحرارا.. ولكن تمت “أدلجتهم” فصاروا على عقل رجل واحد هو السلطان.

ربما أن الدولة الوحيدة التي يتماثل فيها الشعب هي الفاتيكان!! ولكن هل هي دولة حقيقية؟؟؟ برأيي أنها مجرد 
معبد كبير وحسب، ورغم كل ذلك، فإن المجتمع الدولي لن يسكت على أي مظالم تحدث في الفاتيكان لو كانت 
هذه المظالم مما يمس الحقوق الأصلية كالحق في الحياة، ففي الهند هناك ممارسة الساتي (Satii) وفيه تقتل 
المرأة نفسها بعد وفاة زوجها.. ولكن هل نسكت عن هذه الممارسة حتى لو أقر بها كل أعضاء المجتمع؟؟؟ 
هل نسكت بدعوى أنها خصوصية ثقافية؟!

أعتقد أنه من واجبنا الأخلاقي كبشر أن نرفض أي معتقد أو ممارسة أيا كانت إذا كان فيها هدر للحقوق الأصلية: 
كالحق في الحياة، الحرية، العدالة، المساواة، الحق في المعرفة … إلخ
**

تلخيص:
الأفكار والعقائد والمواقف قد تكون موقفا شخصيا أو إيمانا فرديا. ولكنها تصبح أيديولوجيا إذا تم تعميم هذه 
المواقف على الناس بالقوة، لكن هناك جملة من الأفكار الأيديولوجية بطبيعتها… فهي عنصرية في أساسها 
ولا يمكن إصلاحها. كالنازية مثلا..فهي تتأسس فلسفيا على التفرقة العنصرية وعلى العنف. ولذا ترى الناس 
إلى يومنا هذا يجرمون اعتناق النازية بأي شكل من الأشكال، أما الشيوعية فهي قابلة للإصلاح لإعادتها إلى 
وضعها الطبيعي بدلا من التعامل معها كمذهب سياسي قمعي. وعليه فلا نجداليوم أحدا يتحرج من وصفه 
بالشيوعية.. فهو أول من يتبرأ من ستالين. بينما النازيون اليوم لا يمكن لهم أن يتبرأوا من هتلر.
**

هامش:
* الخطأ المقولي هو مصطلح ابتكره جلبرت رايل وهذا الخطأ يحدث عندما نتعامل مع (العقل) بوصفه جوهرا 
متمايزا عن (الجسد).. وهو يرفض هذه الثنائية ويرى أن العقل وظيفة من وظائف الجسد. ويضرب رايل المثال 
التالي: إذا زار شخص جامعة أكسفورد سيبدأ مثلا بزيارة مكتب العميد ثم زيارة الكليات والأقسام وبعدها سيزور
 المرافق الموجودة من ملاعب ومطاعم ومكتبات وهكذا… فإذا سأل الزائر: ولكن أين الجامعة ذاتها؟!!! فقد 
وقع في خطأ مقولي.. فالجامعة ليست شيئا منفصلا عن أجزائها وأقسامها، في حالتنا هنا فالتعامل مع الإلحاد 
كمقولة مميزة ومستقلة وقائمة بذاتها يعد خطأ مقوليا.
وبالله التوفيق.



عبدالخالق :

لدي عدة نقاط اشارك بها في هذا النقاش:
- ذكرت أن هناك خطأ يكمن في التعامل مع الإلحاد كمقولة مساوية في الرتبة لمقولة مسلم، ولم توضح أين يكمن
 الخطأ لأني لا اراه.
- نعم الملاحدة ليسوا نوع واحد، ولا توجد فلسفة اخلاقية خاصة بالإلحاد، لكننا لا نستطيع أن ننفي أن الإلحاد
يمثل "اتجاه" في التفكير، ولذا لا اراه مجرد موقف بسيط جدا، لأسباب اهمها كما ارى، أن مسالة انكار وجود
خالق واعي مصمم لاكون هي بداية تكون اتجاه في التفكير، كما أن اثبات وجود ذلك الإله هي بداية تكون اتجاه آخر
قد يكون هذا حجه من يجعل المؤمن بالإله السماوي، مساويا في الرتبة لمن يقول بإنكار وجوده.

- اراك غفلت ربما عن جزئية مهمة جدا، وهي أن هناك طبقة ثانية بين انكار وجود الإله كطبقة أولى وبين عدم
وجود منظومة اخلاق إلحادية واحدة بل تيارات كطبقة ثالثة، وهي الطبقة التي يحدد فيها مصدر الأخلاق، ففي
الإلحاد تكون المصادر وضعية ومعاييرها غير ثابتة، فيما في هذا المستوى لدى المؤمن بالإله الخالق يكون
المصدر علوي ومعاييره ثابتة.

-اختلف معك في أنه يجب اعتبار الدين امرا فرديا - هنا يجب أن نفرق بالضرورة بين الدين والشريعة والفقه- ولا يجب
 تحويله إلى ايديولوجيا مذهبية، اذا كنت تعني أن الدين لا يمكن اعتباره منظومة متكاملة دينية، اخلاقية، اجتماعية
سياسية أما اذا كنت تعني التوظيف الايديولوجي لتلك المنظومة، وهما امرين مختلفين، فأتفق معك.

- لدى اعتقاد مؤمن به تماما، مكون من جزئين الأول أن الأفق الحالي للتعامل مع منظومة الدين كشريعة في الحياة
العامة، لدينا كمسلمين ضيق جدا، ولا يناسب العصر، الثاني أن المناداة بتجاوز هذا الأفق عن طريق تنحيه الدين ذاته
 عن الحياة العامة، بتطبيق العلمانية، كمنظومة متكاملة، هو ايضا غير ممكن نظريا وعمليا.

لأن العلمانية نشأت وتكونت في اطار منظومة وسياق مختلف تماما، ديني، فكري، تاريخي، ثقافي، اجتماعي، سياسي
 فأتت كما نراها اليوم كنتيجة، كنتاج لتفاعل كل تلك العوامل خلال قرون، ولا يمكن بأي حال من الأحوال استنباتها
 كما هي اليوم، في بيئة اخرى كبيئتنا، مختلفة تماما في المنظومة الدينية، الفكر وفي التاريخ كذاكرة جمعية وكظرف
حالي، في الثقافة الإجتماعية، الثقافة السياسية، وغيرها، لذا لابد من الخروج من هذا المأزق الذى نجد فيه انفسنا
كأمة، بضرورة تبني اجتهادات - ليس اجتهادا واحدا- جديدة تخرج من الإطار الضيق الذى مازال الفكر الديني يضع
 نفسه فيه، ولا تخرج من منظومة الدين الشرعية والأخلاقية - منظومة الدين وليس منظومة الفكر الديني أو رجال
الدين- وتتعامل مع جميع ما انتجه البشرية من افكار بما فيها العلمانية، بتفاعل حضاري، لنخرج بمنتجنا الحضاري
 الخاص لأنفسنا ونقدمه للعالم.



الإستاذ شايع :


مرحبا عبدالخالق.. شكرا للمداخلة الثرية.. وسأعلق على بعض ما ورد.

قبل ذلك بودي تصحيح خطأ مصطلحي وقعتُ فيه. وهي أني كان يجب أن أقارن بين الموقف الإلحادي والموقف
 الإلهي لا الديني. فالإلهي هو الإيمان بوجود إله وقد يكون صاحبه لادينيا. وعليه فالموقفان هما: الإلهي مقابل 
الإلحادي.

١- تقول: ( ذكرت أن هناك خطأ يكمن في التعامل مع الإلحاد كمقولة مساوية في الرتبة لمقولة مسلم، ولم توضح 

أين يكمن الخطأ، لأني لا اراه.)

وأقول: الخطأ يمكن في المقارنة بين (موقف) و(مذهب). فالموقف هو فكرة عامة وبسيطة. بينما المذهب هو 

منظومة فكرية متنوعة ولها مبادئ وأصول وفروع. فإذا قلنا هناك أخلاق إسلامية فهذا صحيح. وإذا قلنا هناك 
أخلاق مسيحية فهذا صحيح..ولكن ليس هناك أخلاق إلحادية. الأصوب أن نقول هناك مذاهب إلحادية كالماركسية 
والتطورية وهي تملك منظومات أخلاقية. وهكذا فهناك أخلاق ماركسية ورأسمالية وهلمجرا. الخلط بين الموقف 
والمذهب يجعلنا نظن أن ستالين يمثل الأخلاق الإلحادية وهذا خطأ ناجم عن الخطأ المقولي. فستالين يمثل الأخلاق
 الشيوعية (اللينينية-الستالينية). وهتلر يمثل الأخلاق النازية لا الإلهية ولا الإلحادية.

٢- تقول: (نعم الملاحدة ليسوا نوع واحد، ولا توجد فلسفة اخلاقية خاصة بالإلحاد، لكننا لا نستطيع أن ننفي أن 

الإلحاد يمثل "اتجاه " في التفكير، ولذا لا اراه مجرد موقف بسيط جدا، لأسباب اهمها كما ارى، أن مسالة انكار 
وجود خالق واعي مصمم لاكون هي بداية تكون اتجاه في التفكير، كما أن اثبات وجود ذلك الإله هي بداية تكون 
اتجاه آخر)

وأقول: الإلحاد فعلا قد يكون منطلقا للتفكير المذهبي الشامل، لكنه ليس مذهبا. فالإيمان بالله هو منطلق للأديان 

السماوية الثلاثة ولكنه يظل منعزلا عنها وليس مشروطا بها والدليل وجود ربوبيين، الفكرة كالتالي: هناك موقف 
مبدئي هو الإيمان بوجود إله أو عدم الإيمان بذلك. الأول نسميه الموقف الإلهي والثاني الموقف الإلحادي. الآن 
عندما نحاول البرهنة على الموقف هذا أو ذاك ندخل في إطار المذهب. لذا تجد أن الماركسي يبرهن على عدم 
وجود إله بطريقة تختلف عن برهنة الدارويني، وهما يختلفان عن طريقة برهنة المذهب الحسي في عدم وجود
 إله…. وهكذا تتعدد المذاهب رغم أنها تنطلق من موقف واحد وليس من (تيار) أو (مذهب) واحد. فالإلحاد
كموقف ليس نظرية .. والنظرية هي منظومة منطقية وبرهانية متماسكة.

وقل مثل ذلك فيما يتعلق بالموقف الإلهي. وهكذا فعندما يتم البرهنة على وجود الله بالبرهان العقلي يكون المذهب

 الناجم عن ذلك ربوبيا وإذا كان البرهان بالوحي يكون المذهب دينيا (سواء إسلاميا أو مسيحيا أو يهوديا).
الموقف الالهي واحد بين المسلمين والنصارى واليهود والربوبيين رغم الاختلافات المذهبية بينهم. ولكن الموقف
 نفسه ليس مذهبا بل أساسا أو منطلقا لإنشاء المذهب، والموقف الإلحادي بين الماركسيين والماديين التقليديين 
والتطوريين والنيشتويين ونحوه واحد..رغم الاختلافات المذهبية.

٣- تقول ( - اراك غفلت ربما عن جزئية مهمة جدا، وهي أن هناك طبقة ثانية بين انكار وجود الإله كطبقة أولى

 وبين عدم وجود منظومة اخلاق إلحادية واحدة بل تيارات كطبقة ثالثة، وهي الطبقة التي يحدد فيها مصدر الأخلاق
 ففي الإلحاد تكون المصادر وضعية ومعاييرها غير ثابتة، فيما في هذا المستوى لدى المؤمن بالإله الخالق يكون 
المصدر علوي ومعاييره ثابتة.)

وأقول: لم أستوعب الفقرة الأولى من السؤال. وأما ما يتعلق بأن معايير الإلحاد وضعية وغير ثابتة بينما في الدين 

فهي علوية وثابتة فأرد عليه كالتالي:
الإلحاد ليست له معايير ولا مصادر فهو ليس مذهبا نظريا. لكن هناك فلسفات إلحادية لديها مصادر غير وضعية 
وثابتة، فالمذهب المادي التقليدي يرى أن المادة الأولى (الهيولي) هي الأصل. وهي ثابتة. وهذه المادة ليست وضعية
 ( إذا كان المراد بالوضعية هي التجريبية) بل هي غير قابلة للإدراك الحسي بذاتها، المذاهب العقلية الإلحادية ترى 
أن العقل هو الأساس المتعالي لكل شيء.. كمذهب هيجل وسبينوزا. وبالمناسبة الإله عند هيجل وسبينوزا مجرد 
وصف للمطلق المتعالي الروحي.. وهو ليس الإله الفردي الواعي المنشئ للكون كما هو متمثل في الأديان، أما كون
 الدين ذا مصدر علوي فقد يرى الملحد أن هذا مجرد ادعاء.. ويرى أن الله فكرة اختلقها الخيال البشري.

٤- تقول ( لأن العلمانية نشأت وتكونت في اطار منظومة وسياق مختلف تماما، ديني، فكري، تاريخي، ثقافي

 اجتماعي سياسي، فأتت كما تراها اليوم كنتيجة، كنتاج لتفاعل كل تلك العوامل خلال قرون.)

وأقول: بل نحن أحوج الشعوب قاطبة إلى العلمانية. فالعلمانية هي حياد الدولة وجعل الاعتقادات خاصة بكل فرد

 وكل شريحة اجتماعية. والأوربيون مروا بصراعات مذهبية مشابهة لما لدينا ولم تحسم الصراعات الدينية 
إلا بإعلان حياد الدولة ورغم أن العلمانية ليست سببا كافيا لإنهاء النزاع المذهبي إلا أنها سبب ضروري له.
إن الظهور التاريخي للعلمانية في أوربا لا يجعلها حكرا على الأوربيين. وإلا كانت فيزياء الكوانتم أوربية 
لأنها ظهرت في أوربا وأنه لا يحق لغير الأوربيين العمل عليها! وهذا خلف.

ما أشدد عليه هو التعريف النموذجي للعلمانية وليس التطبيق التاريخي لها. فالعلمانية هي ( ليس فصل الدين

 عن السياسة) بل جعل السياسة محايدة وموضوعية بحيث تعبر عن الاختلاف الاجتماعي والتنوع المذهبي. 
وهذا علاج فعال.



عبدالخالق :


اشكرك شايع على ردك

فيما يتعلق بالفقرة الثالثة من ردك علي :
أعني بها أن بين القول بالالحاد وبين الوصول لعدم عدم وجود فلسفة اخلاقية للإلحاد بل تيارات متعددة، هناك
نقطة في المنتصف، وهي كما ارى أن القول بالإلحاد. يحتم اللجوء لجعل الإلحاد اتجاها مذهبيا في الفكر وليس
بالضرورة مذهبا وهذا اختلفت معك فيه أي في قولك أن الإلحاد موقف بسيط جدا، فهذا الإتجاه يفرض فكريا
جعل المسائل الأخلاقية وضعية وغير ثابتة بل متغيرة، اتحدث عن معايير الأخلاق وليس معايير للإلحاد
كما يبدو انك فهمت من حديثي.

عدم علوية وثبوت هذه المعايير الأخلاقية في الإلحاد، هو ما ادى لاحقا للوصول للنقطة الثالثة، وهي عدم وجود
 فلسفة اخلاقية للإلحاد بل اتجاهات وتيارات داخله، فيما علوية وثبوت معايير الأخلاق لدى المؤمن بالإله، يجعلها
 ثابتة وتنتج فلسفة اخلاقية جامعة

في الفقرة الرابعة من ردك علي :

اتفق أننا بحاجة لعلمانية ما، وليس بالضرورة للعلمانية كما هي مطروحة أمامنا كنظرية وكممارسة.

كنظرية هي نجحت في أوروبا، وإن تكن تواجه حاليا تحديات، ففي اقصى الأنظمة تطبيقا للعلمانية، اعني فرنسا
 الدولة ليست محايدة، بل فقط تم استبدال هيمنة الكنيسة - الكنيسة وليس الدين - على على المجتمع عبر الدولة
 كأداة بهيمنة الأيديولوجيا العلمانية عبر الدولة ايضا كأداة على الدين. في الدولة في فرنسا اليوم هي دولة تمارس
 ابوية تجاه المجتمع والعلمانية في اطارها الفرنسي تحديدا كمثال لها مقدساتها وتنبذ الخارج عنها وتشيطنه كما
كانت تفعل الكنيسة تماما.

كذلك عدم وجود قوانين في المسيحية تتحدث عن المجتمع والسياسة والاقتصاد جعلت من السهل فصل
الكنيسة - المجتمعات الأوروبية حكمت عبر الكنيسة بالقوانين الرومانية وليس بقوانين دينية مسيحية - عن الدولة
وهذا غير ممكن في الاسلام لتداخله مع ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي، فمسائل مثل تحريم الربا، جمع
الزكاة، القضاء وتطبيق الحدود، المواريث، كافة قوانين الأحوال الشخصية، وغيرها يتداخل فيها القانون الديني
 بالتنظيم السياسي، ولا يمكن الفصل بين الأمرين. 


06‏/03‏/2016

من استخدامات العلمانيين العرب للدين في السياسة



من المفارقات لدى العلمانيين العرب، أنهم حين يحاولون تبرير 
ابعاد الدين عن السياسة، أو المجال العام عموما، مثلا بدعوى
أن للدين مجاله وقدسيته، ولا ينبغي تدنيسه بالسياسة وألاعيبها.

أنهم يستخدمون - دون إدراك ووعي غالبا أنهم يفعلون- مفاهيم دينية 
في هذا الشأن، بمعني أنهم يؤكدون تداخل المجالين، أي يؤكدون
ما يحاولون نفيه، من ناحية

ومن ناحية اخرى، وبسبب قدرة الدين على الإحتواء، يضطرون 
لإستخدام مفاهيم دينية عن السياسة " كممارسة"، فالنظرة للسياسة
كممارسة حالية بأنها غير اخلاقية، هي وجهة نظر دينية بالأساس
وليست علمانية.

فهم بهذا المعنى يستخدمون الدين في السياسة عمليا، عبر تبني
ما يقول به تجاه السياسة الممارسة، بل يدعون لتغليب رأي الدين هنا
 في الوقت الذى يرفضون استخدام غيرهم لآراء اخرى يقول بها الدين.


    

14‏/08‏/2015

حول الدين والعقل





حول الدين والعقل

عبدالخالق مرزوقي




قرأت ما كتبه الصديق الدكتور علي الحمد هنا :
http://whoisaccord.blogspot.com/2015/08/blog-post.html


فأردت الرد على الأفكار التي أوردها، والتي ارى أنها كثيرا ما تتكرر ممن يرى ضرورة إخراج الدين من الحياة العامة، وجعل الحكم فيها لعقل الإنسان وحده

اعتقد أن الكاتب انطلق من فرضيتين خاطئتين، والخطأ فيهما يكون حينا مصدره 

اعتبار آراء مجموعة من "رجال الدين" أو سلوك المتدينين حكما على الدين 
ومعبرا بصورة تامة عن التطابق مع جوهره، وحينا يكون مصدر الخطأ 
هو التطرف في الإتجاه نحو العقل، واعتبار كل ما يصدر عنه " عقلاني"
وتجاهل ما يؤثر عليه.


الفرضيتين الخاطئتين كما اراهما والتي تناولتهما الأفكار التي طرحت في 
حديث الدكتور هما :
أولا-اعتقاد التعارض بين الحلال والصواب من جهة، وبين الحرام والخطأ 
من جهة اخرى

ثانيا-عدم إدراك أو رؤية الفارق بين مفهوم الدين والفرق بينه وبين مفاهيم 
الفقه والشريعة والفكر الديني

من وجهة نظري لا اعتقد بوجود ذلك التعارض، بحسب ما افهمه من كلمة 
الدين فكلمة "الدين" افهمها بأنها كل نص إلهي بشرطي أن يكون قطعي 
الثبوت قطعي الدلالة وهذا موجود في آيات القرآن، التي جميعها قطعية 
الثبوت، فيما بعضها قطعي الدلالة وبعضها الآخر لا ينطبق عليه هذا الوصف.

لذا القول بتعارض الدين وفق هذا التعريف للدين، مع الأمر الذى يراه العقل 

صحيحا أو خاطئا هو يفترض أو يضمر أمرين. الأول أن الله سبحانه وتعالى 
الذى انزل هذا النص لم يكن يدرك هذا التناقض أو خفي التناقض عليه سبحانه.

الإفتراض الثاني أن هذا العقل كامل وهو بقدرته قد استطاع الوصول للحقيقة 

المطلقة للنص الإلهي على نحو مطابق تماما لمراد الله سبحانه من النص.ومن
منطلق معرفته التامة لمراد الله ادرك التناقض.

مما يعني أن عقل الإنسان اصبح موازيا لحكمة وعلم الله تعالى، ولا اظن الدكتور

 يوافق على أي من هذين القولين.

أما إن قلنا أن التعارض موجود بين الحلال والحرام الديني والصواب والخطأ

 العقلي حين تأويل وتفسير النصوص قطعية الثبوت وظنية الدلالة، أو ظنية 
الثبوت وظنية الدلالة، أو بين الفقه والعقل، فنعم هذا يوجد ويحدث. لذا تحديد 
المفاهيم ضروري في هذه المسائل

هناك مجموعة من الحجج التي تقدم في هذا المجال "أنقلها كما وردت إلي أثناء

 نقاش" هي :
"الصواب والخطأ يعتمدان على الأسباب والدوافع الفلسفية والمادية،بينما الحلال

 والحرام يعتمدان على التفسيرات النصية. هذا الفرق المنهجي هو السبب في 
التعارض"


وردي عليها هو: أن هذه الحجة قد تستخدم ضد بعض أهل الحديث والوعاظ 

وحفاظ الأحاديث- وليس ضد الدين- الذين يعمدون إلى الرد على التساؤلات 
بإيراد نصوص حديث غالبا – قليل ما يستخدمون نصوص القرآن- ويقدمونها
 للناس بصفتها هي الدين وعليهم الإلتزام بها دون سؤال وتساؤل ونقاش، حتى
 لو عارضت نصا آخر سواء في القرآن أو الحديث.

مثالا على ذلك ما رددت به على احد المعلقين في احدى وسائل التواصل 

الإجتماعي، قبل أيام حين استشهد بحديث من مات دون بيعة لإمام فقد مات 
ميتة جاهلية، وكان تعليقي عليه أن الحسين رضي الله وهو في حديث آخر
 سيد شباب أهل الجنة، استشهد ولم يكن مبايعا، فهل ميتته جاهلية ؟ ولم يرد

أعود للقول أنه لدى الفقهاء المجتهدين نصا وعقلا، والباحثين في التأويلات 

والمقاصد والعلل والموانع والإشتراطات والمآلات للنصوص، وانزال 
النصوص على القضايا وشروط التطبيق وما في حكمه - كل هذا عمل 
عقلي- يختلف الأمر.

وكل هذه الأمور لا يمكن الوصل لها بدون العقل والتفكير، نعم يحدث أن 

لا يتم الوصول لكل للعلل المادية أو العقلية من كون أمر ما حلالا أم حراما
 لكن في الغالب يتم الوصول له، وبعضه يحتاج لمزيد من علم، وبعضه الآخر
 قد لا يتم الوصول للعلة المادية أو العقلية، لكن هذا لا يعني أنها غير موجودة
بل يعني أن عقولنا غير مخلوقة لتدرك كل شيء بذاتها، وبأن العقل رغم كونه 
اعظم مخلوق إلا أنه يظل قاصرا على إدراك كل الوجود

الحجة الثانية: " إذا وصلوا للعلة العقلية فلا يعود الأمر متعلقاً بالحلية والحرمة 

بل يصبح متعلقاً بالصواب والخطأ، إذ أن الامتناع عنه لا يكون مدفوعاً بحكمه 
الشرعي وإنما حكمه العقلي، وهذا هو الفرق بين أن تقول لولدك أن الأكل بيد 
متسخة حرام لأن الله نهى عن ذلك وبين أن تقول له أنه خطأ لأنه مضر بالصحة"

الرد عليها: من يرى ذلك ربما لأنه ينطلق من الفصل بين الأمرين ابتداءا، لكن 

من ينطلق من الإتصال بينهما أعني الحلال والصواب، الحرام والخطأ، يصبح 
الأمر لديه حين يصل لتلك العلة العقلية أو المادية، تأكيدا وتقوية للإيمان بالإلتزام
 بالحكم الشرعي.

أي أن الفرق هو في الذهنية التي ننطلق منها وهنا أشير إلى أمر مهم، وهو بأن

 من يقول بأن ذلك الأمر حرام لأن الله نهى عن ذلك ويقف، هو مخطئ

ولم يبني وعيا بالحكم أو لم يمتلكه في الأساس ولا بالتربية الصحيحة والمصلحة

 ايضا، فيجب أن يكمل حديثه بالقول إن الله حرم ذلك لأنه مضر بالصحة مثلا
 أي الجمع بين الحكم الشرعي وعلته ويقدم شواهد وأدلة مادية


الحجة الثالثة: " ما الحاجة للحكم الشرعي بوجود الحكم العقلي"


الرد: لأن ذلك أقوى أثرا وادعى للإلتزام حين يجتمع الدليل الشرعي بالأمر

 العقلي والدليل المادي ولأن الحكم الثابت، وكون الله مصدره يجعل حكمته
 ثابته، فيما الأمر العقلي قد تطرأ عليه متغيرات، تجعل الخطأ صوابا والصواب خطأ أمثلة على ذلك:
على ذلك تشريع ما يسمى بالقتل الرحيم، أو رمي بعض المنتجات الغذائية في البحر كما حدث اكثر من مرة في امريكا وغيرها اذا كان هناك فائض في الإنتاج،  كي لا تنخفض الاسعار، أو تشريع زواج المثليين، والإستعباد عبر القوانين سواء للافراد أو للدول والشعوب، فأصحاب المصالح والقوى السياسية أو الإقتصادية أو الإجتماعية،  تستطيع اذا امتلكت وسائل السيطرة واهمها الاعلام
من تغيير التوجهات العامة للافراد لما يخدم مصالحها هي
وكذلك استخدام الفن والثقافة وغيرها.بطريقة ماكرة، لتطبيع المجتمع مع هذا الأمر أو ذاك، كإنتاجات السينما الأمريكية لأفلام الحروب - الممولة جزئيا من الجيش الأمريكي- لجعل الشعب يعتقد بشرعية الحروب الأمريكية وأنها متوافقة مع القوانين ومن 
الأمور الصائب فعلها

الحجة الرابعة : " الجمع بينهما- الحكم الشرعي والعقلي- لا معنى له بل 

ولا حاجة له. نعم يمكنك أن تخبر ولدك بأن الله يأمرنا بفعل الصواب دائماً 
وينهانا عن الوقوع في الخطأ. وتترك له أن يحدد الصواب من الخطأ. أو بتعبير
 آخر تترك له أن يشرع لنفسه ولكن من من الفقهاء الحقيقيين يقبل بأن يشرع
 الإنسان لنفسه دون الرجوع له؟ ثبات الحكم الشرعي هو أكبر عيوبه. فلا يوجد
 في هذا العالم حكمة ثابتة. بل كل شيء يتغير بتغير الظروف. فإذا كنت جاهلاً 
بالعلة فلن تتمكن من مجاراة هذه التغيرات"

الرد: عندما اذكر "الحكم الشرعي" فأعني به ما ذكر صراحة في القرآن 

وليس كل ما قرره الفقهاء

فالأول هو الثابت كحكم، والتطبيق ففيه اجتهاد حسب الكثير من الأمور

 ولا حجة لمن يقول لا اجتهاد مع النص، فالإجتهاد يتناول أيضا مقاصد 
النص وشروط التطبيق وتحققها- كما اجتهد عمر رضي الله عنه في وجود
 النص- أما في حال عدم وجود النص قطعي الثبوت والدلالة فباب الإجتهاد 
مفتوح.

لا توجد حكمة ثابتة نعم، إذا كنا نتحدث عن البشر أما ما قرره الله صراحة في

 القرآن فحكمته ثابتة وإلا لما اتصف سبحانه بالحكيم العالم، الواجب علينا 
إدراك بعض جوانب تلك الحكمة إذا أدركناها نكون جمعنا بين الأمرين، النص
 والعقل وهذا ما يطالبنا به سبحانه حين يخاطبنا : 
تعقلون، تتفكرون، تنظرون، تبصرون، تسمعون.

28‏/05‏/2015

هل توجد في الإسلام دولة دينية ؟



عبدالخالق مرزوقي

هل توجد في الإسلام دولة دينية ؟

الدولة- أي دولة - ينشئها المجتمع حسب تكوينه، المستمد من ثقافته
وتاريخه وبيئته الإجتماعية، لذا العلمانية بما انها نتاج لثقافه معينة
تناسبت مع ثقافة منتجيها وليس بالضرورة أن تتناسب مع ثقافة
وتاريخ وحضارة مجتمعات اخرى فإذا كانت تتمايز داخل أوروبا
بين الدول فكيف لمجتمعات تنتمي لثقافة مختلفة، علينا ابتكار
نموذجنا الخاص.

ولا يمنع الإستفادة من منتج حضاري لثقافة اخرى بإستيعابه
وتبيئته لا استنساخه.

نعم الدولة مدنية في الإسلام، ينشئها المجتمع لا الدين. فالدين يضع
اسس البناء واطره العامة، أما ما عداه فهو شأن الناس من شكل النظام
السياسي للمؤسسات للدستور لتكوين السلطة وطريقة اختيارها وتغييرها
لنظامها الإقتصادي كله متروك حسب ثقافتها وعلمها وزمانها ومكانها
وبيئتها الإجتماعية وتطور مدارك الإنسان بعض العلمانيين العرب يتوهم في
 موضوع فصل الدين عن الدولة أو يقرأ تاريخ أوروبا قراءة أيديوجية

فأوروبا لم تحكم بالدين يوما بل كانت تحكم بالقوانين الرومانية عبر
الكنيسة، أي حكمتها الكنيسة وليس الدين، والمسيحية لا تتحدث عن
الدولة اساسا. والفصل كان بين سلطة الدولة وسلطة الكنيسة
في الإسلام الموضوع مختلف، فلا توجد سلطة دينية في اصل الدين
وللدين حديثه في الشأن العام، فلا يوجد فصل تام، ولا هيمنة من
الديني على السياسي اعنى أن النص الديني لم يتدخل في تفاصيل
الفعل والتنظيم السياسي، بل وضع اطر عامة

20‏/02‏/2015

الجسد والسلطة في السينما 2/1




عبدالله البياري
نشر في مجلة جدلية


لا ينج الحديث عن الثقافة والأدب والفنون، باعتبارهم "تعابير" ثقافية عن مجتمعاتها من سؤال "الجسد"، فإذا كان الفن يُنظر إليه "على أنه مرآة للقدرات البشرية في مرحلة تاريخية معينة، بوصفه الشكل المتفوق الذي تُعرف فيه ثقافة ما عن نفسها"، وجب علينا تناول تمثلات الجسد في كل هذه الأجناس الثقافية، باعتبارها أنماطًا خطابية، تعكس موضعه –الجسد- في الفكر والتعبير، وبالذات في عصر الصورة.


السينما، وهي مجال حديثنا هاهنا، تتأثر –كغيرها من أنماط الخطاب الثقافية- بانعكاسات الأوضاع الاقتصادية والسياسية والإجتماعية على الجسد، وبالذات في ظل هذا الهوس الحداثي به وبهندسته ورقابته والتضحية به إلى السماء، وتفجيره، وتراسيم الأفضلية والدونية الواقعتان عليه، وجنوسته وغير ذلك.

يقول دولوز عن قيمة السينما الموضوعية، أنها "تؤسس ادراكنا لأجسادنا، بطريقة تعيد إلينا إيماننا بالعالم، وبالعقل"، بل وأكثر من ذلك، فبالجسد تغرس فينا السينما بذورها الفلسفية، "متحالفًا مع الروح و الفكرة". وبالتالي فـ"الجسد" في السينما - أي جسد- هو جسد بالضرورة "سياسي"، وهو كذلك بفضل خاصية الحركة ماديًا ورمزيًا في زمن السرد السينمائي، وماتنتجه تلك الحركة من أفكار.
الأفلام السينمائية التي سنتناول فيها تداعيات أنساق ثقافية معينة على الجسد، والتداعيات المقابلة لها هما الفيلمين اليونانيين الطويلين:
 2009"Dogtooth" ليورغوس لانثيموس، و "Attenberg" 2010 لأثينا راشيل سانغاريس، وفيهما يمكننا تتبع البنية الفنية التي أشار إليها دولوز في تناوله للجسد الإنساني سينمائيًا، فكلا الفيلمين يتناولان الآثار المترتبة على الجسد من القوى الإجتماعية والتاريخية الخارجة عنه، من خلال مجموعة من المفاوضات العنفية و/أو الخطابية التي تتم بين الجسد والآخر من ناحية، وبين الجسد والذات من ناحية أخرى.
 وهو مايدفعنا إلى تفهم إصرار المخرجين على خلق صور لجسد إنساني "غريب" في أوضاعه وأصواته وتفاصيله وحركته، بل وعلاقاته بأجساد أخرى مقابلة وكيفية إدراك علاقاته الاجتماعية، بشكل وإن كان صادمًا في بعض المواقع إلا أنه جميل سرديًا (سينمائيًا)، لما يدفع المتلقي إلى مواقع في علاقته بالجسد الإنساني عامة والشخصي تارة إلى مواقع تأمل عميق.
في فيلم "Dogtooth" اليوناني، نرى عائلة مكونة من أب وأم وإبنتين وابن، يعيشون منعزلين في بيت فخم على أطراف المدينة التي يصر المخرج على إظاهرها مقارنة بجسد الأب في الصورة على أنها كبيرة جدًا، ومتوحشة صناعيًا، وهو ما نراه مقصودًا ليتأسس بشكل أعمق لدى المتلقي ما يريد السرد ايصاله وغرسه في عقل أفراد العائلة من أن العالم الخارجي متوحش وخطير جدًا (حتى القطة تمثل لهم خطرًا كبيرًا)، حتى أن الخروج من البيت يستلزم فقط سيارة، ولا يتحقق إلا حينما يفقد المرء "نابه" (وهنا سبب التسمية).
يبدأ الفيلم بتشويه لغوي مقصود، تتبين أهميته فيما بعد في هندسة إدراك أفراد العائلة لإعطاب وتوجيه إدراكهم لإخضاعهم لسلطة الأب بشكل أكبر، وهنا تظهر مختلف ديناميات السلطة و السيطرة بداة من مفاهيم الحيز العام والخاص، والجندر والخارج والداخل، فنرى مثلًا أن اللغة لدى الفتاتين وأخاهما، تمت إعادة هندستها من خلال الأب والأم، ما أدى إلى اعطاب إدراكهم (الابن والفتاتين، ويبدو أنهما بين ال17 و 20 عامًا) للعديد من الأشياء، كالمسافة، واللذة، والذات، وحتى الموسيقى، باعتبارها ناقلًا صوتيًا، يتم تشويه إدراكهم لها بالرقص، حيث أن الأب يغير كلمات الأغاني حسب ما يرتأيه هو، وبالتالي تتغير الإستجابة لحوامل المعنى المعاد توجيهه (كلمات الأغنية).
فنجد مثلًا، أن الفتاة الكبرى أعطت نفسها إسمًا، "بروس"، في حين أنهم لم يكونوا ينادونها بغير "الأخت الكبرى"، وإذا أعدنا الإشارة إلى أن "وجود الشيء تسميته"، فغياب اسمها (كأختها وأخاها) يعني غيابها ذاتيًا، وأنها باعطاءها إسمًا لنفسها، قد منحت لذاتها حيزًا من الوجود المُقاوم منتزعًا من سلطة اللغة أولًا، وسلطة الأب مانح التسمية ومانعها، الذي شكل اللغة ثانيًا (بالتواطؤ مع الأم)، وفي المقابل نجد أن السرد الأبوي/السلطوي/البطريركي وكجزء من هندسة ادراكهم للدخال والخارج والأنا والآخر والعام والخاص، يمنح لأخاهم المتخيل الذي يستخدمه الأب كأداة سيطرة عليهم، اسمًا، يُستخدم كقناة لبث الخوف من الآخر/الخارج.
بالعودة لموقع الجسد في الفيلم، يمكننا رؤية وقوعه تحت تعصب ووحشية الرأسمالية الصناعية في الفضاء العام/الخارجي بماديتها من ناحية، وتعصب السلطة الأبوية البطريركية في المنزل/الفضاء الخاص، من ناحية أخرى، وكلا السلطتان تهندسان الأجساد في السرد (والصورة):
 أولًا - رمزيًا : يتم طمس أجزاء من الجسد ليغدو"المهبل" "لمبة إضاءة" ، ويتحول "الزومبي" إلى "وردة صفراء" في الإدراك، وماديًا من خلال تقييد العلاقة بالذات من ناحية كالجنس الذي يفقد معناه ودلالاته في مشاهد جنسية غاية في البرودة، وبالتالي فغياب وطمس دور الجسد في فكرة الولادة جاء كنتيجة طبيعية لذلك القمع اللغوي، وذلك في رد فعل العائلة على خبر "حمل" الأم. وكما أن التصرفات الشبقية غدت فاقدة لأي معنى له علاقة بالمتعة؛ كذلك الإدراك الذاتي للجسد الإنساني، في غياب مفاهيم لغوية عن الكائنات الأخرى، حيث نرى في مرحلة ما أن العائلة تتدرب على النباح كالكلاب على جاثيين أربع، ليحموا أنفسهم من وحوش العالم الخارجي المتخيلة وهي القطط، ويدربهم الأب صاحب سلطة تشكيل اللغة و الجسد والإدراك، والآخر.
الجسد الواقع تحت كل هذا القمع اللغوي، والوجودي (متمثلًا في سادية الأب)، لا يمكن له إلا أن يغدو جسدًا "غريبًا/غرائبيًا"، ولعل مشهد الرقص على أنغام الموسيقى يؤسس لتلك المقاربة، ففي حين يعزب الشاب/الإبن لحنًا رتيبًا، تصاب احدى الفاتين (بروس) بحالة من الهيستيريا في الرقص، التي لم تستطع مجاراتها فيها أختها الصغرى، وياب الجسد هاهنا بحالة من شدة الغرابة مقارنة بالموسيقى الرتيبة، وهو ما يثير لدى المتلقي في ذلك المشهد الطويل حالة من الضغط المتكون بتزايد عنف وكثافة الرقص، ولكن تلك الحالة لم تستثر أفراد العائلة إلا متأخرًا، حتى تنهار الفتاة برغم إصرارها على المتابعة، وتنهمك بنهم في أكل الحلوى. إلى إن هذا الجسد الواقع تحت سلطة قمعية إدراكية، تقمعه داخليًا/ماديًا وليس فقط خارجيًا/ماديًا فقط، حتى حينما يقرر الهرب من هذا السجن المنزلي، لا تفعل الفتاة (بروس) ذلك مباشرة ولكنها تكسر بسادية مغروسة من السلطة/الأب نابها في مشهد عنيف، مستخدمة الأوزان الرياضية، وفي مشهد يؤكد تغلغل السلطة في العقل، يجثو أفراد العائلة على أربع لينبحوا ليحموا الأب الذي خرج على قدميه باحثًا عن ابنته الهاربة.
لا يتوقف العنف الرمزي والمادي الواقع على الجسد على هذا فقط، فصناعة الصورة تؤسس للمزيد منه في الفيلم، ففي مشهد صنع سينمائيًا بدقة وحرفية عالية، حيث تتركز الكامير (عين المتلقي) على جسدي الفتاتين، يلعبان لعبة "التخدير"، فيغدو الجسد كاملًا أداة عبث، تؤدي لغيابه، وذلك لأن مفهوم الغياب والخدر معطوبان لغويًا في سرد يبدأ بمقولة : "كلمة (بحر) تعني كرسي"، من مشهده الأول. ويستمر العبث بالجسد وإدراكه، وصولًا إلى مشهد تتقمص فيه "بروس" شخصية "روكي بالبوا" من فيم روكي (4)، والذي قايضته مقابل متعة جنسية فارغة مع حارسة الأمن التي تعمل لدى الأب، وهو ما استلزم عقابًا ساديًا من الأب صاحب الحق في الأجساد كلها، أوقعه على الإثنتين: بروس وحارسة الأمن في مشهد عنيف وصادم. والمشهد السينمائي مصمم بحيث يضع المتلقي/المشاهد قريبًا جدًا من الجسد وكأنه فكرة (روكي) التي تتقمصها "بروس".

أما في فيلم "Attenberg" لأثينا رايتشل سانغاريس، فيرتبط فيه الجسد، بالنسق المديني وتطوره كفكرة، في مدينة صغيرة على ساحل البحر، تأكلها المصانع، جاعلة من حالة التضاد الفجة بين الطبيعة الجميلة في البر الأخضر بسهوله والجبال العالية والمساحات المفتوحة والبحر والسماء الزرقاوان، والمحيط الصناعي الحداثي المفرط الصلابة من حيث منازل وبيوت متطابقة في الشكل واللون، حادة الزوايا، خطّية الامتدادات، ومصانع ضخمة ذات لون رمادي أو بني أقرب للموت، هو امتداد معاكس مضامينيًا للراقبة على الجسد، فالفتاة إبنة الرجل الذي تأمل كثيرًا في ثورة يونانية خانته وخانت قناعاته بالتحرر، وأورثت مدينته القبح الصناعي الرأسمالي البرجوازي، لم ترث من أبيها الذي قارب موته أي طريقة للدفاع عن نفسها من هذا التوحس المحيط بها، فبقدر ما كان الأب في "Dogtooth" قمعيًا وسلوطيًا، فوالد هذه الفتاة يبدو يائسًا متخليًا تمامًا عن سلطته الأبوية وسلطته على جسده حتى تلك الجندرية على الإبنة، وهو مايبدو صادمًا في أحاديثهما عن الأعضاء الجنسية والإشتهاء المتبادل (من عدمه) والعلاقات الجنسية، وتابوهات علاقات الدم.
هذا الفيلم كسابقه يستثير في المتلقي نفسيًا مفهوم "الغرابة/ das Unheimliche/UnCanny" الفرويدي (نسبة لفرويد)، وذلك بدرجة تفرض تحررًا من الكليشيه السينمائي الذي موضع "الجسد الغريب" فقط في أفلام الرعب. فالجسد هاهنا غريب حتى في علاقته مع ذاته، وإدراكه لها، مثل ما تبرزه مشاهد تقليد الحيوانات حركيًا وجسديًا التي تقوم بها الفتاة في الفيلم، إستنادًا إلى مرجعية مثلتها لها الأفلام الوثائقية عن الحيوانات ورقصها. فكذلك كما يذهب كاموس وبياجيه وهيديغر في مَنطَّقةِ "الغريب"، باعتباره ما شابه أو ما إرتبط حميميًا بمشاعر غريبة"، صناعة الصورة في هذا الفيلم تلقي بالمتلقي باعتباره طرفًا سلبيًا، في حالة من التيه وغياب المعنى عن الإدراك، وليس غيابه بالمطلق، وهنا تمكن صعوبة الفيلم/السرد، وذلك بين عناصر مختلفة: الجسد، المادة، الفكرة ، التمثل، والسرد. تعيدنا استراتيجيات توظيف هذه "الغرابة" سينمائيًا، إلى ما أسماه دولوز في تأملاته عن السينما إلى فكرة "جمالية الخطأ"، و التي تلقي بظلالها على كل أنواع الفنون، (ولعل مثالها الأبرز روائيًا، آنا كارينينا)، جمالية الخطأ هذه، تنفتح على تنوع في التمثلات، بما يغني مفهوم التلقي، لأفق مفتوح لا يقوم على المسلمات والحقائق والإدراكات الجمعية الثابتة، بل يقوم المعنى فيه على الغير أكيد، والملتبس، والغير دائم، والغير مفهوم.

تسير مارينا (الإبنة) مع بيلا (صديقتها المفضلة، في فستانين متماثلين في الشكل لا اللون، بحركات تبدو غريبة وإن متعاقبة، لتؤكد لدى المتلقي سلطة العقل على الجسد حتى في أبسط حقوقه وحرياته وهي الحركة، فتغدو حركتهما غير مفهومة، وبالذات بعد وضع تعقبات الحركة تلك ضمن خلفية حادة وهي المدينة التي تتآكلها الخطوط الحادة، والموت الصناعي، وهذا التضاد بين الحركتين الحرة و المعقلنة، يصل للمتلقي وكأنه فضح لمفهوم السلطة على الجسد، بالمنطق الفوكوي.

تعيدنا مشاهد المشي الراقص المتعاقب الحر للفتاتين، إلى إرث إدوارد مويبرديج، العالم البريطاني الذي أسس لمفهوم تعاقب الصورة في الزمن ما يعطي السرد جسدًا (أنظر الصورة)، وهي الفكرة العضوية الأساس التي تقوم عليها السينما، من حيث هي أجساد ثابتة في صور متحركة زمنيًا، تعاقبيًا. 


تتواطأ الصورة مع الفكرة في الفيلم على المتلقي، فتقحمه –فعليًا- في "غرابة الجسد"، ففي المشهد حيث تعري مارينا، ظهرها، لتحرك عظمتي "لوح الكتف" لصديقتها، تقترب الصورة سريعًا من جسده، وكأن الصورة تدفع المتلقي (العين الثالثة/الرائية) إلى اقتحام ذلك الجسد الغريب، في مشهد قريب "Close Up"، ما يؤدي لإنهيار الخلفية تمامًا، سواءًا المكان، حيث توجد الفتاتان، أو حتى وجود بيلا (الفتاة الثانية) في المكان، وهنا يصبح المعنى كاملًا للغرابة، متمثلًا بالجسد، دون السياق الذي يحويه. وهو مايحقق مقولة دولوز "الصورة المؤثرة"، حيث تنفصل الصورة كاملة عن السرد المكاني و المادي و المعنوي المحيط بها، وتغدو هي وحدها المعنى. وتستمر الغرابة حتى في العلاقة الجنسية، حيث أن تلك الأخيرة، والتي تبدو مسلمة طقوسية لدى البشر، مفتوحة على عديد الغرائب في الخيالات، تغدو صدمة لجسد لا يعرف حدوده ولا تداعياته، كمشهد الجنس بين بيلا والشاب الذي رغبته، تلك الرغبة التي لم تفسر لها (وللمتلقي) لماذا لم تفصح عن وجوده في حياتها لأحد، إلا لأسباب لا تتعلق به في ذاته، بل بغيره، فهي تخاف من صديقتها بيلا أن "تسرقه" منها، في حين أنها أقرت بأنه لا يحبها. وهو ما نراه امتدادًا لخفة العلاقة بين مارينا والجسد إجمالًا، مادفعها إلى التأكد من حلم راود صديقتها عن شجرة صبار تنبت أعضاءً ذكورية، في حين أن ذلك لم يستثرها، ولم تنجه شجرتها هي في الحلم، والتي تزهر أثداءً أنثوية أن تترك عليها إنطباعًا جنوسيًا مغايرًا.
 وامعانًا في تحرير الجسد وخفته المتهافتة، يأتي موت الأب كمثال لإنهيار المعنى ككل، معنى الحضارة التي لا تتوقف أما الجسد و الروح، فتطالب إدارة المستشفى مارينا أن "تنظف" الغرفة من متعلقاته، ويناقشه "وكيل الدفن" عن إجراءات الدفن وكأنها عملية عرض سلعة وتوابيت وجرار، ويتم شحن الجسد الميت في صندوق بضائع، وكأنه لا معنى له، مادفع مارينا لأن تطلب من صديقتها بيلا ممارسة الجنس مع أبيها قبل موته، لتحقق للجسد البارد، كالمدينة الباردة حلمًا أخيرًا، لأب قال لإبنته قبل وفاته: "لم أترك لك شيئًا تدافعين به عن نفسك".




15‏/02‏/2015

كيف ساهمت تونس في تحرير “عبيد” أمريكا؟




الكاتب : احمد نظيف

نشر في : رصيف 22*

في مجال حقوق الإنسان، لا نعرف حالياً سوى تقديم دول العالم الأول نصائح إلى دول العالم الثالث. ولكن قبل أكثر من قرن، حدث أمر معاكس. نقلت تونس خبرتها في تحرير “العبيد” إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت آنذاك، قوة عالمية صاعدة.

عام 1864، كان قد مضى 18 سنة على صدور “قانون تحرير العبيد” في تونس، وكانت الولايات المتحدة تشهد حرباً أهلية بين ولايات الشمال بقيادة الرئيس أبراهام لينكولن، وولايات الجنوب الخمس، بقيادة جيفرسون ديفيس. وكانت الولايات الجنوبية تعارض حملة لينكولن الساعية إلى تحرير “العبيد”. وفي هذا السياق، حاولت الإدارة الأمريكية، حشد ما أمكن من الحجج والاستئناس بالتجارب الدولية الأخرى في قضية تحرير “العبيد”، فأرسل قنصلها في تونس، أموس بري، رسالة إلى الجنرال التونسي حسين، وكان حينذاك رئيساً للمجلس البلدي لمدينة تونس وأحد رموز المشروع الإصلاحي بقيادة الوزير خير الدين التونسي. طلب القنصل الأمريكي استفسارات عن منافع “قانون تحرير العبيد” في تونس.

رداً على الطلب الأمريكي، حرر الجنرال حسين رسالة موجزة، شرح فيها كيفية إلغاء العبودية في تونس ووصايا القرآن حول هذا الموضوع.فقام بري برفعها إلى وزير الخارجية الأمريكية وليام إيتش سيوارد الذي أوصلها بدوره إلى الرئيس أبراهام لينكولن فأعجب بها إلى درجة أنه أمر بإعادة طبع نصها بأكمله ونشره على نطاق واسع. نوقشت رسالة الجنرال حسين على نطاق واسع في الصحافة الأمريكية، وهي الآن موجودة في كتيب صغير في مكتبة جامعة هارفارد. وقد ألغي الرق في أمريكا عام 1865.

علّل الجنرال حسين قرار الحكومة التونسية بمنع العبودية معتمداً على مقاصد الشريعة الإسلامية التي تعتبر أن الأصل هو الحرية لا الاستعباد، وأن الإسلام اشترط الإحسان “للعبيد” وعدم توفر هذا الشرط يؤدي إلى “تجاوز الحدود الشرعية”. ولفت إلى أن تفشي وجود الخدم و”العبيد” يساعد على انتشار الكسل والبطالة معتبراً أن البلدان التي فيها عموم الحرية أعمر من غيرها كون نتيجة فعل الإنسان المخيّر أربح وأبرك من نتيجة فعل “العبد” المجبور.

وفي رسالته ذكر قصة معبّرة وقعت له في فرنسا: “كنت حضرت مرة في أيام الكرنفال سنة 1856 بالأوبرا الكبيرة بباريس ومعي غلام أسود، فما راعني إلا أن رأيت رجلاً أمريكانياً وثب عليه وثوب القطة على الفأرة وأراد أن يأخد ثيابه قائلاً ولسانه يتلجلج من سطوة النشوتين: ما يفعل هذا “العبد السوداني” بصالون نحن فيه؟ ومتى مكن “العبيد” من مجالسة الأسياد. فأخذت الفتى السوداني البهتة إذ لم يكن يدري ما يقول، ولا علم لماذا يجـــول ذلك الرجل ويصول، فدنوت منهما وقلت للرجل: يا حبيبي هون على نفسك، فإنما نحن بباريس ولسنا بريشموند!”.

وهنا النص الكامل لجواب الجنرال حسين:

“جواب من أمير الأمراء حسين عن مكتوب إليه في العبيد من قنصل جنرال العصبة الأمريكانية بحاضرة تونس المحمية:

الحمد لله وحده، وإليه يرجع الأمر كلّه. إلى موسيو أموس بري قنصل جنرال العصبة الأمريكانية بحاضرة تونس.

أما بعد فإنه شرفني مكتوبكم الذي مضمونه حيث كنتم بأرض كانت الحرية والعبودية بها متجاورتين وناميتين منذ مدة مديدة وصارتا الآن مشتبكتين في حرب شديدة بغاية قهر إحداهما الأخرى، ووجدتم في تاريخ تونس حوادث مهمة متعلقة بهذين المبدأين المتضادين، أردتم أن تعرفوا تأثير العبودية في بلادنا، وهل أعقبت تأسفاً من الأهلين على فقدها أو انشراحاً لذلك فطلبتم منا شرح ذلك وبأن ما أثبتت التجربة أصلحيته هل هو الخدمة الجبرية أي خدمة العبيد بدون إجرام (تجريم) الخدمة الاختيارية بأجر معلوم وأيهما أوفق بنظام الجماعة عند الدولة التونسية.

أما الجواب عما وجدتم في تاريخ بلادنا عن تحرير العبيد، ومنعنا الملك الآدمي في المستقبل بعد أن كان مباحاً فسبب ذلك هو أن دولتنا كسائر الدول الإسلامية كما تسمونها دولة تيوكراتيك في المعني أي أحكامها جامعة بين الديانة والسياسة. والشريعة الإسلامية وإن أقرت الملكية (وقلنا أقرت لأن ملك الآدمي متقدم على الشرائع الثلاث، فقد كان حكم السارق في شرع يعقوب اسرائيل الله أن يسترق سنة بدل القطع في الشريعة المحمدية) إنما أباحتها بعد حصول سبب الملك بشروط وواجبات يعسر القيام بها، فإن منها عدم الإضرار بالملوك حتى جعل الشارع الإضرار موجباً للعتق كما قال: أي مملوك مثل به فهو حر؟ ومع ذلك فلم تزل الشريعة تؤكد الوصاية بالعبيد حتى كان آخر كلام نبينا صلى الله عليه وسلم الصلاة: “وما ملكت إيمانكم” وكان يقول: “إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ولا يكلفه فوق طاقته” وكان عمر ابن الخطاب الخليفة الثاني يذهب كل يوم إلى الموالي فكل عبد وجده في عمل لا يطيقه وضع عنه منه، وكذلك كان يخرج كل يوم سبت يتفقد الدواب فإذا وجد دابة في عمل شاق خفف عنها.

ثم أن من القواعد الشرعية تشوف الشارع إلى الحرية حتى أن من أعتق جزء عبد لزمه عتق باقيه. وكان من مصارف الزكاة المحصورة في الأصناف الثمانية بنص القرآن الكريم فك الرقاب قالوا بأن يشترى من مال الزكاة عبيد فيعتقون. كما أن من لزمته كفارة يمين أو قتل أو فطر أو ظِهار فله التكفير بعتق رقبة.

فلولا أن تحرير العبيد من المصالح المهمة لما ضيقت الشريعة به على الفقراء والمساكين. ومن آثار التشوف المذكور كثرة ترغيب الشارع في العتق كقوله: أيما أمرىء مسلم أعتق امرأً مسلماً استنقذ الله بكل عضو منه عضواً منه من النار. وتلك الشروط والواجبات حيث كان القيام بها عسيراً في زمن عنفوان شباب الدين فما ظنك به في زمن هرمه لا سيما صنف السودان المباينين للبيض في الطبيعة الغريزية، فكثيراً ما يقـــع بين العبيد ومواليهم المشاجرة التي لا منشأ لها إلا التنافر الطبيعي، وذلك مما يفضي إلى مزيد الإضرار بالعبيـــد، وتجاوز الحدود الشرعية في حقهم. ولم يزل ذلك الأمر يتزايد حتى اقتضى نظر الدولة تحجير الاسترقاق من أصله لأنه لما تعذر الرفق بهم والإحسان إليهم على الوجه المطلوب شرعاً لم يبق إلا الأمر ببيعها أو بعتقها. والأول لا يحصل به الغرض المقصود لما فيه من التسلسل وعود الضرر مع المشتري فتعين الوجه الثاني.

ومن ذلك الوقت بطلت ملكية العبيد عندنا دفعة، وذلك في شهر المحرم سنة 1262 في مدة المرحوم المشير أحمد باشا باي. وأول ما خاطب به المجلس الشرعي في هذا الشأن قوله: “أما بعد فقد ثبت عندنا ثبوتاً لا ريب فيه أن غالب أهل إيالتنا في هذا العصر لا يحسن ملكية هؤلاء المماليك السودان، ولذلك اقتضى نظرنا والحالة هذه رفقاً بأولئك المساكين أن نمنع الناس من هذا المبـــــاح، وعندنا في ذلك مصالح سياسية إلخ”، والمصالح المشار لها هنا يمكن شرحها بأمور كثيرة منها مما يقوله أهل الاقتصاد السياسي في أيامنا أن البلدان التي فيها عموم الحرية وعدم الملكية أعمر من غيرها بالاستقراء. وقد رأيت خطبة لبعض الأفاضل من أهل القلم بمملكتنا كتبها في ذلك الوقت يحث بها أهل المملكة على إجابة رئيس الدولة بالقلب والقالب يقول فيها: “فيا للنفوس الزكية، والقلوب التي بالشفقة حرية، شرعكم متشوف للحرية، ورق الآدمي بلية، والرب يقدر على عكس القضية”.

وأما الجواب عن تأثير العبودية وما أعقب فقدها في الأهلين فهو أن ملك الآدمي لما لم يكن من الأمور الضرورية ولا الحاجية في المعيشة لم يصعب العدول عنه، ولا تجزع لفقده نفوس أهل مملكتنا. وكيف يتأسف المعتني بشؤون الترف والكمال في الأحوال والعوائد على تحرير عبده وهو قادر على استرقاق الأحرار بالدراهم والدينار؟ مع اعتقادهم الديني أنهم ينالون بعتق عبيدهم ثواباً من الله في الدار الآخرة. على أن ذلك وإن يصعب في أول الأمر على بعض من الناس لرؤيتهم استخدام العبيد بدون أجر أيسر لهم وأربح من استخدام غيرهم بأجر لشح نفوسهم بالعتق إيثاراً للعاجل على الآجل، إلا أن هؤلاء تسلوا من قريب لما أثبتت لهم التجربة أصلحية الخدمة الاختيارية دون الجبرية كما أثبتها العقل أيضاً.

ورأى من عجز عن استخدام الحر بالأجر ممن كانوا يستخدمون العبيد رجوعه إلى الأمر الطبيعي والسيرة المستحسنة، وهو أن يباشر الإنسان قضاء أوطاره اللازمة بنفسه ويقلل احتياجه إلى أبناء جنسه، فإن النفس إذا تعودت استخدام الغير قد يفضي بها ذلك إلى العجز عن أدنى الضروريات، والإنسان إبن عوائده ومألوفاته لا إبن طبيعته ومزاجه، وبذلك التعود تكثر شروط استمرار حياته، وما كثرت شروطه عز وجوده. وبالجملة فالناس في باب الخدمة على أربعة أصناف:

ـ إنسان يخدم نفسه بنفسه، ولاشك أن هذا يعمل ما يستطيعه في يومه ويجهد نفسه.
ـ الثاني يؤاجر نفسه لغيره طوعاً، وهذا دون الأول في نتيجة العمل حيث لا يجهد نفسه .
ـ الثالث يعمل لغيره بلا أجر، وهو مجبور، فذلك هو العبد المملوك. ولا غرو أن تكون نتيجة عمله الثاني بمراحل.
ـ الرابع الذي لا يعمل لنفسه ولا لغيره، هو العبد البطال الذي يبغضه الله تعالى. ومن هذا الصنف الأخير الناس الذين يترفعون عن خدمة أنفسهم وقضاء أوطارهم استنكافاً عن مزاحمة العبيد في أشغالهم.

وقد ينفع في هذا القسم العلاج إذا رأوا من كان أرفع منهم يتعاطى تلك الأشغال التي أنكروا مباشرتها. وأيضاً ربما نفع هذا التعاضد الكسالى إذا رأوا مع ذلك التفاتاً وترغيباً وترهيباً من رعاتهم إذ لا يجدون محيصاً عن المسير اقتداءً بمن سار. والإنسان أقرب إلى خلال الخير منه إلى خلال الشر بأصل فطرته وقوته الناطقة العاقلة لأن الشر إنما جاءه من قبل القوة الحيوانية المركبة فيه. وأما من حيث هو إنسان فهو إلى الخير وخلاله أقرب، فإذا وجد طبيباً ماهراً وداوى ما طرأ عليه من المرض فإنه يرجعه إلى أحسن تقويم، وتجتمع الأيدي ويكثر التعاون وتتوفر بذلك أسباب العمران. ومن هذا يتبين لكم السر في كون البلدان التي فيها عموم الحرية وعدم الملكية أعمر من غيرها كما أشرنا إلى ذلك آنفاً، ولا سبب لذلك إلا كون نتيجة فعل الإنسان المختار أربح وأبرك من نتيجة فعل العبد المجبور.

وعندي أن عموم الحرية وانتفاء الملكية كما يؤثر في نمو العمران يؤثر أيضاً في تهذيب خلق الإنسان. أما تأثيره في نمو العمران فظاهر إذ لا عمران إلا بعدل، والحرية نتيجة العدل. فإذا انعدمت جاء الظلم المِؤذن بخراب العمران، ونقصه بنقصها. وأما تـأثيره في تهذيب الإنسان فإن تعميم الحرية تبعده عن الأخلاق الردية من الشراسة والتكبر والتجبر ونحوها التي لا تنفك في الغالب عمن يملك العديد لما تعودوا به من الإمرة والترفع، وربما رأيتهم ينظرون الناس بالعين التي ينظرون بها عبيدهم لا سيما إذا رأوا إنسانا أسود، فما يرونه إلا كسائر الحيوانات العجم.

وكنت حضرت مرة في أيام الكرنفال سنة 1856 بالأوبرا الكبيرة بباريس ومعي غلام أسود، فما راعني إلا أن رأيت رجلاً أمريكانياً وثب عليه وثوب القطة على الفأرة وأراد أن يأخد ثيابه قائلاً ولسانه يتلجلج من سطوة النشوتين: ما يفعل هذا العبد السوداني بصالون نحن فيه؟ ومتى مكن العبيد من مجالسة الأسياد. فأخذت الفتى السوداني البهتة إذ لم يكن يدري ما يقول، ولا علم لماذا يجـــول ذلك الرجل ويصول، فدنوت منهما وقلت للرجل: يا حبيبي هون على نفسك، فإنما نحن بباريس ولسنا بريشموند! وبينما هما كذلك إذ وافاهما أحد حفظة المحل وعرفه بأنه لا فرق في حكمهـــم بين الجلود الا بالجودة وإتقان الدبغ. فالحاصل أن ذلك الأسود المسكين لم تخلصه من أظافر ذلك الرجل محرمته البيضاء ولا قوانتواته (قفازاته) الصفراء، وإنما خلصه بياض الحق وعدل الحرية. وبالجملة فالأوفق بنظام الجماعة عند الدولة التونسية هو عدم الملكية، ولا التفات لما عسى أن يستند إليه المخالف من أن بعض العبيد ندموا على خروجهم من بيوت أسيادهم وطلبوا الرجوع إليها على شروط العبودية، إذ: قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد/ وينكر الفم طعم الماء من سقم

على أن ذلك إنما كان في أول الأمر حين خرجوا جافلين كما تخرج الدواب إذا فلتت من مرابطها قبل الاستعداد إلى لوازم المعيشة والحرية. أما الآن، بعد الاستعداد، فهل ترى لهم أدنى ميل إلى العبودية؟ ندع هذا الاعتراض الساقط ونرجع إلى ما هو أهم منه فنقول: أنتم أيتها الأمة الأمريكانية إخوان الأمة التي قال فيها عمرو بن العاص صاحب نبينا صلى الله عليه وسلم أنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخبرهـم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة، وأمنعهم من ظلم الملوك. ولا عمري لأنتم كما قال أمنع الناس من ظلم الملوك حيث أنعم الله عليكم بتمام الحرية في أنفسكم، وجعل سائر أموركم السياسية والمدنية بأيديكم. والبعض من غيركم يقنع بالحقوق المدنية لحماية النفس والعرض والمال فلا يجدها! فما ضركم لو تفضلتم على عبيدكم بما لا يؤثروا هنا شوكتكم؟

شكراً لربكم على ما خولكم من تلك النعم الجليلة، ثم أنتم من التمدن والحضارة بمراحل عن أن تقتدوا بمن يدورون وعيونهم مكنبلة (كذا) على دائرة! “إنا وجدنا آباءنا على أمة” واعلموا أن الشفقة والحنانة البشرية تدعوكم لأن تنبذوا من حريتكم الزيادات التي تسوءها وتكدرها وتلقوا بها البشر على شفاه أولئك العبيد المساكين، والله يحب من عباده الرحماء فارحموا من في الأرض يرحكم من في السماء. هذا وأرجوكم أيها القنصل الجنرال أن تعتقدوا غاية تكدرنا من حروبكم هذه الواقعة بينكم توجعاً على النوع الإنساني وغاية شفقتنا على أولائك العبيد المساكين كما أرجوكم أن تعتقدوا خلوص مودتي لكم .

كتبه بيده الفانية، الفقير إلى ربه تعالى أمير الأمراء حسين رئيس المجلس البلدي في أواخر جمادى الأولى سنة 1281 هجرية الموافق لأواخر أكتوبر سنة 1864 مسيحية”.


http://raseef22.com/politics/2015/02/07/tunisias-contribution-to-liberating-american-slaves/