22‏/09‏/2018

اهمية مقاييس الشخصية والميول في اختيار الموظفين


اهمية اختبارات ومقاييس الميول الشخصية في اختيار الموظفين

عبدالخالق مرزوقي

ممارسة مهمة ولا اراها تستخدم في الشركات العربية كثيرا وهي
 اختبارات المهارات الشخصية والاجتماعية، كمقاييس الشخصية
وتحديد الميول

اهميتها تكمن في تحديد مدى فعالية الشخص وقدرته على الإنجاز
وليس فقط كفاءته

الكفاءة ممكن قياسها من خلال السيرة الذاتية، والتعليم والمهارات
الخاصة بالعمل

لكن هناك خصائص لكل وظيفة تجعل شخصا ما اكثر فعالية من
غيره، على سبيل المثال لو كانت الوظيفة في مجال العلاقات العامة
يفضل الشخص الذى لديه مهارات تواصل وانفتاح اجتماعي، وقدرة
على بناء علاقات، اكثر من شخص ميله وتفضيله الشخصي
نحو تقليل العلاقات أو الإنطوائية، أو منغلق في تفكيره

 ولو كانت الوظيفة في مجال المحاسبة أو الشؤون القانونية مثلا
وجود شخص لديه القدرة على التركيز على التفاصيل، ولا يتشتت
في اكثر من موضوع في ذات الوقت، ويستطيع التركيز لمدة طويلة
في موضوع واحد، وقدرة على التحليل تحسب كميزه له

أو وظيفة في مجال التصميم فإن القدرة على التخيل والابتكار
والتفكير خارج الصندوق ميزة فضلى

ونحن نعلم من خلال حياتنا اليومية، أن هناك من لديه استعداد ذاتي
لتكوين علاقات اجتماعية وقدرة تواصل مع الآخرين، ومن لديه ميل
للتدقيق في التفاصيل أو عقلية نقدية، أو تفكير استراتيجي، بغض
النظر التعليم الأكاديمي والمهارات العملية الحاصل عليها، والجمع
بين ذلك يحقق الإستفادة القصوى من وجود الفرد في المنظمة

السيرة الذاتية والمقابلات لا تظهر هذا.

21‏/09‏/2018

ذهنية تبسيط الاعمال أو المزيد من السيطرة واثرها العملي

ذهنية تبسيط الأعمال أو المزيد من السيطرة
واثرها العملي.

عبدالخالق مرزوقي

من الأقوال المهمة في الإدارة:
 "هناك طريقة واحدة لإدارة أي شيء ألا وهي التبسيط"

لكن فعالية هذه المقولة النظرية، تتعارض عمليا في اوقات معينة
مع بعض النوازع البشرية الداخلية من جهة، والثقافة المؤسسية
داخل المنظمة من جهة اخرى، والتي تصوغ الأنظمة والإجراءات
البيروقراطية اليومية، بذهنية فرض المزيد من التحكم والرقابة
والسيطرة على اداء الأعمال، وليس بذهنية انسياب العمل.

لذا لا اميل ابدا لعملية اسقاط الأنظمة من المستويات الإدارية
العليا، في المنظمات الكبيرة، على وحدات العمل الصغرى دون
نقاش أو استطلاع اراء المعنيين بالتنفيذ أو المستفيدين والعملاء
الداخليين، فتلك المستويات العليا غالبا، ليس لديها إلمام دقيق
بتفاصيل تنفيذ الأعمال والإجراءات داخل وحدات العمل الصغرى
ويتجه تركيزها اكثر على الرقابة وفرض السلطة والنتائج العامة.

نتيجة لذلك تلجأ وحدات العمل الصغرى، لأحد امرين:

إما الإلتزام الصارم بتلك الأنظمة البيروقراطية على مضض، وبدون
اقتناع ورغبة، ونتيجة لذلك يتعطل العمل أو يستغرق وقت اطول
في انجازه.

وإما محاولة الإلتفاف على الأنظمة الداخلية بطريقة غير رسمية
وانجاز اعمالها بشكل اسرع، مع وجود هاجس المساءلة من قيادتها
الإدارية، اذا لم تكن القيادة متعاونة في ذلك.

وفي حال لم تكن القيادة الإدارية متعاونة، فإنه لا يتم اطلاعها
غالبا على تفاصيل انجاز العمل فعليا، وهذا يخلق فجوة معلومات
بين الطرفين.

08‏/09‏/2018

مفهوم الموارد البشرية وتشيؤ الإنسان


مفهوم الموارد البشرية وتشيؤ الإنسان

عبدالخالق مرزوقي


برغم تخصصي الإداري، إلا اني لا انظر بود تجاه مفهوم الموارد_البشرية منذ أن تم استبدال مفهوم ادارة العاملين به
فالحديث هنا ليس عن مجرد استبدال كلمات بأخرى، ولا حول تعريفات اكاديمية نظرية جميلة للمفهوم، ومحفزة، بل عن واقع عملي، وتحول قامت به الرأسمالية والتي قامت بالهيمنة على العلوم الإدارية منذ نظرية الإدارة العلمية لتايلور، القائمة على أسس فلسفية عقلانية

وتشييء الإنسان يستخدم لوصف التعامل مع البشر كشيء

مع تجاهل شخصيته واحساسه ومشاعره، أي العملية التي يتم بها جعل مفهوم تجريدي موضوعيًا، وفي هذا المجال يكون المصطلح مرادفًا للمصطلح التحويل إلى أدوات.

وبحسب الفيلسوفة مارثا نوسباوم أن الشيء يكون موضوعيًا في حالة تواجد أي عامل من العوامل التالية: اذا تم التعامل مع البشر كأدوات، في حال رفض الإستقلالية وفي حال إذا كان يتم التعامل مع الأمر كما لو أن شخصًا آخر يمتلكه، إذا كان يتم التعامل مع الشيء على أنه قابل للتبادل إذا كان يتم التعامل مع الشيء على أنه مسموح به التلف أو التدمير، وفي حال رفض الذاتية أي اذا كان يتم التعامل مع الشيء ، كما لو لم تكن هناك أي حاجة إلى إظهار الاهتمام بمشاعر وخبرات "الشيء.

كان التحول البارز في استبدال مفهوم ادارة العاملين أو الشؤون الإدارية بمفهوم الموارد البشرية، الذى ينتزع مفهوم الروح البشرية من الإنسان، ويحولهم إلى مجرد مورد، آلة - شيء ما - تتعامل معه المنظمات كما تتعامل وتتصرف مع اي مورد آخر، كالأرض والمال، مجرد ادوات انتاج.

مجرد اداة انتاج رأسمالي، لا مشاعر أو احاسيس لديها، ولها قيمة بحسب ما تقدم من انتاجية، ويمكن استبدالها أو الإستغناء عنها بسهولة متناهية.

وهذا التحول الذى فاقمه مزيد من التخصص في العلوم
الادارية، باعد بينها اكاديميا وبين علمي الإجتماع والنفس
خاصة في الجامعات العربية، فلا ينظر في الجامعات العربية
تحديدا في المجالات التي تتقاطع فيها العلوم الإدارية مع بقية العلوم الإنسانية بجدية، كالسلوك التنظيمي، علم الإجتماع الإداري، علم الإجتماع الصناعي، وغيرها
جعل اقسام "الموارد البشرية" في المنظمات المختلفة، خاصة الكبيرة منها، وبحكم كل تلك المعطيات المسبقة، خاصة انها لم تعد تتعامل معهم مباشرة، جعلها

تنظر لهم كمجرد اسماء وارقام وملفات، موجودة على اجهزة الكمبيوتر، يمكن استبدال عشرات ومئات الإرقام منها بغيرها
بقرار لا يأخذ ثواني معدودة.

وهذا ينسحب ايضا على نسبة قد تكبر أو تصغر من القيادات
الإدارية العليا، التي تنظر للعاملين على انهم مجرد ارقام انتاجية أو معايير لمؤشرات الأداء، أو ادوات تحقيق اهداف

بالتأكيد لا اعني انه ينبغي عدم النظر لهذه الأمور، لكنك
عندما لا ترى الجانب الروحي/ البشري في الإنسان، عليك ألا تتوقع أن تراه داخلك انت.

فأنت حينها ايضا تكون قد تحولت، بفعل الإتجاه الرأسمالي
المهيمن إلى مجرد آله صماء "شيء ما"


لذا لابد في الفكر الإداري، وواجب على العاملين في المجال 
الإداري، من اعادة اكتشاف وتعريف الجانب البشري في الإنسان. 

18‏/07‏/2018

عرض كتاب: رسائل حب مفترضة



الكتاب: رسائل حب مفترضة
 بين هنري ميللر وأناييس نن








للكاتبة: ليلى البلوشي





" هذه الرسائل من قلب وفكر ليلى، أما الكاتبان الشهيران هنري ميللر وأناييس نن فهما مجرد افتراض" 

ملحوظة للمؤلفة: "العبارات التي وضعت بين قوسين دون ذكر قائلها، هي بلسان هنري ميللر واناييس نن، ويمكن التمييز بينهما من خلال الرسائل الخاصة بإسم كل منهما"





من الكتاب 


2

أدير وجهي إلى الأمام كرمح.. لكن ثمة ريح عازمة على كسر رقبتي..!


الأب كالريش على القلب..!

حينما انجبني أبي مع أمي.. شاطرت كشقية حبهما السري.. تلصصت عليهما.. كانا راضيين بمعنى ما.. أمي وأبي كانا مبهورين بمعجزة قذفي على وجة هذا العالم، ولكن لما تبين لهما خسته بصقا على قفا المعجزة، وكنت انا طفلة لم تحبُ بعد.

حين نكون مركبين كيميائيا من أب رائع، تبهجنا معادلة أبوته، يصطف كل رجل حينئذ في المرتبة الثانية أبدا.. فذاك العجين الكيميائي البيولوجي وحده الجدير بالمرتبة الأولى في اولويات القلب.

يردد لي دائما: يا أناييسي..إن أمك تشبهك..!

وحين ترجوه الطفلة بالتفسير.. يرد عليها بحشرجة لا تفارقها ابتسامة تعرفها: تشبهك امرأة تهدم طوب حيطانها الداخلية من أجل سكن الآخرين..!

حب معافى ابدا هو حب الأب..!

كل انثى تضع يقينها في هذا الحب الأبوي كامل الدسم، يُغني..يُشبع حتى الإفراط..صحي ولا يسمن، خالي من مغبة التملك ولهاث الهجران والآه والتيه.. فياليتها من خلاصة عاطفية ساحرة مشحونة بجل الإنفعالات سوى عاهة " الخسارة".

فالأب يحب دون غاية، حبه مطلق لا يبرره سبب سوى عاطفة أبوة شاسعة.. غريزة أبوية لا تنطفئ.. بينما الرجل.. أي رجل في حياة انثى.. فإن حبه لها يكاد لا يخلو من غايات متضافرة.. كيفما كانت نياتها: صالحة، سافلة، حقيرة، محبة، دنيئة..!

فبحسبما احترام الرجل لنفسه تعجنه غاياته:
يحبها لأنه يخشى أن تخنقه عقارب الزمن وحيدا دونها.. يحبها لأن لها عينين جميلتين كأيقونتين تلهمانه.. يحبها لأنها مادة اغراء ملفوفة كسيجارة يمجها بلذة.. يحبها كي تكون عكازته التي يتوكأ عليها في دروب الأرض الشاقة، يحبها كي يعتشي على جيبها كأي وضيع اعتاد التسول من جيوب النساء.. يحبها لأن لا فحولة دون انثى، أما الذى يحبها لأجل غاية الحب، هذه الغاية وحدها دون غيرها.. فما اندره.

كثيرا ما تخضني حيرة بأبعاد شاسعة من الرجل الآخر: ألا يغدو الرجل دون غريزة ابوة في مرتبة التمساح..؟! ففي حياة التماسيح تسعى الأم دائما لحماية أبنائها من الأب الذى يستسيغهم وجبة شهية.

ألم يصدق " مورافيا" حين قال: "تستطيع المرأة أن تعرف في حياتها رجالا كثيرين، لكنها لن تعرف إلا ابا واحدا".


-هنري بعث لي حزمة من انفاسه..!

آآآآه.. كم اخشى عليه مني..من امراة مضطربة الحنين والغياب وكل شيء..!
إنني راهبة في معبد هذا المجنون...!
يلهم روحي كمجموعة رجال في قامة إنسانية واحدة: أب، عاشق، شريك، صديق.. يال مسارب العشق بين سهم وقوس..!

أعشقك أسمعها لقلبك في ارتجافة الروح واضعة روحي قبالة سرير روحك.. وثمة خشية مريرة تستند فيما بيننا كضوء شاحب.. فالحب..هذه التفعيلة النبيلة..هذا الصلصال الذى اعجز الكون عن ملامحه.. مرعب يا حبيبي هنري.. كم مرعب الحب في موضع هش كالعالم..!


هل تذكر..؟

ذاكرة حب كلينا مشتعلة على صوت الشاعرة "صوفيا دي ميللو"، وهي تسربه إلى راسينا:

" رعب أن احبك
مرعب أن احبك في موضع هش كالعالم
مؤلم أن احبك في مكان الشبهة هذا
حيث كل شيء يهشمنا ويحرسنا
حيث يفتري علينا الجميع ويفصل ما بيننا"


أن ترخي الستار على يومياتك، يعني أن تنشر على حبل الاخرين اكاذيبك.. صدقك وحقدك المبطن والظاهر.. حبك.. فضائحك.. عليك ان تعرض كل غسيلك، كي تغدو نفسك غسالة وهي تدلق في وجه العالم خسته ودناءته.. طهره ونقاءه المخيفين.. كي يعترف حزنك الخنوع لأي طفل بالقرب منك ببراءة مماثلة:

انج بكلك..إن قابلت موتاً يضاهي براءتك فلا تتردد..!
3


أنا اليوم مهزوم..!

وسأبقى في سجن انهزامي ما لم تصلني انفاس أناييسي..!
أخشي ان يطول انحباسي في هذه الهزيمة.. إن كان " همنغواي" تخلص منها بطلقة فأي خيار هو امامي، كي أستأصلها من اعماقي..!

إنني كائن يرى وجوده في الحياة.. أ
جل.. فمذ اطلالتي من ذاك الشق البتولي كان قلمي وروحي وكل جزء من أوصالي يحفل بالحياة في حيوات كثيرة.. يرغب فيها كلها دفعة واحدة.. والموت هو خصمي اللدود... هو الدودة التي تتسلل تحت جلدي.. تقتاتني وأنا   ما ازال راغب في الحياة كنطفة لم تقذف بعد. 

وحين يفترسني خطر حقود، ابكي بل اصرخ بشدة:

افتحوا بوابات العالم كلها"..!

4


هل علقت "أحبك" على مشجب أمنية مذلة، وقلبك منه شحاذ رغبة؟

لم اتمنى بالمعنى "الواقعي"، أنا اشتهيت بالمعنى "العاطفي"، والشهوة مطية المحرومين في الليالي المضببة بخذلان لقاء روحين على شرشف مصنوع من الغيوم..!

حذرتني: أن الحب لابد له من كفين متعانقين وإلا سقط من مفهوم الحب الحقيقي، وصار بمنزلة الوهم المعذب لا أكثر...!

علمتني: لا ينبغي للإنسان ان يترقب الحب من الذين ينبهر بهم، بل عليه أن يترقبه من الذين لا يتوقعهم.


أعشق رجلا يبهرني..يناقضني..يرقص على مزاجي بحب حين أبغضه، ويرشقني ببغضه حين احبه بجنون..!

رجل خارج قواعد مزاجي.. مطلق الشخصية.. يمشي على طريق ملغم كبهلوان.. يرتشف الشاي مع الملح.. يعبر ذاكرتي ككرة مطاطية.. يحتويني كقنبلة تنفقئ في لحظة جنون.. أهدد كينونته كمرض مستعص على العلاج.

بماذا تهمسين لكل إنسان على وشك الحب..؟


ساهمس له بنبرة جد حريصة: إذا أردت ان تحب يوما فلا تعط هذا الحب كلك.. امنحه جزءا منك، واحتفظ بالباقي في حب أشياء اخرى.. لئلا يشمل شلل الإنهيار البقية الباقية من وجودك، فيعطل سير النبض في حياتك المتبقية.




سأقابلها غدا على نهر السين، وحينئذ سأضع راسي الثقيل امامها.. ساقدمه لها وارجوها أن تقطعه كما قطعت السيدة "دي باري" رأس حبيبها بالمقصلة أثناء الثورة..!

ساقول لها مذعنا بحنان: حبي.. اريحيني منه.. إن راسي مستعار إليك.. إنه ملكك وحدك، فكل افكاره وفوضاه.. كل تكتلاته الساخرة والمؤلمة والمبهجة حد الالم كلها تعنيك وحدك.. خذي رأسي.. فل تكوني انت مليكته..!

إنني افقد توازني أمام هذه المرأة، كما فقد البدائي توازنه أمام ديناصور ضخم إلتبس عليه كمعجزة..!

حين شممتها في الصدفة الأولى تفرعت فيٌ بهجة كبيرة.. شجرة ميلاد مزركشة في اعماقي نبتت.. فرح اكبر من أن يستوعبه قلبي الطفل.. طوقني خبل ما، لا بل خفة غامضة وكانني ابتلعت برميلا من النيبذ..!

سأقابلها اليوم بشرارة الرعد، وسوف استغيث رقتها اللامتناهية: هاك قسوتي.. ثمة وحش قابع هنا في سابر روحي، إلم تروضيه فسوف يقتل نفسه ويقتلك.

وإلم تفلح لغة رجائي فإنني لن اتوانى عن الصراخ في وجهها كطفل عنيد، مصر على إمتلاك كل اللُعب الموجودة في الكون: " اطعنيني في القلب، في الدماغ، في الرئتين، في الكلى، في الأحشاء، في العينين..اذا بقي عضو واحد حي فأنت مقضي عليك، قدرك أن تكوني لي، في هذا العالم وفي العالم القادم، إنني مستميت في الحب، قاتل، عيار، نهم"، سأُحمِل صراخي كل هذا واكثر..!


9


ألم يصدق "نيتشه" حين اطلق رجاءه على قفا البشرية: "رجاء، لا تحرموا الإنسان من الكذب، لأنه لن يتمكن من العيش.. الإنسان يعيش من خلال الأكاذيب، لا تحرموه من تخيلاته، لا تدمروا خرافاته، لا تخبروه الحقيقة، لانه لن يتمكن من العيش من خلال الحقيقة"..!

الحياة تسير على هذا المنوال، لا يمكننا أن نتعاطى معها.. مع الآخرين.. مع انفسنا.. دون أكاذيب حمراء.. بيضاء.. دون اختلاقات كيفما كان لونها ومذاقها.. ألم يعترف "كافكا" بدوره في رسالته الأخيرة ل "فليبس" قائلا: " أنا مخلوق كاذب، وهذه هي الوسيلة الوحيدة للمحافظة على توازني، فقاربي هش"... وكل بني آدم وحواء "كافكا"

ومن طريف ما اذكره أن الحكاءة الحاذقة "ايزابيل الليندي" زوج امها كان يطلق عليها لقب "مجنونة الأكاذيب"

نحن - صانعي الحكايات - اكاذيبنا لها مذاق شجرة البامبو.. تلك النبتة العجيبة، التي تنحت التربة بصمت طوال ردح من الزمن، حتى تختال معانقة شمس الحياة بصلابة اكاذيبنا تحيي الارواح المثقوبة وتلك الضجرة، واخرى هائمة في مهب الخيبات والاحباطات لتنتشلها بقوة سحرية.. تفتت الحزن الكبير إلى احزان متضائلة.. تصنع ما تصنع لكنها لا تؤذي ولا تخلف خدوشا.. شفيفة كفستان من دانتيلا تزدان به كل روح ترتديه.. تتلمس كالمرآة غوامض الروح الغاطسة في الكذب فتعريها.. إنها ببساطة تعني "الحياة" لكثير من المعدمين، حين تزن قيمة تلك الأكاذيب حجم احلام طارئة، يجسونها من سطر عابر او عبارة خلاقة في روح مخلصة.



10 


لهنري صوت كأمنية يؤنسك..!

تتوق لتخزينه في قمقم، وسد فوهته بإحكام كي تهزك لهفة الحنين همسة بعد همسة، كلما استكان القمقم على قلبك.. بعض الأصوات تسبرنا كصلاة خشية..!



11 


إنني اعري بلا خجل كل قطعة من حياتي..!

الكاتب الذى تتاجج إنسانيته في كتاب، ثم ينال رضا العامة او يثير بركان غضبهم.. يلفت قسطا من إهتمامهم أو لعناتهم.. تبقى حياته كتابا مغلفا على رف في مكتبة، أو على رصيف في الشارع أو مأوى في قمامة الحي.. كتابا يعودون إليه في وقت ما، أو زمن ما، أو يدوسونه بأقدامهم.. يتوارث.. يلعن يوم طباعته.. يطبع آلاف المرات أو يشحن منفيا إلى زريبة مقفصة محبوسا عن الطبع.. يحكى عنه في المنابر أو يوصم في قضية رأي عام.. هو كاتب ليست حياته مثيرة فحسب بل أسطورة قائمة في ذاتها..!

إنني عبر سيرتي اكتشف متاهاتي.. اعريها على كل الجبهات وكأنني في حرب..هي حرب نفسية في المرتبة الأولى، فحتى "سقراط" كان يحارب نفسه حينما اطلق عبارته الشهيرة: "اعرف نفسك"

فهل يحق لكائن ما في هذه الحياة، أن يحاكمني على حياتي التي غلفتها لهم في هدايا عبر آلاف الصفحات..!

لا يحق لأحد أن يحاكم إنسانا قال يوما ما: هكذا أنا.. اقبلوني أو ارفضوني..!


إن الحرية هي وحدها لها الحق، في أن تقف في وجهي بكل جبروتها.. بكل ما تملك..بل ما تؤمن به..هي وحدها يحق لها ان تقول لي: إن حياتك فضيعة.. إنك مذنب في تعريتي على هذا النحو أمام أولئك الرعاع..!


12 


في حياة الرجل امراة كاملة ومجموعة نساء، الكاملة امه والباقيات نساؤه السابقات..!

من المهارة ان تنتقي رجلا يحب أمه.. يدللها.. يفرطها احتراما، لأنك انت ستغدين أمه الأخرى.. إن رجلا لا يجيد حب أمه، هو رجل لا يجيد حب امرأة من بعدها.. إن رجلا لا تحفل امه بمكانة سامقة في آماد كيانه هو رجل لن يقيم وزنا لأي امرأة مهما كان ثقل جمالها.. مهما بلغت كياستها.. ف "نيرون" الطاغية الذى قتل امه "أجريبينا"، بالسم لم يتوان عن قتل زوجته "أوكاتافيا" دون أن يهز قلبه شيء من الشفقة.

إن من يجسر على خيانه امراة قدسته في رحمها تسعة اشهر لا وفاء في فؤاده لأحد..!



13 


لأنني رجل.. فأنا مجبر على الصراخ..على القتال..على مناكفة الأخرين.. وعلى مصارعة هذا العالم بصورة مستمرة، لأن وجودنا الذكوري يكمن في اثبات شيء ما.. لكن ما هو هذا الشيء، ما لونه ومذاقه وشكله، هذا ما لا ندريه..؟!

لا يوجد رجل في الكون يدرك ماهية هذا الشيء.. خاصيته.. سره.. لذا هم مصارعون على الدوام..!

تستطيع المرأة أن تبقى ساكنة دون أن يلومها احد.. دون يجبرها أحد على الصراخ.. إنها غاية في ذاتها.. غاية كل رجل.. إنها كائن مرغوب فيه، وليس مطلوبا منها سوى أن تمارس طبيعتها في هذا الشان، وعلى الرجل وحده.. انتزاع.. تلك الرغبة إن سلما أو حربا.. وذلك وحده يعتمد على رقي الرجل وثقافته المتراكمة في التصرف..!

إن هذه الصراعات هي التي تفقد الرجل سلامه الداخلي.. تحيله إلى كائن خائر القوى دون أن يجسر على الإمتناع.. إن الكف عن مثل هذه الممارسات هو اعتراف ضمني مخيف بفقدان المآل من كل شيء..!

لذا لا استطيع أن اكف عن قلقي كرجل، حيال ما تنجبه لي الحياة من مخاطر.. علي على الدوام أن اكون في موقف دفاع أبدي، تجاه امور اخافها.. دون أن احيط بماهية هذه الأمور.. اشبه بالذى يجد نفسه في وسط غابة مأهولة بالكائنات الشرهة، وهو في حال يقظة مستمرة لاي مأرب منها إليه..!

إن هذه النزعة من الرجل تسللت منه إلى رفيقته في الحياة، إلى المرأة وسورتها من الجهات كافة كمومياء.. غدت المرأة اليوم مثقلة كالرجل في نزعات توجسه.. بعدما كانت هي الغرض في ذاته.. عليها أن تكافح مثلما الرجل تماما.. أن الحياة القاسية لن تأبه لجنسها الرقيق.. فهي بائسة.. قلقة.. تحمل الصخور وكأنها رجل، عوضا عن مهماتها.

لعل من هنا برزت نظرية كل من "فرويد" و "يونغ" التي تؤكد أن الموجود الإنساني هو ثنائي الجنسية.. أي خليط رجولة مؤنثة وانوثة مذكرة.


15 


تحدثني عن "ليدي غاغا" وعن الزمن، إنهما أمران مثيران حقا..!

يبدو لي أن هذه الدعوة تليق ب "مارسيل بروست"، هو الجدير بالزمن كله.. لعلها اختصرا زمنه الضائع في حفنة من القول..

إن الزمن عدو لمن هو عدو له.. إنه ك "هتلر" لا ولن يرحم كارهيه.. اسأل اليهود عن هتلر واسأل الزمن عن مطارديه..!

الزمن كدفقة ماء.. كخيط منسي انحرف مع الهواء.. كحرارة فستان المنطاد.. كدراجة نارية تقطع دروبا مستعصية.. كإمرأة ثكلى تنوح على ابنها الميت في الحرب.. كل ما سبق توليفات عن معنى الزمن.. وفي الزمن سر.. أنه لا ينتظر احدا.. ولا يدنو منك مربتا كتفك كأب محب مستدرا عطفه: يا عزيزي.. خذ ما تشاء من وقت يمكنني تعطيل انتظاري كيفما يشأ مزاجك..!

فإما أن تكون مهيأ له بكل تبرج وافتتان ومرح وجدية.. وإما أن تقف كتمثال حيث انت وفي يدك منشفة قطنية تمتص حسراتك الهاطلة..!

ولا ندرك متى يضعنا الزمن في حساباته

سأضيف: اصنع آلة زمنك.. اخضع زمنك الضائع لمصلحة زمنك القادم..حوله من مجرد اريكة للإسترخاء إلى منصة للقفز..كن املك.
اصفق ل "ماركيز" حكمته عن الحياة، حينما قال: "لا يولد البشر مرة واحدة يوم تلدهم امهاتهم وحسب، فالحياة ترغمهم على أن ينجبوا انفسهم"

حين تستفزك كل هذه المفارقات، لملم كل هواياتك.. رغباتك.. أحلام الاعوام الماضية.. مارس بجرأة ما لم تجسر على تجريبه سالفا.. إن جمال الأشياء يكمن في النهايات

الزمن هو أن نفعل ما نحبه..
الزمن يملكه أولئك الذين يؤمنون بجمال احلامهم..



17 


تقبضني احيانا فكرة مهولة وهي: ختام حياتي سقطة..!

استطالت هذه الفكرة في مخيلتي برعب مهول، حينما امعنت في آهات "جان جنيه" في نصه الأثير "راقص الحبل"، وهو يخاطب الموت في كيان صديقة الجزائري المنتحر "عبدالله:
" اذا كان لعشقك ولمهاراتك ولذكائك القوة الكافية، أن تكشف قدرات الحبل السرية، إذا كانت حريتك كاملة الدقة ومكشوفة، فسيجن الحبل ليرى قدمك "الملفوفة بالجلد"،لست انت أول من سيرقص وانما الحبل، ولكن، عندما يكون هذا في كينونته حبلا، وفي لا حركته يرقص، وتكون هذه صورتك القائمة بكل القفزات، فأين تكون انت؟ إن الموت - هذا الذى اتحدث عنه هنا- ليس هو الموت الذى ينبع من سقوطك، وإنما هو ذاك الذى يسبق استعراضك.. انت ميت قبل أن ترتقي الحبل.. إنه الراقص الميت"

هكذا أتخيلني دائما.. اسير بأصابع قدمي على حبل شبيه ب "حبل الراقص"، لهذا علي بمهارة وخفة بهلوان أن اعبر دربي إلى الحياة.

ذاك المجهول الذى يترصد استقراري، ليس موتا بمعناه التخيلي في كياني، بل يتوجس كدرب لولبي يسري بي إلى حيث اجهل..!

إن هدا المجهول يتلاعب بي، وأنا عشقت تلاعبه بي على هذا النحو المثير.. ذلك الانتظار المشنوق على فضول مستفز.. من الترقب.. من لهفة التمني..!

لعل ذلك مبعثه كوني امراة تعشق الافتراضات اكثر من مما تعشق الحقائق.. تمارس الحياة في دهاليز احلامها وتقتات بها بعين رضا، احب إليها من أن تكون ماثلة حولها كواقع.

في إمتلاك الأشياء ضجر.. بلادة حد التثاؤب..!

ما يلفت أو يهز كل حاسة من حواسك، هو تلك الأشياء التي ليس بمقدورنا إمتلاكها.. الأمور التي تناقض توقعاتنا هي وحدها تلبس حياتنا ثوب تشويق..!

ما عدت أخشى السقطات..!


إنها تجعل المرء يدرك وزنه الحقيقي في الكون.. إنها تجعل الكاتب - خصوصا- تركيبة غنية بالمفاعلات الإنسانية.. كم تثريه تلك الثقوب، فالمعذبون هم الجديرون بالتعبير عن وجه الحياة الدامي.. إن صرخات حناجرهم لا تدعي مطلقا.. إنهم اشد خصوم الافتراء.. يحتاج الكاتب إلى الخوف كحاجته إلى الأمن.. يحتاج إلى ان يسلخ جلده مشرط الألم كحاجته إلى فرح طويل الأمد.. فالكتابة الجادة المتناغمة مع أوجاع الوجود.. السابرة في اعطافها، لا يخوض عمقها سوى جسد صلبه تاريخ الألم.. قلب متعفن بدم الحياة.. وعقل متخم بغصة واقع مر كنبتة سامة..!

وهذا يشبه ما قاله "ديستيوفسكي" يوما ما، كرد على كاتب شاب جاء يسأله: " كيف يصبح يصبح المرء كاتبا كبيرا..؟ فأجابه: " أن يتعذب، أن يتعذب، أن يتعذب"

وهذا يشبه ما قاله الشاعر المرهف "ريكله": " ينبغي أن تموت ألف مرة لكي تكتب حرفا واحدا"

وحده الإنسان المتألم هو وجه الحقيقة..!

هو جسد منفوخ بالطاقات.. طاقة البوح.. طاقة الغضب.. طاقة القهر.. طاقة التحدي.. طاقة الحرية.. طاقة الرغبة والحق في الحياة حتى اخر قطرة.

عندما تسقط تعَرّف بشخصك الكائن فيك.. أي نعامة أو أسد هو انت.

اذا كان "دانيال سترن" يرى: " أن آلام الآخرين هي لغتنا الثانية"، فإنني. أضيف بإيمان مطلق: " آلام الكاتب هي لغته الأولى إذن..!

ففي حال الألم لا يكتب الكاتب هزائمه، بل حرقته وتمرده عليها..إن اعترافه الضمني في نفسه والمذاع بين الناس، في هيئة نص ادبي هو موقف يحسد عليه لجسارته..!


25 


"أحب أن اتأمل بين حين وحين الوجود من الجانب الآخر.. فمن جانبي كان الأمر مضنيا على الدوام.. ثم إنه منحاز.. احب ان انزظر لنفسي من الخارج.. أن افكر في نفسي بعقل غريب.. واحب على وجه الخصوص ان أشعر بنفسي بحواس العالم.. قاس أن نبقى دائما على الضفة بينما يمتد البحر حرا من كل قيد"

هكذا يعبر "رافايل أرغولول" عن "حواس العالم" في كتابة " صياد اللحظات"، وهو الشعور الذى اجدني فيه بإستمرار، أن تكون لي ضفة خاصة، ومنها أرنو على ضفتك.



26 


صادفت البارحة بين سطور دفتر مهمل في احد الأدراج، كلمات حشرج بها " فرناندوا بيسوا" بعمق:

" أنا اليوم مهزوم كما لو كنت أعرف الحقيقة..صاحي كما لو كنت على وشك الموت"



27 


لم يخطئ " وليام شكسبير" عندما قال: " بالنار يختبر الذهب، وبالذهب تختبر المرأة، وبالمرأة يختبر الرجل"

إن أفضل النساء.. هي تلك التي تخاطب في الرجل طفله الصغير القابع في سراديب روحه.. في قاع كل رجل طفل يحببه اللطف واللين.. طفل يعشق شراسة الحب.. يرغب في شهوة الحنان.. عبثي.. أناني.. مستبد.. غيور.. جانح.. وحدها امرأة من النساء تخضع هذا الطفل.. تلينه.. تعيد تكوينه.. تخاطبه بلسانه وعقله وقلبه وتضاعف من جنون مطالبه، بغرائزها كأم وعاشقة ورفيقة له..!

كل أطفال المرأة يكبرون سوى هذا الطفل.. فهو طفل آخذ بإمتياز..!
أنجبت من خلاله اطفالها الباقين.. لكنه أول طفل في حياة كل انثى.


32 


في خضم إلقاء الضوء على الكاتب وصلته بالموجودات من حوله، ثمة تساؤل قوي يحتك بي في هذه اللحظة بالتحديد وهو: هل الكاتب الذى يعجز عن إثارة التغيير في واقعه الراكد بقادر على أن يفجر تغييرا في العالم الذى يدور في دهليزه..؟!

ابداً.. الكاتب الذى عجز أمام افكار واقعه بالتغيير اكاد اجزم أنه لا يجسر على تغيير في واقع العالم..!

هكذا يواجهني فكري: لقد فشل في تحديه الصغير، فكيف إذن في تحديه الكبير..؟!

فعلى مستوى الواقع كان التمرد لصيق تركيبتهم الإنسانية.. تمردوا على شخوصهم.. تمردوا على واقعهم.. وهذا التمرد سرعان ما تعاظم وتمدد ككائن مهول لم يكتف بعالمه الصغير، فأراد عالما اكبر يليق بحجم تمرده وأحلامخ وتطلعاته في الحياة.

إن الحياة لا تمنح عظمتها على وجه اعتباط..!

" لوركا" قال مرة على لسان أحد شخوصه في مسرحية "ماريانا": " وما الإنسان دون حرية يا ماريانا، ودون هذا الضوء الثابت المتناسق الذى نشعر به في اعماقنا، وكيف يسعني أن احبك إذا لم أكن حرا..؟
قولي لي، كيف يمكنني أن اعطيك هذا القلب القوي إذا لم يكن ملكي..؟!"

في إرضاء الآخرين تكمن الخطورة، لأنك ستظل ذلك العبد الذى تخلى عن حريته الإنسانية التي منحت له.. تركها لأنه لم يجرؤ على تسخيرها لمصلحته، وهو قمة العبودية الإنسانية.. 
لأننا ولدنا احرارا..! 


الكاتب حين يتضاءل تمرده في واقع شخصه مع الآخرين، سوف تتضاءل نفسه أمام مرآته.. فمهما كانت البدائل التي استقاها ليرضي بها رغباته الصغيرة والآخرين لن تجدي نفعا.. فنفسه المتمردة التي عجزت في امتحانها لن تغفر له ذلك.

مفهوم التمرد في ذاته اعتراف بشي ما، سبق واعترف به الإنسان المتمرد.. هو تطلع داخلي يرغب فيه المتمرد بكل كيانه، كي يثبت وجوده أولا في واقعه ثم في واقع العالم.

يقول "رينيه شار": "افرض فرصتك، شد على سعادتك وضمها، واذهب صوب مجازفتك، هم لفرط رؤيتك سوف يتعودون".




الرسالة الأخيرة



من ذاكرة ليلى الصغيرة

سألتك مرة وأنا طفلة : لماذا عيناك صغرتا..؟  

احتوتني بدفء ابتسامتك النقية وانت تشير بيدك نحو عيني وأعين اخوتي، الذين كانوا متلاهين مع شقاوتهم: لأني منحت كل روح منكم جزءا منها. 

وبعدها ضحكت من قلبك وأنا صدقت أن الكبار يمنحون اجزاء من أجسادهم لصغارهم كلما انجبوا..؟ 

17‏/05‏/2018

عن جواد الأسدي، ومسرحية: نساء في الحرب


جواد الأسدي 




فنان عراقي كاتب ومؤلف ومخرج مسرحي، ولد في مدينة كربلاء عام 1947م. وتخرّج من أكاديميّة الفنون الجميلة قسم المسرح ببغداد 1971، وعلى وصايا أمه “بأن يحمل بلاده كنخلة باسقة، إذا كانت لا تقوى على حمله”، اتجه إلى بلغاريا لينال الدكتوراه من معهد الفيتز ببلغاريا، ودَرَس في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، كذلك عمل مع المسرح الوطني الفلسطيني، أخرج مسرحية (العائلة توت) للهنغاري (شتيفان أوركيني). حازت المسرحية على جائزتين ذهبيتين في مهرجان قرطاج بتونس سنة 1983، كذلك حاز عام 2004 على جائزة الامير “كلاوس” للمسرح.

النظام العراقي السابق أعدم شقيقيه، أما هو فترك العراق وعاد بعد سقوط النظام عام ألفين وثلاثة، ثم اختار الرحيل مجددا، متجولا في المدن العربية والعالمية، مع مسرحه النقّال من بيروت إلى بغداد ودمشق ومراكش، وعن ذلك يقول:

الرحلة طويلة، والطموح كبير، صحيح أنني أستمر في المحاولة، لكنني أسّست في رحلتي المدينية مساراتي انطلاقاً من أن العراق المحمول في رحمي سيبقى كذلك الى الأبد، ودائماً أجد نفسي في مهب الاحتمالات الصافية، وأجد الذرائع المقنعة لهجرتي القسرية، بأنني مخلص للأمكنة التي يثمر فيها عملي بشراً وعروضاً ونصوصاً، وربما مسرّات، سأظل في مساحة مفتوحة، في مسافة تطل على مسافات لا تنتهي.

استطاعت تجربة (الاسدي) المسرحية ان تمثل الحنين والحب والغربة، واستطاعت القبض على الممكنات التي مازالت في حوزة انسان مطحون بالمعاناة، لانه على خشبة حياته وعلى خشبة موته يصرخ دائما: “المجد للحياة”.

صدرت له العديد من المؤلفات منها : (المسرح والفلسطيني الذي فينا)، (جماليات البروفة)، (مرايا مريم)، (العاشورائيون)، (الموت نصا)، (خشبة النص)، (آلام ناهدة الرماح)، (انسوا هاملت)، (المسرح جنتي)، و(نساء في الحرب) و (ليالي احمد بن ماجد).

وأخرج الكثير من الأعمال المسرحية، وأكثرها شهرةً: (رأس المملوك جابر) عن مسرحية لسعد الله ونوس، (تقاسيم على العنبر) المستوحاة من نصوص تشيخوف، و(حمام بغدادي) التي نالت شهرةً عالميّة. وفي بيروت أسّس مسرح (بابل) الذي حرّك وجه المدينة وجذب الجمهور الى خشبته

ومن أعماله الاخراجية الأخرى: (ثورة الزنج)، (الحفارة)، (ماريا بنيدا)، (ليالي الحصاد)، (المجنزرة ماكبث)، (الاغتصاب)، (الخادمتان)، (انسوا هاملت)، (المصطبة)، (نساء الساكسوفون) و (نساء في الحرب).

يقول جواد الاسدي:

كأنما صورة المنفى والاقتلاعات المزمنة، صنعت عندي الانتماء الطهراني للمقدس، الذي سيج ارواحنا وسنواتنا التالية، دون ان ادري وبدون قصد مسبق، دخلت في ملكوت المسرح من باب المنفى الآخر، كي اظل امجد مرايا الحريق الابدية، في توحد صلواتي ومع طقوسية نيرانية، ربطت عنقي بعنق فلسطين، ارتديت جبتها ولهثت في مخيماتها، وكتبت أسمها على رأس القصيدة الساحرة، حاولت وبشغف ان اتقدم بحذر، بنيت نور الشخصية في الظل البعيد، صبرا على رأسي وشاتيلا في قلبي، الحريق مظلتي والمضي في سفينة الخراب قدري الصلب المعدني، منحت الممثلين أقصى ما لدي من حسرة ودمع، في البروفات وبعدها ثم قبلها كنا نغرف من يوم القيامة قواميسنا ومفرداتنا

دائما كان هناك ثمة قرين حقيقي تبتكره الطبيعة المتوحشة، كيما تزيد وحشتي، يومها وخلال ايام بروفاتي على مسرحية “ماريانا لوركا” ايضا، جنحت الى قراءة الهيجان، وهي رواية تسجل بشفافية ساحرة موت لوركا، على وقع بروفات ماريانا قرأت موت لوركا، ولعل اخطر ما في مسرحية “ماريا لوركا ” هو ان لوركا حقق فيها نبوءته عن طريقة موته، حقا لقد اطلق الرصاص على لوركا الكاتب الاسباني الرائع، بالضبط كما اطلق فونسيكا الشرطي الوغد الرصاص على ماريانا في نهاية المسرحية، انه شاعر رأى موته على الورق، شاعر منح بطلة مسرحيته دماءه الحية، حال انتهائي من قراءة الهيجان، اشهد اني اجهشت بالبكاء، البكاء الصراخ، البكاء الجنون.


سُئل في لقاء صحفي: “في كتابك (مرايا مريم) كيف تنظر الى الصلة الروحية بين القصيدة والمسرحية، وبخاصة انك تنطوي في الصميم على روح شاعر وهذا ينعكس على اختيارك للنصوص وللممثلين معا؟”، فأجاب:


كتاب النشر ستتصدره فاطمة أمي، وجدانياته ستكون حفلة المنافي، وقافلة الذكريات المتنكرة في ازياء الموتى، والمندثرين في قبة العباءات الكربلائية، حاولت ان اعطي لنفسي في هذا الكتاب فرصة التناوب بين البروفة وانعكاسها على ما بعدها، بعد البروفة دائما كنت احس باللوعة، لفقدان ناري لم تتسع له المساحة المسرحية، ولا الممثلين ولا صورة النص، لهذا فان جذور كتاب النثر أتت من أجل ديالوج المشقة، في انتظار المعشوقة الأم، أو الحبيبة المدينة، أو طوفان الرايات والنقر والنواح المبكر، انه مسرح من نوع آخر، يطلق نذوره ممثل صار القاسم المشترك الاعظم، لكل العروض المسرحية التي لم تتسع له، لهذا صار الكتاب ممثلي في الخلوة المنشودة التائهة، كل هذا الذي لا تتسع له سوى المرايا التي تجذبك دائما للبوح، والمجاهرة في خلوة فجر مدنسة، هناك تنبت مفردات النص هناك في جوف الاسطبل، على مقربة من الخيول الذبيحة المصلوبة علنا امام بكاء السائس، هناك في فترات صمت الممثل الذي اسس سلطته فوق الخشبة، مع حشود من جماهير مبهورة ينتابها نزوع نحو اللطم والتهشيم، كل هذا وسراه قدم له مسودة الكلام في البياض الملطخ بالوحل.

يقول الاسدي عن مؤلفاته ومسرحه:


عندما يستعصي على الفنان ملامسة فضائه الاصيل، أو عندما يتهدم في عقل الفنان وطنه وبيته وذكرياته، فإنه يجنح الى إعادة تأسيسها فضائيا، السينمائي يهرب شريطه النابض بتفاصيله الصغيرة والكبيرة، النحات والتشكيلي يبني فضاءه على اللوحة، الموسيقي في عزفه، والروائي في ملكوت بياض الورق يبني عشه، اما المسرحي فانه يظل يلهث، كي يبني بيت النص والعرض، المكان الضيق الواسع.



سُئل أيضا ذات مرة: “لو ننتقل قليلا الى خارج المسرح.. الى اطرافه او حوافه، فما هو “المنسي” او الغائب هناك في الحواف، اود لو تتذكر ذلك النسيان؟”، فأجاب:


الحريق هو المنسي الدائم الذي لا يتسلل الى خشبة المسرح، اقصد حريق البيوت المهجورة، والأمان الميت، حريق الحرية المصلوب في الساحات العامة، حريق الجسد الذي يقوده جلاده لحفلة الاعدام، حريق قلب الحبيبة التي تمشي على حافة الجنون، وهي ترى مقص الجلاد يقص شعر الحبيب الطويل، وهو يهيئه لهبوط المقصلة، حريق الشجر، حريق النهر، حريق الغبار، حريق الزنارين الانفرادية، لسجين يريد ابتكار لحظة الهروب نحو السماء، حريق الرغيف والعوز والمعدة اليابسة، حريق جولييت التي افتقدت روميو الروح، حريق كورديليا من اجل ابيها الحريق، حريق اطراف ثوب العروس، كل هذا وسواه منسي خارج الخشبة المسرحية، التي يزدهر على ناصيتها التثاؤب ثم النوم في تفاصيل النزف الكاذب.



كما سئل ايضا: "ماذا تمثل إليك ليلة العرض الأولى؟ اهي ليلة زفاف ام ليلة موت، أم هي شيء آخر؟" فكانت الإجابة:

ينفرد المسرح بحقيقة الفقدان الذي يسدل الستار المعدني ليس على خشبة المسرح فقط، بل على فرح الممثلين في عيد التشخيص الحي، قبل فتح الستار يشكل لحظات اضطراب تخفق في الروح بين الشرايين، قبل الافتتاح الاول، ينتظر الممثلون والمخرج والعاملون في المسرح حصاد عرقهم وشقائهم وغرامهم المسرحي، ان ليل الافتتاح هي بحق أشبه بالزفاف الأول، أول مفاتحة ضوء، أول بزوغ للمعنى في الكلمة والاشارة، اول خفقة عزف ادائي سحري، اول مقاربة بين وجدان الممثل والمتفرج، في العرض الاول يختفي المخرج خلف جمر الكواليس المنتظرة، يطلق العنان لامتزاج دمائه بدعاء الايقاع للعرض المسرحي، خلف الكواليس يؤشر المخرج اشارته ويصدر اصواته ويصب لقناته، يركض المخرج على حافة الجنون خوفا على العرض، من هبوط مفاجىء أو نسيان مريع، اين يذهب الممثل الخلاق والمخرج الخلاق بعد نهاية العرض؟ لمن يسلم روح مسرحيته ؟ انه هجران من نوع خاص، اسميه احيانا الهجران المميت المضني، واحيانا الهجران الحي في رغبة ملحة للمعاودة مع الصباح الجديد.




عن مسرحية (نساء في الحرب)، يقول (جواد الأسدي) في المقدمة:

لا حدود لأركان النصوص في الشخصيات المقذوفة إلى امكنة مهددة، لأن النفوس في هذه المخلوقات هي نفوس مضطربة، ممسوسة، تطلب المزيد من الطيران في محرقة الهجرة الكبرى.

نص النساء في هذه حرب الهجرة هذه مهدد جسديا، ومكانيا وتأريخيا، لأنهن النساء هنا يبحثن عن نبعهن، وهوائهن الملطخ، من خلال سرد حكاياتهم في الشبق الملتهب للحكي، أو في تفجر القول المرتجل، هذه الإشارة متروكة للاخراج، الذى يشتهي ردم الحدود والحفر، بعيدا في الماضي من النفس الأنيسة المحتدمة، المحروقة، على الأقل هكذا ارى المسافة بين المبني والمهدوم، المكسور والملحوم، والمرمي على الأرصفة، اقصد ارصفة الممثل في حساسية وعيه الجمالي، الحكي المتفجر، الباحث عن تعقيدات وتدفقات وتوقعات، تعيد لكثافة الدراما الدموية وجها آخر للإنهيارات غير المكتوبة، لأن مجمل العملية المسرحية هي بؤر لإشتباكات، وبحث عن فراديس كلام وامكنة لم تعد ممكنة.

تولدت فكرة نساء في الحرب هذه من تراكم الإحساس، بالفظائع والفضائح والجحيم الذى يتعرض له الإنسان العراقي، عبر بحثه عن مجهول مصيره، بفقدانه لجنة بلاده، في تنقيب مضني عن المكان الآمن، خصوصا بعدما ارتكب بحقهم جريمة التبعيد والتهجير، منقذفين إلى تيه المطارات والبواخر المهربة والحدود الملغومة.

لقد كتب هذا النص الناقص، الذى لن يكتمل إلا بطوفان من الروايات، التي تشكلت على مدار حياة اكثر من ثلاثة ملايين مهاجر عراقي، يتمزقون بين الأرصفة والشوارع والبيوت والأمكنة الملفقة.

لن يستطيع هذا النص إلا القبض على جزء، من تلك الجمرة المتفجرة، في آلام الناس البعيدين عن اوطانهم.

لقد كنت أصرخ بوجه أولئك المستسهلين بالأوطان الجديدة، ألا بديل للعراق، فالإنسان الذى يغادر بيته إلى بيت آخر، يظل في حالة من الإرتباك والظلم، لانه تواق ابدا إلى مكانه الأول، إلى رائحة اشيائه المؤنسنه، إلى مصدر ضوء قنديله في غرفته، إلى نار تنور جدته، هنا اتكلم عن العراقيين بوصفهم المرضى الأكثر ضراوة بأمكنتهم.

مر علي اكثر من ثلاثين سنة، وانا اجوب الطرقات والعواصم، التي ربما اثارت اشياء كثيرة ورائعة في حياتي، لكن الفداحة الأكبر أم يبقى باب وطنك مسدودا بوجهك.

أردت أن أوضح غصة وحسرة العراقيين على عراقهم، وأردت أن يكون هذا النص عراقيا، وأن تكون شخصياته وطبائعها، اضوائها ورائحتها، تماما عراقية.




من نصوص المسرحية

1


ننقذف من جوف النوم إلى فجر مبكر!
من خشبة البيت إلى خشبات الشوارع!
منذ الطفولة ونحن نرسم سر الأرصفة على جباهنا!
ومنذ البدأ إلتهمتنا الطرق!
نحن في ذهابنا ومجيئنا في إلحاحنا على الإكتشاف
الريح تزداد، الموسيقى تعلو…
تحول الأرصفة إلى أمكنة
مرفوعة على تواريخ ويوميات، ومسرات
الأرصفة أوطان متباعدة
مدن محتشدة
بيوت ملتوية
بشر ضالون يحملون أوجاعهم واناشيدهم
ملذاتهم وعطشهم
نصوصهم المحرمة المنبوذة!
الأرصفة بيوت بلا جدران
غرف بلا سقوف
تشبه إلى حد بعيد شيخا، مدمنا على الندم!
لا نعرف إن كانت الأرصفة رحيمة أم أليفة
أهي أنيسة أم فقدت الإحساس بوجودها!
هل للرصيف قلب
الرصيف والغريب جملة واحدة
في سطر مهموم
الرصيف ضوء الغريب
زهرة الغربة
الغريب زاد الرصيف!
ثمة ما نسمية وحل الأرصفة
جحيم الأرصفة، عويلها!
في الغرب، لم تمسني البيوت المطلة على الأرصفة
ولا المقاهي
ولا النساء اللواتي يجرجرن كلابهن بإحتفالية مبهرة!
لا احب أرصفة الغرب
لا ألتوي عليها
لا تلتويني.
أما رصيفي الأول
رغم كهولته، هزيمته، كسوره
فهو يحملني
يؤويني…
عندما يهجر الناس أرصفتهم
ويتركوها بلا إلتفاتات
ولا حسرات ولا دمع
عندما يغلق الناس بيوتهم في الليل ويطفئون المصابيح
عندما تزداد الحلكة والوحشة
يصير من الحكمة أن نطفئ لمبة العالم
ونخلد إلى النوم، كهروب مؤقت
وعربون لسفرة أكثر إيلاما!


2


ريحانة تبالغ بفرحها ترقص، وتصرخ تصعد على الطاولة، ترقص وتكسر 
القناني، ثم ترمي الطاولة إلى الأرض!

ريحانة: انت إمرأة كريهة وعقلك عفن
مريم: شكرا (بنفاذ صبر)
ريحانة: أكرهك
مريم: (صمت)
ريحانة: لم يهمك ويقلقك سوى ألمك!، ولا ترين في العالم كله سوى أنانيتك!
نسهر عليك ونخاف ونتألم، ونشاركك أوجاعك، لكنك لم تسأليني يوما عن وجعي!
أليست الصلاة هي القدرة على حب الآخر!، كيف تصلين وانت حاقدة! كيف؟!

هل سألتني يوماً كيف ولماذا جئت إلى هنا!
هل استفسرت يوما عن عائلتي!، فيما اذا كان عندي عائلة او زوج أو اولاد
هل تقصيت الأسباب التي دفعتني للخروج من بلدي!
ولماذا ذبحوا زوجي عز الدين مثلا، وقطعوه في الشارع إرباً إرباً
لا لشيء، فقط لأنه كان رجلا نزيها ووقف ضد الظلم!
كم كنت أتمنى لو سألتني يوماً لماذا يغرق شعبي في بركة دماء كبيرة
وكيف يولد القتلة؟ أو أية أمهات تلدهم!

اسأليني لماذا جئت إلى جرمانيا، لماذا اخترت هذا الفردوس المستعار
الممزق، الملوث، الكلاب المترفة، الحدائق الرتيبة، الغابات الميتة!
سأؤكد لك بأنني انوي الزواج من رجل جرماني، وانجب اولاداً جرمانيين
ثم أغسلهم من آثار اللغة العربية والعرب
واكسر أمامهم سيوف تاريخهم، واهزأ من فرسانهم
إنني أكرهكم، اكره صلاتك وصلواتكم، عقائدكم وعقائدهم!
لا أحب بلادي
ولا اغنيات بلادي
ولا شجر بلادي
ولا شوارع بلادي
ولا اي شيء في بلادي!
سأرمي بكل شيء إلى الجحيم، إلى المحرقة
ساحرق ذاكرتي كلها!


3


مريم: (تصرخ بجنون) ماذا سأقول؟
بوجه من ينبغي أن ابصق، وأغرز أظفاري!
لو رأيت الدفن الجماعي، والرجال المتفحمين
لإنفجر رأسك سخطاً وغضباً
أريقت دماء أهلنا ببربرية غير مسبوقة
ذبحوهم ثم تركوهم ينزفون
دون أن يستطيع أحد إسعافهم!
هل رأيت بعمرك شعبا مثل شعبي، يتحول ذبحهم إلى فرجة!


20‏/04‏/2018

نماذج من عملية تغيير وعي المجتمعات أو الهندسة الإجتماعية


عبدالخالق مرزوقي



من وجهة نظري أنه في القضايا العامة، خاصة المتوجهه للناس، أنه لا يوجد شيء يحدث عفويا، أو بالصدفة


والكثير من الناس ، حتى ممن يعتقدون أنهم يصلون لقناعاتهم
بإستقلالية وعبر عمليات وعي وتفكير عقلاني، لا يدركون أنه تمارس ضدهم عملية برمجة لمدة طويلة، كي يعتقدون انهم فعلا كذلك. 

ربما من وجهة نظر الأفراد، أو الفئات الإجتماعية التي يتم تطبيق استراتيجيات تغيير الوعي، أو تزييفه، أو الهندسة الإجتماعية - فن اختراق العقول والتلاعب بها - يتم   تعريف هالاعمال بالمؤامرة.

لكن من وجهة نظر من يخطط لتغيير الأفكار، وجهات النظر، التوجهات العامة، تسمى استراتيجيات، تطوير وعي، صناعة "وعي" جديد

من أمثلة ذلك، في السينما الامريكية، الافلام الحربية اللي انتجتها هوليود، عن حرب فيتنام قبل عقود، كانت في خدمة الاستراتيجية السياسية والاعلامية والدعاية الرسمية الحكومية الامريكية، لصناعة رأي عام موجه - هي تجري على مستوى اللاوعي- لتصوير التدخل الامريكي انه لاهداف نبيلة، وأن امريكا لم تخسر الحرب.

ذات الاستراتيجية وبنفس الوسائل والتكتيكات، تم استخدمها وانتاج سلسلة افلام منها 

افلام رامبو - سلفستر ستالون - عن " الجهاد" في افغانستان ضد الشيوعية، وشارك الإعلام المكتوب والمسموع، والمسمى ب "الحر" و "المستقل"، ايضا في تنفيذ 
تلك الإستراتيجية السياسية، وكان " المجاهدين" وقتها يسمون في الاعلام الامريكي 
ب " مقاتلون من اجل الحرية"

وغالبا الافلام الحربية الامريكية، عن حروب امريكا ضد آخرين إما تمول من وزارة الدفاع جزئيا بطريقة غير مباشرة، أو تحصل على تسهيلات منها.

من ضمن الأمثلة الأخرى في العقود الأخيرة، في موضوع المثلية، تم تنفيذ تلك الإستراتيجيات - من وجهة نظري- لكن اختلفت السياسة والتكتيكات والطرق التنفيذ

اشترك الإعلام الغربي سواء كصحافة مكتوبة أو كمواقع مشهورة، واغلبه مملوك لعدد قليل جدا من الشخصيات، مثل ميردوخ، كذلك السينما، والأدب، والفن عموما، وسياسيين يريدون أن يحصلون على رضا ملاك الاعلام والداعمين بالمال عنهم، في الاشتغال على تغيير النظرة داخل المجتمعات تجاه تقبل المثلية

ففي كل الافلام والمسلسلات لو نركز الملاحظة، دائما يتم تصويرهم بأنهم طيبين، مسالمين، عطوفين، بحاجة لاحتضان اجتماعي، افراد فعالين في مجتمعاتهم، لا يؤذون احد

وخلال عقود بسيطة تغير الوعي العام تجاههم من رفض اجتماعي عام لقبول، بدأ التغيير حين شطبت الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين، المثلية الجنسية من الدليل التشخيصي والإحصائي للإضطرابات النفسية، وهذا ألغى تعريفها كإضطراب نفسي أو شذوذ جنسي

وبعد أن كان الزواج المثلي محظورا في العديد من الولايات، تم اقراره فيدراليا في عام 2015، عبر قرار المحكمة العليا في عهد أوباما.

نفس الموضوع والاستراتيجيات حاليا تتكرر تجاه موضوع تشريع وقوننه استخدام المخدرات، تحديدا الحشيش والماريجوانا في امريكا وبعض دول اوروبا

ويتم تغيير الوعي تجاه هالموضوع بتصويرها انها ليست مثل الانواع الاخرى، والسماح بها يقلل عدد المدمنين على الانواع القوية من المخدرات، ويقلل التهريب، ويمكن السماح بها للتعاطي الشخصي وليس للتجارة، في هولندا شرعت قانونا تحت هالحجة، وفي امريكا بعض الولايات شرعتها قانونا، سواء كزراعة أو استهلاك شخصي.

ايضا لدينا في العالم العربي، تمارس مثل هالاستراتيجيات في مواضيع عديدة، ضد المجتمعات، وليس شرطا أن تمارس من قبل السلطة العامة، فقد تمارس من اتجاهات سياسية، دينية، فكرية لتحقيق اهدافها.

تم استخدمها في الثورة المضادة للربيع العربي لتشويهه، ايضا ال
قادة الخفيين للجماعات الارهابية يمارسونها ضد افراد تلك الجماعات تحت مسمى الدفاع عن العقيدة، الكثير مما يقوم به الاعلام والاعلاميين، تحت مسمى الوطنية أو الدفاع عن الوطن مثال آخر على استخدام استراتجيات وأساليب تغيير الوعي.

ويوجد الكثير من الناس، يكون منخرطا في التنفيذ، معتقدا أنه يقوم بعمل نبيل وواعي داخل المجتمع، وهو لا يعي انه مجرد منفذ لاستراتيجيات غيره، والتي اهدافها لا تتطابق بالضرورة مع اهدافه كمنفذ.

02‏/03‏/2018

عن مقدمات نقاش الأفكار والمفاهيم- قضية النسوية كنموذج


عبدالخالق مرزوقي

في امسيتنا الاخيرة عن الادب العراقي، ضمن جمعية كلنا نقرأ كان هناك نقاش جانبي قوي، دار بين طرفين من الحضور، حول من الأفضل في المجال الأدبي والفني العربي، الرجال أم النساء

اثار لدي ذلك النقاش رغبة في التعليق على نقاط محددة، تتعلق بطريقة عرض القضايا من ناحية منطقية، لأنها ورغم كونها تبدو صحيحة منطقيا - علم المنطق عموما يتحدث عن صورة الفكر وليس مضمونه، لذا يسمى بالمنطق الصوري- لكنها ليست بالضرورة كذلك موضوعيا.


الرأي الأول كان يقول إن الرجال افضل في الإنتاج الثقافي والفني وقدم وجهة نظره بطريقة منطقية ضمنيا معتمدا البناء التالي:


1- المقدمة الأولى: معيار الافضلية هو العدد و الكثرة. 
2- المقدمة الثانية: في الإنتاج الثقافي والفني عموما، عدد الرجال البارزين اكثر.
3- النتيجة : إذن الرجال افضل من النساء في هذه القضية. 



منطقيا ارى النتيجة صحيحة وسليمة، ولا اعتقد أن هناك من يستطيع رفض ورد هذه النتيجة، وعدم التسليم بها، اذا اعتمدنا نفس المقدمات. 

لكن هل كانت النتيجة موضوعيا صحيحة؟

من الطرف الثاني، الأخوات اللاتي قمن بالرد في النقاش، كانت ردودهم المتحمسة للدفاع عن المرأة، تقوم على أن هذه النتيجة غير صحيحة وغير سليمة، وقدموا دليل لردها ودحضها، عن طريق ذكر امثلة يرون انها تنفي هالنتيجة، كوجود شاعرات مبدعات من مثال نازك الملائكة وسعاد الصباح، وغيرهم.

هل كانت ردودهم تنفي النتيجة التي وصل لها الطرف الأول حقا؟

اعتقد بشكل خاص، أن الطرفين كانوا على خطأ لأنهم اعتمدوا طرق خاطئة في عرض قضية النقاش وفي طرح الحجج.

الرأي الأول حول افضلية الرجال، رغم انه صحيح من ناحية النتيجة المنطقية التي وصل لها، بالمعيار الذى وضعه للوصول لهذه النتيجة، لكن الخطأ فيه، هو نوع المعيار المعتمد للافضلية والذى وُضِع كمقدمة أولى، وهو معيار العدد، وتم تجاهل حقائق موضوعية من تاريخ طويل من اختلاف الفرص، والتمكين بين الجنسين والظروف الاجتماعية والثقافية، وتجاهل معيار جودة العمل ونسبة المتميزين بين الرجال من ضمن مجموع الرجال، ونسبتهم بين النساء من ضمن مجموعة النساء.



بالنسبة للرأي الثاني حول رد ودحض الراي الاول، والذى ينفي 

الافضلية للرجال، كان النقاش والردود المعلنة في الظاهر، تدور حول نفي أفضلية جنس الرجال على جنس النساء، لكن على مستوى أعمق ومضمر كانت الطريقة المعتمدة تقود لنتيجة منطقية، هي ذاتها تؤكد أن الرأي الاول صحيح، لأن الأخوات في حماسهن للرد - وهذا ملاحظ في النقاشات العديدة حول المواضيع المتعلقة بالمرأة وحقوقها خاصة في وسائل التواصل- لم يلاحظن
أو ينتبهن، إلى أنهم وافقن ضمنيا، على نفس المقدمات، التي طرحها الطرف الأول بإنتقالهم مباشرة لنقاش النتيجة وليس دحض مقدماتها، بدليل انهن لم يرفضن معيار العدد أو يعلن بطلانه، بل ضمنيا وافقوا عليه وتم طرح اسماء قليلة تؤكد اعترافهم بهذا المعيار كأساس للوصول للنتيجة، ولأنهن وافقن عليه ضمنيا كانت النتيجة المنطقية من المفترض أن تقودهم لتأييد رأي الطرف الأول، بدون ذلك سيكن متناقضات في العمق اذا رفضن النتيجة
رغم أنهن ظاهريا ضدها وهذا ما حدث، أعني التناقض.


الكثير من النقاش في مختلف القضايا بين الناس، والجدال في بعضها، يجري بهذه الطريقة، حيث لا يكون هناك اعتماد معايير موحدة لدى طرفي الحوار أو تحديد دقيق لموضوع النقاش، أو تحليل وتفكيك للمقدمات، سواء النقاش المباشر، أو في وسائل التواصل، فتكون النتيجة أن كل طرف يرى ما وصل له، هو الصحيح، بناء على معاييره هو، وكمطلقاته ومقدماته وتحيزاته التي وضعها للوصول إلى النتيجة.


وهذا لا يحدث بين عامة الناس فقط، بل ايضا بين المطلعين والمثقفين احيان اخرى ففي ترجمة كتاب: The Female Eunuch


للكاتبة الإسترالية جيرمين غرير (29 يناير 1939) والتي تُعد أحد أبرز الأصوات النسوية في أواخر القرن العشرين، إلى اللغة العربية، كانت هناك ترجمتين، الأولى في 1981 لهنرييت عبود عن دار الطليعة، بعنوان: "المرأة المدجنة"


أما الترجمة الثانية فحديثة نسبيا وصدرت قبل سنوات قليلة بترجمة عبدالله بديع فاضل، عن دار الرحبة بعنوان: "المرأة المخصية"




ونلاحظ هنا الفارق في اختيار عنوان كل ترجمة، اعني الفرق بين استخدام كلمات العنوانين، الترجمتين استخدمتا ذات الكلمة إمرأة Woman، ولم تستخدما كلمة انثى Female التي يمكن ان يدل

عليها عنوان الكتاب باللغة الإنجليزية، ورغم أنه لا يظهر وجود فرق مهم بين كلمتي إمرأة وانثى، للمتعجل في القراءة، إلا أن بينهما اختلافات مهمة وتزداد اهميتها هنا، لأن الموضوع يتناول قضايا ثقافية تتعلق بالنسوية والذكورة من الناحية الفكرية، لذا اعتقد أن إستخدام كلمة أنثى كان سيكون أكثر عمقا وملائمة لأن
الكتاب ليس عن المرأة كجنس في مقابل جنس الرجل، بل أمر اشمل يتناول الأنثى كمعنى وكمفهوم ثقافي، والمفاهيم النسوية في مقابل الثقافة الذكورية.

كذلك عملية إختيار كلمتي: "مدجنة" و"مخصية" في الترجمتين فهو ليس فرقا لغوية بين كلمتين، يمكن وضع احداهما مكان الأخرى بعفوية فقط، بل يخفي ويضمر فرقا ثقافيا في تناول الموضوع، فرغم أن الكلمتين تمنحان معنى قريب من بعضهما 
حيث تتقصدان القول أن الأنثى مسلوبة الإرادة وتابعة ثقافيا.

فمن ناحية وقع كلمة "مدجنة"، بغض النظر عن صحة إطلاق الكلمة من عدمه، بما يوحي به من مقارنة مع مخلوق آخر أما كلمة "مخصية"، فإضافة لمعناها الأول، الذى يعني أيضا أنها مسلوبة الإرادة ولكن ليست بالضرورة تابعة، بالمقدار الذى توحي به الكلمة الأولى، هناك معنى ثاني اعمق لها، وهو انها تصنف فعالية وقدرة الأنثى، بمعايير ذكورية، فالإخصاء وفي مقابله الفحولة وهما هنا بمعناهما الثقافي هي معايير ومفاهيم ذكورية.

وإستخدام معايير ومفاهيم ذكورية، لوصف الإنثى، في مقام الدفاع
عن الأنثى هو أمر يضمر ثقافة ذكورية ما، سواء كان الإستخدام 
من قبل رجال أو نساء، وهذا مما يجب أن يعيه أي مترجم، فلكل كلمة معاني ومدلولات وسياقات في لغتها الأصلية وفي حقلها المعرفي تفهم من خلالها وعلى المترجم الإلمام بذلك.

وكذلك للكلمات في اللغة المترجم إليها، معاني ودلالات وسياق تفهم من خلالها، وعلى المترجم إمتلاك الحصيلة اللغوية، والخلفية
الثقافية، لإنتقاء الكلمات والمعاني، التي تقرب القارئ من فهم النص الأصلي كما كتب في لغته، ما أمكن ذلك، ولا يمارس علينا المترجم وصايته، ويجبرنا على قراءة النصوص كما يريد منا هو قرائتها.

وبما أن الفكر النسوي الخليجي عموما والسعودي خصوصا حاليا
في مرحلة ظهور كبير، لابد من أن يتنبه جيدا، في بحثه عن الدفاع عن قضايا النساء، لعدم اضمار الخطاب الذكوري بدون وعي.

ولا اتحدث فقط عن تلك الردود المتعجلة العشوائية، فتلك يكون من الواضح تهافتها، حديثي عن تلك التي تقدم الحجج بطريقة تظهرها بصورة منطقية تظهرأنها علمية ومستندة على قواعد حقيقية، وبأن من يقدمها صاحب قوة منطق وحجة وهذا نوع من القوة، تجعل الاطراف الاخرى تسلم بسلطة تلك الآراء، وبما تقدمه كنتائج.

فمن اهم الأمور الغائبة عن الثقافة العربية، عملية تفكيك وتحليل
طرق الوصول للأفكار والنتائج وعرضها، ففي العادة نذهب مباشرة لمناقشة الأفكار والنتائج.

استسهالا للتفكير، واعتقاد أن مجرد التفكير يساوي انتاج فكر ولأن ذلك لا يتطلب تأسيس مسبق ثقافي ومعرفي كبير، ولأن اغلب حواراتنا ونقاشاتنا هي بحث عن مكسب، وتأييد نتيجة وصلنا لها مسبقا بدون بحث، واعتقد هذا خطا وخلل ثقافي كبير.