‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

22‏/03‏/2020

ما بعد كورونا، وما هو اعمق من فايروس

ما بعد كورونا، وما هو اعمق من فايروس


عبدالخالق مرزوقي


كورونا ليس مجرد (جائحة ) طبية تجتاح العالم، وإن بدأ كذلك
فالتغيير الذى سيحدثه هذا الحدث الكبير على مستوى العالم، سيكون له
تداعياته الإجتماعية والثقافية والفكرية، طبعا دون الحديث عن التداعيات
السياسية والإقتصادية، وهي التي ظهرت أولا، واثرها اكثر وضوحا في
الوقت الحالي.

ظهور التداعيات الإجتماعية والثقافية سيتطلب بعض الوقت، واستيعاب
تلك التداعيات سيحتاج بدوره بعض الزمن، لكننا بالتأكيد سنكون امام عالم
مختلف

من الأمور الي بدأت تظهر مثلا على المستوى الثقافي والإجتماعي، وفي 
الغرب تحديدا، الأضرار التي اصابت مفهوم وفلسفة الفردانية في الغرب
فإكتشاف الإنسان في المجتمع الغربي، في هذه الأزمة التي لها جوانبها 
الإجتماعية، أنه (وحيد) و(ومتروك)، وأن عليه مواجهة تداعيات هذه 
الوحدة، وذلك لعدة اسباب، منها أنه ذهب بعيد جدا في موضوع الفردانية
للحد الذى جعله حين الإحتياج للعائلة المتضامنة والمجتمع، لم يجدهما 
بالصورة التي املتها الضرورة الحالية. 


الأمر الثاني هو اكتشافه لهشاشة الإعتماد على النظام السياسي في سياقه
الرأسمالي كضمانة للأمان الإجتماعي، ومنه الرعاية الصحية، بل لهشاشة
الدولة ذاتها، هذا الإعتماد الذى كان يبقيه بعيدا عن السياسة، مستقيلا من
الإنخراط في الشأن السياسي العام، هشاشة هذا الإعتماد تجلت في عدة
امثلة، اظهرها ترك نسبة كبيرة من كبار السن في ايطاليا - وهي من أعلى
دول أووبا في نسبة كبار السن- لمواجهة الموت، لأن الرغبة في عدم انهيار
النظام الصحي حتمت أن يكون من يحصل على أوليه العلاج، هو من يمتلك
نظريا القدرة الأكثر على البقاء حيا، ولم يعد العلاج حقا للجميع، كمتساوين
ونراه ايضا في اختيار الحكومة البريطانية لمفهوم (مناعة القطيع)، كطريقة 
عامة لواجهة انتشار عدوى الفايروس، مع معرفتها أن لهذه الطريقة مخاطرها
العالية على كبار السن، والمرضى بأمراض مزمنة، الذين لا تتوفر لديهم 
القدرة الجسدية والصحية على تحمل الإصابة بهذا المرض.

ونراها كذلك في تهافت المواطنين الأمريكيين على شراء السلاح بكميات 
كبيرة، لأنهم وبفعل الإعتقادات في اللاوعي - وكما تحدث (جوستاف لوبون)
في كتابه الشهير (سيكولوجية الجماهير) أن الفرد يتحرك بشكل واعي، لكنه 
اذا اصبح جزءا من الجماهير، فإن الجماهير تتصرف بشكل غير واعي - التي
خلقتها وسائلالإعلام والسينما، وحجم الجرائم اليومية التي يقرأ عنها ويشاهدها
 في النشرات الإخبارية المسائية، خلق لديهم حالة عدم استقرار نفسي وخوف 
اجتماعي انه اذا زادت اعداد المرضي، لربما ينهار النظام الصحي والإجتماعي 
وتفقد الدولة السيطرة، ويصبح كل فرد بحاجة لحماية ذاته بالسلاح من هجوم 
الآخرين المسلحين.

هذه لن تكون مجرد احداث متفرقة عابرة، فهي تصيب ( الإنسان الحديث) في 
جملة من المفاهيم الثقافية والفكرية، التي تأسس عليها، وظن أنه تجاوز النقاش 
حولها، سواء على صعيد حياته الشخصية، أو على صعيد علاقته بالدولة، بقدر
ما تصيب النظام السياسي في سياقه الغربي ووظائفه.
  
ماذا عن سياقنا نحن؟
هذا يحتاج لقراءة اخرى.

15‏/11‏/2019

الميل للسيارات الصينية، واعتراف الطبقة الوسطى بهزيمتها



الميل للسيارات الصينية، واعتراف الطبقة الوسطى بهزيمتها


عبدالخالق مرزوقي



من النادر أن نسمع بعلم الإجتماع الإقتصادي، أو نقرأ عن دراسات أو تحليل 
يستند على هذا العلم، عوضا عن تدريسه في الجامعات الخليجية، كتخصص 
مستقل رغم اهميته، وارتباطه بكل من علمي الإجتماع والإقتصاد من جهة
والحاجة له لتفسير الكثير من التغيرات، والسلوكيات التي تظهر داخل المجتمع.

وأهمية هذا الفرع، من العلم، تأتي من كون النشاط الإقتصادي، كأي نشاط اخر
احد الظواهر الإجتماعية، التي لا يمكن فهمها، وتفسيرها، إلا في ضوء التفاعل 
والتأثير المتبادل لها، مع بقية الظواهر الإجتماعية الأخرى.


في العقد الاول ونصف العقد الثاني، من القرن الحالي، اي منذ العام 2000 
إلى العام 2015 تقريبا، شهدنا تفوق كبير للسيارات الكورية، في الاسواق 
الخليجية، على حساب السيارات من الدول الأخرى، لأسباب عدة اهمها التطور
الكبير في صناعة السيارات في كوريا، مع الإنخفاض " النسبي" لاسعارها 
مقارنة بالسيارات اليابانية القريية منها، هذا فيما يتعلق بالصناعة والتكنولوجيا
وهذا يمكن الحديث عنه، اذا تناولنا الموضوع من جانب اقتصادي بحت.

من باب علم الإجتماع الإقتصادي، ندخل للعلاقة بين الميل للسيارات الكورية 
في العقد الماضي، وللصينية في السنوات الثلاث الأخيرة - مع عدم اهمال الجانب
الاصناعي والتكنولوجي في الموضوع - وبين اوضاع الطبقة الوسطى وتحديدا 
للشريحة الدنيا منها، في دول الخليج العربي.

في العقود القليلة الماضية، كان من "دلالات" رغبة واندفاع، افراد الشريحتين
الوسطى والدنيا من الطبقة الوسطى، في الترقي الإجتماعي ومشابهة الشرائح
الاعلى، في التملك والإستهلاك، هي في امتلاك المسكن، من نوع "فلة" والسيارة
والتي تفوق في قيمتها المالية، مقدار ما يملك من مال خاص، وما يستطيع دفعه
من اقساط، وكان يعوض ذلك عن طريق القروض البنكية، وفي ال 15 عام 
الأخيرة، رأينا هذه الشريحة، تلغي "الفلة" السكنية من طموحها، وتتجه به نحو
امتلاك "دبلكس"، وهي ذات الفترة الزمنية التي شهدت التحول الكبير نحو 
السيارات الكورية، نتيجة للضغوط الإقتصادية، التي تعرضت لها هذه الطبقة
واثرت كثيرا على قدراتها الشرائية، وكانت مازالت - عن طريق الإقتراض 
والتقسيط - تستطيع امتلاك سيارة، والسفر في الصيف كعائلة، بما يفوق امكاناتها
المالية الخاصة.

في الخمس سنوات الأخيرة، تزايدت الضغوط الإقتصادية، على هذه الطبقة، سواء
نتيجة لتأثرها بالتضخم الإقتصادي، وانخفاض القدرة الشرائية لديها، لعدم تناسب
نسبة ارتفاع معدل الأجور، خاصة في القطاع الخاص، مع نسبة التضخم وارتفاع
الأسعار من جهة، ولإستحداث مجموعة من الضرائب والرسوم، ورفع اسعار 
منتجات الطاقة والكهرباء وغيرها من جهة اخرى.

تزايد الضغوط الإقتصادية، على هذه الطبقة، ادى بها إلى التحول، قسرا، نحو 
مزيد من العقلانية في سلوكها الإقتصادي، والتغير في السلوك الإجتماعي ايضا
ونرى مظاهر من ذلك، في التحول حتى عن المركبات الكورية، نحو الصناعة
الصينية، وفي القبول بوظائف ذات اجور، لم يكن هناك اقبال كبير عليها من 
الشريحة ذات التعليم الجيد، وعلى المستوى الإجتماعي نرى ذلك في تأخر سن 
الزواج، وفي تفضيل المرأة الموظفة على غير الموظفة عند الزواج، وفي التنازل
عن "الدبلكس"، والإتجاه نحو امتلاك "الشقق" السكنية، خاصة في المدن الكبيرة
وفي الانخفاض النسبي للسفر إلى الخارج للسياحة - كعائلة- لصالح السفر بشكل
فردي، أو على شكل مجموعات، ولولا برامج الإبتعاث الحكومية، لم نكن لنرى 
نسبة تذكر من هذه الشرائح، تستطيع الدراسة خارج دولها.

ولأن هذا التغيير، لم يكن نتيجة لوعي عام، مسبق، ورشد اقتصادي، فإنه كان 
يضمر في داخله، اعلان هزيمة للطبقة الوسطى، عبر تخليها عن احلامها
وطموحاتها، في الإلتحاق بالشرائح العليا من ذات الطبقة، وهو الطموح الذى 
كان ظاهرا بشكل كبير خلال العقود الماضية، ليتحول نحو تحسين نسبي لمستوى 
المعيشة، وضمان حياة جيدة وآمنه اقتصاديا بعد التقاعد.

هذا الضغط الذى تتعرض له الطبقة الوسطى، وهي في العادة الطبقة التي يشكل
استقرارها واتساعها، استقرار المجتمع بكامله، سيتجه بالمجتمعات باتجاه
تحولات اكثر عمقا، مازلنا في بداياتها.


05‏/10‏/2019

الجوكر الذى فينا

الجوكر الذى فينا


فيلم يشبه الدخول في تجربة نفسية، تحاكي وتماثل ما يتعرض
له الإنسان في هذا العصر

حيث من الصعوبة جدا، عليك، أن تنجو، وأن تحافظ على
الجزء البشري فيك، في مواجهة ما تتعرض له، ويحاول
أن يثير فيك، كل ما هو غريزي وعدواني، وبمواصلة الضغط
على ذلك الجزء منك، المضطَهَد، الغاضب، الثائر، ومحاولة
تجريدك من المشاعر، وكانها عملية متعمدة ل "حيونة الإنسان"
وهذا عنوان للكتاب الشهير لممدوح عدوان.

العبارة التي تلخص ربما جزء كبيرا، من الناحية النفسية
لما يتعرض له انسان هذا العصر، من جهة انه يعاني، ومن
جهة انه غير قادر على اظهار تلك المعاناة، إلا اذا اظهر
ثورته في وجه الجميع، هي العبارة التي وردت على لسان
شخصية الجوكر: " انك لا تسمعينني، لكنني
موجود، وبدأ الناس يلاحظون وجودي"

وكانت في مواجهة الطبيبة النفسية، والي تمثل في الفيلم
رمزية، ذات بعدين، الأول هو بما تمثله من امتلاك سلطة
ومعرفة، تتيح لها وصمنا كما تريد - كما يفعل كل من يمتلك
سلطة وقدرة على وصم الاخرين وتصنيفهم- والثانية للناس
الذين نحن بحاجة للجوء إليهم، كي يقدموا الدعم والمساندة في
 الوقت الذين يكونون هم، احد عوامل هدمنا من الداخل
 بلا مبالاتهم تجاهنا.

في داخل كل منا، جزء يتم سحقه يوميا، كي يتحول لجوكر
وبقية اجزائنا تقاوم ذلك، لكن بعضنا لا ينجو.

عبدالخالق مرزوقي.


30‏/08‏/2019

الإتفاق والدمام، اعمق من كرة القدم

الإتفاق والدمام، اعمق من كرة القدم

حين نتحدث عن العلاقة بين الاتفاق و "أهل الدمام"
بشكل خاص، واهل الشرقية بشكل عام، فنحن نغادر
الحقل الرياضي قليلا، ونقيم في الإجتماعي والثقافي
فليس الحديث هنا، عن مجرد نادي رياضي آخر في
السعودية، أو مجرد تشجيع جماهير لناديها

من نشأ وعبر  باحياء الدمام، ومناطقها الداخلية، بالتحديد
العتيقة منها العدامة، الدواسر، العمامرة، الخليج، الدوغة،
مدينة العمال، النخيل، القزاز، سوق الحب، شور الليل، شارع
عيال ناصر، مسجد الشيخ عيسى، ازقتها و"دواعيسها"
وبقية مدن الشرقية، ومازال يمتلك ثقافتها الاجتماعية
الخاصة، يعي انه "ينتمي"، وليس مجرد احد "الجماهير"

اتحدث عما يعتبره "اهل الدمام" سواء كان الفرد
مهتما بكرة القدم أم لا، مكون رئيسي من من عناصر
الانتماء للمدينة - قلة من الاندية في المملكة، يستطيع
جمهورها أن يقول أن النادي ينتمي لمدينته واهلها
وثقافتها- ووجدان اهلها، وثقافتهم الاجتماعية
خاصة في ظل غياب أي رمز عام آخر، يعبر بشكل مباشر
أو غير مباشر، عن المدينة واهلها.

لهذا كان ذلك الحدث غير المسبوق في الرياضة السعودية
 اعني انتخابات النادي قبل عدة اعوام، من إلتفاف ابناء
المنطقة حول النادي، وكذلك ما عبر عنه الحضور
الجماهيري للمباريات حين هبط للدرجة الأولى، لذلك
 بدوره كان النادي، سفير لثقافة اهل المدينة، ومعبرا
عنهم - في الغالب- وعن اهل المنطقة عموما في
سلوكيات لاعبيه والمنتمين إليه بغض النظر عن موقع
الفرد داخل النادي، بساطتهم، حميميتهم، اجتماعيتهم
 لطافة أرواحهم، إنفتاحهم، ترابطهم وبعدهم التام عن
العنصرية.

وربما ليس من قبيل المصادفة، أن يكون النادي طوال
تاريخه، ومازال، يشتهر باللعب الجماعي وليس نادي
النجم الواحد، فالشراكة غالبة، داخل الملعب، وخارجه
كنت لاعبا، أو منتميا من خارج حدود الملعب، وليس
من قبيل الغرابة، أن القادم إليه من خارج المنطقة
يشعر سريعا بالإنسجام والتآلف والحميمية، والشواهد
عديدة.

في السنوات التي ابتعد فيها النادي، عن البطولات الكبرى
اصبح المنتمين له، يعيشون ما يشبه اسطورة "سيزيف"
حيث تكبر الآمال في بداية كل موسم، وتتدحرج صعودا
وسط مكابدات وعثرات، لتعاود تلك الصخرة "المنافسة
على البطولات"، في السقوط من بين ايديهم، ويعودون
لحسرتهم الدائمة في نهاية كل موسم

ثم يعاودون حمل تلك الصخرة، في بداية كل موسم
جديد، وكأنهم في تكرار لل "العود الابدي"، الذى يعبرون
به كل عام، وكأنه مسيرة جديدة لم يخوضوها من قبل

لهذا نعيشها، نحن المنتمين - رغم أن قوة الإنتماء تختلف
في الجيل الحالي، عن الأجيال السابقة- بكل ما لدينا من
حماس وانتماء، بغض النظر عن النتائج في نهاية كل عام.

08‏/05‏/2017

قراءة في مشهد اجتماعي

قراءة في مشهد اجتماعي

كتبت هذه القراءة من وحي مقطع فيديو مصور موجود في هذا الهاشتاق
#بذاءه_راكبة_كريم_ضد_سعودي والتعليقات المصاحبة له.

هذه الحادثة تمنحنا صورة واضحة عن اهم مشكلتين في العلاقة بين المرأة والرجل
 في ظل النظام الإجتماعي الأبوي السائد في مجتمعنا

وهما: أولا مشكلة عدم وجود لغة مشتركة بين المرأة والرجل في المجتمع - اللغة ليست مجرد
كلمات منطوقة- بسبب العزل الإجتماعي لكل طرف عن الآخر من ناحية وهو عزل على عدة
مستويات، اجتماعي، شعوري هذا العزل، جعل هناك صعوبة في فهم وتفهم تفكير ومنطلقات
كل طرف واسبابه ومبرراته لدى الطرف الآخر يضاف لذلك الخطاب الديني والثقافي السائد
 الذى جعل أي اتصال مباشر يغلب عليه التوجس، والتحفز وسوء الظن في حالات عديدة.
واذا اضفنا لذلك ما ينقل في وسائل التواصل من مشكلات اجتماعية، جعلت التحفز والتوتر
يرتفع بشكل كبير.

المشكلة الثانية هي بسبب كون المجتمع ابوي، تتعدد فيه مستويات السلطة، ويوجد الذكر فيه في
 مستوى أعلى من المرأة والطفل وغير السعودي، وهذا النظام الإجتماعي الأبوي يحدد شكل
العلاقة والسلطة بين كل مستوى وآخر، لذا حاليا عند بداية انفتاح المجتمع على اشكال جديدة من
الإتصال بين الجنسين، لأسباب اقتصادية، ثقافية، اجتماعية، نرى أن تفكير كل طرف غالبا يعكس
 من ناحية أو اخرى ايضا موقعه، داخل النظام الإجتماعي، فالرجل كونه في موقع اعلى اجتماعيا.

 فهو في اللاوعي مازال لا يتقبل أن توجد امرأة صاحبة سلطة،تفرض عليه امرا ما، أو تحاول
أن " تستفز ذكورته"  وردت فعله تكون لاواعيه غالبا، لأن تهديد موقعه الإجتماعي هو الدافع
الأساسي وإن لم يعي ذلك، فيما المرأة خاصة الأجيال الشابة، التي تحاول بقوة تغيير النظام
الإجتماعي السائد بقوة ليكون اكثر عدالة وتجد ذاتها فيه، نرى ردات فعلها في بعض المواقف
راديكالية، سواء بفعل سنوات العنف سواء الحقيقي أو الرمزي ضدها، أو بسبب الطبيعة المتمردة
لدى البعض وبسبب ما يقوم/بعض الذكور من فعل، لإبقاء النظام الأبوي دون تغيير.

فالرجل في المقطع، يمارس عمل سائق، وهذا يتطلب منه سلوك معين تجاه عملائه، لكنه في
عقله الباطن يرفض هذا السلوك الجديد، لأنه يرى هذه المهنة ومسماها غير لائق به اجتماعيا
 وبالتالي يريد من عملائه ألا يرونه إلا من خلال ما يرى هو ذاته من ناحية،  ومن خلال
موقعه كذكر في علاقته بالنساء " الحريم" من ناحية أخرى.

والنساء في المقطع ايضا، وبحكم كون المرأة في ذات النظام الإجتماعي السائد، في موقع اعلى
 من غير السعودي، ومهنة السائق في العادة هي لغير السعودي، فتقوم بردة فعلها بناء على
ما اعتادت ممارسته تجاه من هو اقل منها، حيث لم تقبل أي معارضة لما تريد من فعل

كذلك وبسبب التحفز الحالي لردود كل جنس تجاه الآخر وما يحدث في وسائل التواصل، جعلتها
ترى في فعله انه اعتداء تجاه حقوقها كإمرأة، وليست حادثة فردية منفصلة، وبالتالي اتت ردة
الفعل منها بمقدار ذلك التحفز اللاواعي الموجد لديها.


07‏/04‏/2017

الذكر في النظام الأبوي، والخوف من حقوق المرأة


الكاتب: عبدالخالق مرزوقي

يمكن فهم خوف واستنفار بعض الذكور من أي خطوة سياسية حقوقية 
تمنح - الأصل أن الحقوق تؤخذ ولا تمنح- المرأة في المجتمع والدولة بعض الحقوق الأساسية على تضاؤل تلك الحقوق الممنوحة فعلا، من خلال فهم النظام الأبوي وطريقة عمله في المجتمعات. 

والاتفاق الضمني غير المعلن على استمراره سابقا، والذى ما أن بدأت بوادر 
لبعض التغيير فيه، ورغم أنها مجرد بوادر ولم تصبح توجها للدولة بعد، إلا أنها اثارت الخوف والهلع لدى " الذكر السيد " من تحولها لتوجه عام. 

من المعروف أنه في النظام الأبوي، أن هناك تراتب، وتسود علاقة السيد " الأب السياسي أو الإجتماعي أو الديني"، 
ورجل الدين وشيخ القبيلة اباء بهذا المعنى، بالمَسُود أي من يليه في المرتبة وتتسلسل العلاقة، من الأعلى للأدنى، وتجعل من كل فرد خاضعا بشكل شبه كامل لمن يسبقه في المرتبة. 

ولأن الذكر الفرد في مجتمعنا "عاجز" عن المبادرة والفعل تجاه من يعلوه في هذا النظام الإجتماعي، فإنه اعتاد التنفيس عن عجزه، ومحاولة اقناع ذاته "بقدرته " 
وبأنه ايضا سيد، لتحقيق بعض التوازن النفسي الداخلي، عن طريق اخضاع وممارسه منطق السيد والمَسود، الذى يمارس عليه، بممارس ذات الأمر مع من يليه في مرتبة. 

وفي مجتمعنا من يلي الذكر في هذا النظام الاجتماعي، والمسموح له - السماح له 
ليس منة بل له اسبابه ومنها استمرار استقرار هذا النظام الإجتماعي السائد ومنع تمرد الذكر الفرد عليه، لأن لذلك محاذيره، وقد يتغير الأمر من السماح له لرفضه اذا استشف أن استمرار السماح قد يؤدي لعدم الإستقرار- بممارسة دور السيد 
المهيمن عليهما هما المرأة، المقيم.

ومن هنا فإن هذه العصبية والشعور بالإستفزاز الذى يظهر على العديد من الذكور 
هو محاولة لإستمرار هذا النظام الإجتماعي، كي لا يُسلب السلطة الوحيدة الممنوحة له بشكل مطلق، والتي يمارس من خلالها دور السيد المهيمن، وإن شئنا القول دور الفحل، والفحولة ليست ذات معنى جنسي فقط، بل لها معنى ثقافي اجتماعي ايضا.

والسياسي هنا يحاول قياس الأمور ويوازنها، بحيث تبقى العلاقة مستقرة داخل 
النظام الإجتماعي وقد يلجأ لمنح حقوق لطرف اذا كان في منحها استمرار للتوازنفهو يرى القضية من باب الإستقرار، والمصلحة العامة والأثر المترتب اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا. 

اما الذكر فهو هنا لا يرى القضية من باب الحقوق، واغلبها حقوق شرعية دينية 

 ايضا الواجب اقرارها، بل يراها من جهة انها تهديد شخصي للأمر الوحيد المسموح له أن يكون صاحب القرار فيه والهيمنة عليه، دون أن يتحمل تبعاتسياسية، دينية، واجتماعية. 

فهو لا يرى المرأة كإنسان، مساوي له، عوضا أن يرى لها حقوق، ولا يسمع 
الأصوات التي تطالبه برؤيتها كذلك، بل هو منصرف تماما لما يرى أنه تهديد شخصي مباشر لذاته المضطربة، ولمكانته داخل النظام السائد، من خلال حرمانه من الهامش الوحيد المسموح له بأن يمارس دور السيد القادر فيه. 

ومن اجل استمرار هذه السلطة على المرأة والهيمنة، نراه يستخدم كل الأسلحة 
السياسية والدينية والإجتماعية والإعلامية، فحينا يدعي أن تلك المطالبات تهديد لأمن الوطن، وحينا يعلن أنها خروج على تعاليم الدين، وفي احيان اخرى يعلن انها تهديد لاستقرار الأسرة والعلاقات بين افرادها. 

ولا انفي هنا أن هناك محاولات لإستغلال قضايا الحقوق، وخاصة حقوق المرأة من اجل الإبتزاز السياسي للدولة، وهذا بلاشك مرفوض تماما، ومن يطالب 
بالحقوق عليه أن لا يسمح لتلك المحاولات بتشويه قضيته العادلة، أو السماح لها بأن تسئ للبلد، وافضل طريقة لمنع محاولات الإبتزاز السياسي، هي انهاء هذه القضايا العالقة.


19‏/07‏/2016

تزوير الوعي والتاريخ - "من وحي خطبة الهندي الأحمر"




من وحي هذه المقالة :

" الهنود الحُمر: كيف يمكن أن نشتري أو نبيع السماء والمطر والهواء؟"


لفهد الحازمي والمنشورة في موقع ساقية
وخطبة لاحد زعماء الهنود الحمر التي احتوتها كتبت هذا التعليق :






تزوير الوعي والتاريخ



حين أقرأ العبارات - بحسب الترجمة ولم اطلع على الأصل - أرى بوضوح 

روحانية عالية وايمان عميق

لو ربطنا هذه الخطبة بعمليات تزوير الوعي وتزوير التاريخ عبر كتابة 
رواية واحدة هي رواية المنتصر، فإن مثل هذه الخطة تبين كم من الجنايات
 ارتكبت ومازالت ترتكب في حق البشرية

وسنقف أمام سؤال حقيقي هو :

من هو المتحضر ومن هو الهمجي ؟

لو كان التاريخ الذى كتبه المنتصر هو دليلنا لإجابة هذا السؤال، كما قدمه 
لنا هو عبر الأدب والسينما مثلا، لكانت اجابتنا بلاشك أن الهندي الأحمر 
هو الهمجي البربري، وهذا أمر مسلم به اليوم لدى الأغلب من البشر


وأن الرجل الأبيض، وكلمة الأبيض هنا تؤخذ كحقيقة وكثقافة، فهي كناية عن 
المستعمر المبشر بما يحمله من قيم يراها متفوقة أيا كان، والذى يقوم بإخضاع 
الآخر وثقافته وقيمه عبر محوها أولا ثم محاولة استنبات ثقافة وقيم جديدة تارة
أو إلباسها معنى التخلف تارة أخرى، ويملي عليه ثقافة جديدة ثقافته هو وقيمه هو.

وكي يمعن في تزوير الوعي يسبغ عليها مسميات سطحية لا يعي سطحيتها 
إلا من أمتلك الوعي الكافي للولوج إلى عمق المعاني والدلالات التي تغلف بها 
العبارات الخداعة كالقانون الدولي، القرارات الدولية، مجلس الأمن الدولي 
وشرعة حقوق الإنسان، السوق العالمية.

فيما تلك الجُمل هي تعبير عن أمر واحد، هي استمرار استعمار الشعوب والدول
بطريقة غير مباشرة، بعد أن تمت تصفية الإستعمار المباشر، بإستثناء استعمار
فلسطين

ألم يبشرنا الرجل الأبيض بالنظام العالمي الجديد في التسعينات، وأرفق به 
عبارات رنانة مثل نشر الديموقراطية والحرية والعدالة الإجتماعية وحقوق 
الإنسان - هذا لا يعني أبدا اننا لسنا بحاجة لها - لنكتشف أن خلف تلك الخطابات
 الرنانة يكمن أمرين فقط، أولهما حرية المستعمرين في استمرار السيطرة علينا.

وفي قتلنا اذا حاولنا الحصول على تلك الحقوق، إما القتل بواسطة عملائهم 
الداخليين وإذا استعصى ذلك فإنهم يقومون بالعمل بأنفسهم مباشرة، الأمر 
الثاني هو حريتهم هم في السيطرة على مواردنا الأوليه، وعلى أسواقنا.



21‏/05‏/2016

تونس ومصر : الثورة، الدولة ، الحركة الاسلامية



الكاتب: عبدالخالق مرزوقي

فيما اختلفت الثورة التونسية عن نظيراتها المصرية

اعتقد لفهم سبب اختلاف الثورة التونسية عن نظيراتها كالمصرية مثلا . وهنا سأحاول الحديث عن الإختلافات بين الثورتين . يجب عليه النظر لما هو ابعد من السياسة

في تونس من بدأ التحرك و " الفعل الثوري " هم الطبقات الفقيرة في المدن والبلدات الداخلية وبخلفية اجتماعية اقتصادية في المقام الاول . ثم تم رفع الشعار السياسي لاحقا مع استمرار تقدمها نحو العاصمة والمدن الكبرى

اي يصح اطلاق تسمية ثورة شعبية من بدايتها وهؤلاء البسطاء الذين ثاروا منذ البداية هم من حمى الثورة لاحقا باستمرارهم ككتلة اجتماعية ترفع مطالب سياسية محددة وتدافع عنها بقوة
ولم يتمكن فلول النظام السابق من اختراق هذه الكتلة .

في مصر ومنذ البدايات قبل سنوات مع حركة كفاية ثم 6 ابريل . اذا استثنينا اضرابات عمال المحلة لانه كان محدودا في المكان . كان الحراك في غالبه من شباب الطبقة الوسطى المتعلم . المثقف . المديني . المسيس . في القاهرة ولحد ما في الاسكندرية تحديدا وكانت شعاراته يغلب عليها البعد السياسي
و الهم الديموقراطي والحقوقي .

واذا استثنينا يومي 28 يناير " جمعة الغضب " ويوم 18 فبراير يوم تنحي الرئيس حسني مبارك فإن الطابع العام للفاعلين على الارض طيلة ايام الثورة من تنطبق عليهم الصفات التي ذكرت . مع توسع في المدن المشاركة وانضمام الاحزاب والقوى الاسلامية بقوتها الشعبية وهذا جانب مهم لم ينال حقه من التحليل كما ارى

ولو كانت القوى الثورية في مصر خاصة الاسلامية وعت لضرورة تجذير الثورة اجتماعيا في اغلب المدن وبين الطبقات المهمشة خاصة العمال والفلاحين وصغار الكسبة . واتخذت منهم سندا وظهيرا لمقاومة عودة النظام السابق . لما كانت قوى النظام السابق نجحت في تأليب جزء منهم على الإخوان

كذلك كون اغلب من قام بالحراك الثوري هم الكتلة الشبابية المدينية ، المسيسة ، المثقفة والتي تنتمى اساسا لتيارات سياسية وفكرية مختلفة في التوجهات . وعودة تلك الكتل لحركاتها الفكرية وقواها السياسية وعدم بقائها موحدة لحين انجاز الثورة بشكل كامل أو حتى انجاز تفاهمات استراتيجية بينها كقوى ثورة حول المستقبل . ساهم بشكل كبير في ضربها ببعضها حينا وفي استفراد الدولة العميقة بها كل على حده وضربها او على الاقل تحييدها لمرحلة لاحقة

العامل الثالث الذى اختلف ما بين الثورتين هو طريقة تفكير وسلوك وممارسة التيار الاسلامي في البلدين .

وهذا مرده في الأساس- كما ارى -لإختلاف مسيرة الحركة الاسلامية في البلدين ، وما فرض عليهما من قبل النظامين الحاكمين، وخاصة اكبر حركتين اسلاميتين في البلدين وهما حركة النهضة في تونس وحركة الإخوان المسلمين في مصر . وهذا مما يفسر جزء كبير من سلوكهما بعد الثورتين

حركة الإخوان في مصر عانت خلال غالب تاريخها من الملاحقات والاعتقالات والاضطهاد السياسي والأمني والعنف من قبل السلطة تجاهها . من بعد ثورة 1952. خاصة في العقود الأخيرة مما لم يتح للحركة المجال الطبيعي للنمو والتطور في بنيتها الهيكلية وفي رؤيتها الفكرية الناتجين من خلال الممارسة والمنافسة السياسية الطبيعية مع بقية الأحزاب وما ينتج عن ذلك من تطور وانفتاح في مجال الفكر السياسي والممارسة

والإلتقاء مع بقية القوى السياسية المختلفة على اهداف استراتيجية او حتى مصالح مشتركة . وهذا اثر خاصة أن من تولوا المسؤولية السياسية بعد الثورة هم من القيادات الموجودة اغلبها تحت طائل الملاحقة داخل مصر. وغياب التفاهمات الاستراتيجية حول اهداف وطنية عليا بين الإخوان وبقيه القوى السياسية في مصر

وهذا ادى بالحركات الإسلامية . الإخوان والسلفيين بعد الثورة للقيام بما قام به الرماة المسلمون في معركة احد ، حين اعتقدوا أن المعركة انتهت فنزلوا من اماكنهم للبحث عن الغنائم ، في مخالفة صريحة لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم .

اندفعت الحركات الاسلامية في مصر لجمع الغنائم السياسية بعد اسقاط الرئيس مباشرة ، وغفلوا أن النظام الذى بني من 1952 مازال قائما بكل هيكليته ما عدى الرأس . ليس هذا فقط بل غفلوا أن هذا النظام بني اساسا على اساس العداء للحركات الأسلامية . وظنوا أن تحييد الجيش عن العملية السياسية ممكن طالما ابقيت لقادته مصالحهم السياسية

وهذا اتيح نسبيا لحركة النهضة ﻷن جزءا من قياداتها الفكرية امضى عقودا خارج تونس ، بعيدا عن الملاحقة مما اتاح له النظر والقراءة الفكرية الهادئة في التجارب السياسية للحركات الإسلامية عموما ومتأملا وقارئا التجارب الديموقراطية الأوروبية عن قرب كفكر وكممارسات ديموقراطية .

وملتقيا ببقية تيارات المعارضة التونسية من يسارية وقومية وليبرالية عن قرب في اجواء الحرية الأوروبية ، لقاءات كافراد فيما بينهم وكأفكار مختلفة اتيح لها أن تقترب من بعضها وتتلاحق لتنتج على الأقل تفاهمات استراتيجية على مستوى الأهداف الوطنية . وهذا مثلا ما يجعل التفاهم بين حزب المؤتمر وحركة النهضة بعد الثورة وتولي المنصف المرزوقي رئاسة الدولة وحركة النهضة رئاسة الحكومة

للمؤسستين العسكريتين -اشدد على عبارة المؤسسة العسكرية وليس كلمة الجيش لأسباب سأذكرها لاحقا-تاريخين ودورين مختلفين تماما

في مصر المؤسسة العسكرية هي عصب الدولة ومرجعيتها وليس المؤسسات السياسية
منذ بدايات الدولة في مصر ، ولو تحدثنا منذ ثورة 1952 فإن المؤسسة العسكرية هي الحاكمة سياسيا ومع السنين بدأت تصبح هي المتحكمة اقتصاديا ايضا . ووجود واجهات سياسية ببذل رسمية لا ينفي ذلك . كان الدور يبرز في الواجهة حينا ويتوارى في احيان اخرى

وحين اذكر عبارة " المؤسسة العسكرية " فأنا اعني بالتحديد : الجيش كمؤسسة ، قيادات الجيش في الخدمة كأفراد ، القيادات السابقة للجيش التي تحولت للعمل في الدولة بعد تقاعدها كوزراء او محافظين او مدراء عامين لمصالح تابعة للدولة ، مؤسسة الرئاسة ورجالاتها. ولكل منهم ملعبه ودوره ومصالحة

هذه هي الطبقة التي حكمت مصر في العمق وهي التي انشأت الدولة العميقة من 1952 إلى 2005 تقريبا .

بعد 2005 بدأ دخول رجال الاعمال الكبار عبر جمال مبارك والحزب الوطني خاصة بعد مرض وضعف الرئيس مبارك والتمهيد لحكم جمال - غير المنتمى للمؤسسة العسكرية - للتحكم في الدولة وتجيير مصالحها الإقتصادية لصالحهم. وكان هذا مصحوبا بإزدياد نسبي لنفوذهم السياسي في اجهزة الدولة . ولم يكن هذا مرحبا به ابدا من " المؤسسة العسكرية " . لكن وجود مبارك والإحترام الذى يحضى به بينهم حاول دون أي تحرك لمواجهة هذا الدخول والمنافسة لنفوذهم

إلى أن جاءت ثورة 25 يناير ، وكانت هي الفرصة السانحة للمؤسسة العسكرية للتخلص من هذا المنافس من جهة والتخلص من مؤسسة الرئاسة ورجالاتها من جهة اخرى والانفراد بالحكم السياسي والتحكم الإقتصادي من جهة اخرى . فقدمت نفسها كنصير للثورة كمرحلة أولى . ثم بعد التخلص من الرئاسة ورجال الاعمال

وحاولت التحكم بالسلطة وحدها ثم بالتفاهم مع الاخوان بنصائح امريكية بحكم كون الاخوان هم الاقوى على الارض. ثم لما رأروا الاخوان يريدون العمل باستقلالية عن المؤسسة العسكرية بدؤوا بالعمل على خطة لابعادهم ثم بقيه الثوار والانفراد وحدهم بدون حتى واجهة مدنية .

فيما في تونس كانت الوضع مختلفا تماما . الجيش صغير ، لا يعرف له تدخل في الحكم او المؤسسات المدنية ، الرئيس السابق بحكم خلفيته الأمنية كان يفضل وزارة الداخلية والمخابرات وطواقمها التي صنعها بيده ، لاتوجد مصالح اقتصادية للجيش او لقادته ليدافع عنها .

كل هذا ادى ليكون الجيش حياديا تماما ووطنيا بحق خلال الثورة وبعدها وتلك كل المسائل السياسية لاصحاب السياسة .
 نقطة اخيرة ومهمة وهي

أنه بعد سقوط بن علي تبين أن حزبه او تنظيمه السياسي كان هشا ليس على مستوى الفكر فقط بل على مستوى الفعالية على الارض ، وهذا احد اسباب عدم قدرة اتباع النظام على اعادة التماسك بقوة في الشارع وعلى عكس ذلك كان في الحالة المصرية

سأعود قليلا للوراء . حين استولى جمال عبدالناصر على الحكم وحده وإلغائه لكل تعددية احتاج لأدوات سياسية تكون واجهة لنظامه ، فأسس الاتحاد الإشتراكي والتنظيمات التابعة له . واحتل اعضاء هذا التنظيم الواجهة السياسية للحكم طوال عهد ناصر ثم السادات وعهد مبارك ايضا . وحين حل التنظيم ثم اسس الحزب الوطني كان اغلب اعضاء التنظيم هم انفسهم اعضاء الحزب الوطني .وكان هؤلاء هم واجهة النظام المدنية كطبقة سياسية طيلة العقود الماضية . فهم الوزراء ونوابهم ووكلاء الوزارات ، غالبية اعضاء البرلمان عن الحزب ، المدراء العامين لقطاعات الدولة الأمنية والإقتصادية والثقافية والإعلامية ، في القضاء ، وجزء منهم بقي ضمن كوادر الحزب . بل حتى بعض اعضاء الاحزاب التي اطلق عليها معارضة كانوا منهم .

هؤلاء جميعا شكلوا ما يطلق عليه "الدولة العميقة " . والتي بقيه تعمل بأغلب كوادرها داخل اجهزة الدولة وخططت وكانوا الأداه السياسية التي قامت بتنفيذ خطة الإنقلاب

وهذا من الأخطاء الفادحة التي ارتكبت بعد الثورة . حيث لم يجري تطهير لأجهزة الدولة من كوادر النظام السابق . والذى نادى به الكثير من المخلصين . لكن تردد الرئيس مرسي وعدم حزمه اضاع على الثورة الكثير

ليس تلك الكوادر وحدها هي التي ظلت تعمل ، فهناك ايضا الجهاز الأمني الضخم والخطير الذى نجح حبيب العادلي بالتحديد في تطويره وجعله فعالا جدا . وهو لا يشمل جهاز امن الدولة فقط او كوادر الداخلية سواء العلنيين او السريين . بل يضم ايضا عشرات الآلاف من البلطجية الذى كانوا يعملون بإمرة جهاز امن الدولة وقياداته

خاصة في فترات الانتخابات . وجزء منهم هم الذين قاموا بمعركة " الجمل " خلال الثورة ، واحداث بورسعيد بعدها خلال مباراة الاهلي والمصري . ثم عند السجن في بورسعيد بعد الحكم في احداث المباراة . وكانوا في اغلب المظاهرات جنبا بجنب مع رجال وضباط الداخلية في اغلب المظاهرات


ومن هنا نفهم اختلاف المسار الذى اتخذه كل بلد

07‏/07‏/2015

الإسكان : نحو مشروع دولة لا وزارة




عبدالخالق المرزوقي


كنت اتمنى لو كان هناك تفكير استراتيجي شامل، يجمع وزارة الإسكان
بالتجارة والصناعة والعمل والإقتصاد والتخطيط والتعليم العالي. والأمل
في مجلس الشؤون الإقتصادية والتنموية بقيادة ولي ولي العهد الأمير محمد
بن سلمان في طرح تلك الرؤية الشاملة التي نحتاجها لمستقبلنا، خاصة في
ظل نسبة النمو السكاني الهائلة لدينا، والضغط على الموارد والبنيه التحتية.
واعني بها اعادة النظر في طريقة طرح وتوزيع وبناء مشاريع الإسكان
الجديدة، وبدلا من انفراد وزارة الإسكان بالتخطيط لهذه المشاريع، والنظر
لها من زاوية واحدة هي توفير السكن لغير القادر عليه، اعتقد يجب البدأ
بصياغة استراتيجية تنموية شاملة، تكون جهود وزارة الإسكان جزءا رئيسيا
من تلك الإستراتيجية.

واتحدث هنا عن بناء مدن جديدة، على السواحل السعودية الممتدة على
آلاف الكيلومترات، تقوم كل وزارة فيها بما يخصها من جهود، تحت
اشراف مجلس الشؤون الإقتصادية والتنموية، وتخطيط وزارة الإقتصاد
والتخطيط ضمن خطط التنمية للمملكة العربية السعودية.

فنرى وزارة الإسكان توزع الأراضي فيها بالمجان على المواطنين، بعد
انجاز مشاريع البنيه التحتية، بدلا من بناء شقق سكنية في المدن الكبيرة
بالآلاف،ثم توزيعها على المواطنين بقروض،يستمرون بدفعها لعشرات السنين
ويتم بذلك ايضا الضغط على البنيه التحتية من كهرباء ومياه وطرق وصرف
صحي، وخدمات صحية وحكومية ووظائف خاصة في المدن الكبيرة، والتي

هي اساسا تتعرض لضغط كبير حاليا، قبل تنفيذ مشاريع وزارة الإسكان الجديدة
فيما يمكن استثمار تلك المبالغ في مشاريع بنية تحتية جديدة لمدن جديدة وعلى اسس
جديدة تتلافى الأخطاء السابقة بتكلفة اقل

لو جمعنا اجمالي التكاليف لتطوير البنيه التحتية لمشاريع الاسكان الحالية
وزيادة الانفاق على البنية التحتية للمدن القائمة، كي تستوعب الزيادة السكانية
مع تكلفة تمويل المساكن، مع بقاء حاجة ساكني تلك المشاريع لدخول المدن
لقضاء احتياجاتهم، أو مراجعة الإدارات الحكومية، مما يفاقم ازمات المدن
والتكدس داخلها.

وكذلك كون اغلب الوحدات السكنية التي تعتمدها الوزارة في المدن الكبيرة
هي شقق سكنية، وهو ما يعني أنه بعد جيل واحد، أي بعد 25 أو 30 عاما
سنكون أمام تكرار لذات المشكلة في السكن بشكل اكثر تعقيدا، حيث سيضاف
لطالبي السكن الجدد حينها، ابناء من حصلوا على تلك الشقق، لأنها لن
تستوعب الجيل الثاني من الأسرة، عكس ذلك لو كان ما يمنح لطالبي السكن
الآن اراضي يتم بناء مساكن مستقلة عليها، يمكن تجزئتها أو البناء الرأسي
عليها لاحقا لاستيعاب افراد اكثر.

ويكون دور وزارة التجارة والصناعة والمؤسسة العامة للموانئ انشاء موانئ
جديدة، صغيرة ومتوسطة الحجم في تلك المدن الجديدة، ومناطق صناعية
ومستودعات تخزين، وصناعات معدة للتصدير، ويتم ايضا توفير الأراضي
الصناعية في المدن الجديدة بالمجان لم يثبت جديته، بدلا من القيام الدائم
بتوسعه الموانيء الحالية، والضغط على المساحة العمرانية للمدن الموجودة
فيها الموانئ بأخذ مساحات منها، أو ردم اجزاء واسعة من البحر من اجل
توسعه الموانيء والخدمات الملحقة بها، كمستودعات التخزين، كما يحصل
في ميناء الملك عبدالعزيز في الدمام مثلا.

ولأن تلك المدن ستكون موجودة على السواحل، فإن دور وزارة التجارة
والصناعة والهيئة العامة للإستثمار، من ضمن استراتيجيتها للصناعة، تشجيع
قيام الصناعات الثقيلة والصناعات المعدة للتصدير فيها،نظرا لوجود الموانيء
مما يقلل تكلفة استيراد المواد الخام أو تصديرها على المنتج، وكذلك اجور
النقل والتخزين، وايضا تقليل الضغط على البنيه التحتية للطرق، وانشائها
وصيانتها حين تكون تلك الصناعات في المناطق الداخلية.

وتشجيع وزارة التعليم العالي، والمؤسسة العامة للتعليم التقني والفني، على بناء الجامعات
والكليات الجديدة بالتخصصات التي تحتاجها تلك المدن وصناعاتها

ولو نظرنا لأغلب المؤسسات التعليمية المهمة في العالم،سنجد انها تنشأ وتتواجد في المدن
الصغيرة والضواحي، فتوفر لمدرسيها وطلابها الأجواء الهادئة للدراسة والبحث العلمي
من ناحية، وتوفر لتلك المدن والبلدات الصغيرة موارد اقتصادية ووظائف نتيجة لتواجد
آلاف الطلاب فيها وتوفير احتياجاتهم. وكل ذلك سيصب في صالح توفير آلاف فرص العمل
 الجديدة، سواء المباشرة أو غير المباشرة، وايضا فتح الفرص لممارسة التجارة عبر انشاء
مؤسسات صغيرة وممارسة العمل الحر، وتقليل الهجرة للمدن الكبيرة.

وكذلك لا يخفى مقدار الوفر المالي الذى يمكن تحقيقه، خاصة مع انخفاض
الموارد الحالي الناتج عن انخفاض سعر النفط،بدلا من مقدار الإنفاق الحالي
الكبير على نقل الطاقة سواء الكهربائية منها أو المشتقات النفطية، والمياة
المحلاة من اماكن انتاجها على السواحل إلى المدن الداخلية حاليا مع الحاجة
لمزيد من خطوط النقل المستقبلية،وكذلك بناء المزيد من الطرق بين المناطق
والمطارات الداخلية.

22‏/05‏/2015

الدولة لدى السلفي السني والشيعي - المفهوم والبنيه





الدولة لدى السلفي السني والشيعي





محاولة لفهم الأسس التي شكلت النظرة للدولة والسلطة لدى السلفيتين السنية 
والشيعية

عبدالخالق

نشر في صحيفة التقرير

لا يمكن فهم العلاقة والنظرة التي تنظر بها السلفيات، والفرد الذي يأتي 
إلى الدولة كمفهوم، أو إلى الممارسة السياسية، من خلفية فكرية ثقافية 
صنعتها (حصرًا) 

الرؤية الدينية السلفية، سواء السنية أو الشيعية؛ دون العودة إلى 
الأسس الثقافية والاجتماعية وظروف البيئة السياسية التاريخية، التي 
شكلت بداية تبلور مفاهيم الدولة والسلطة لدى كل من السلفيتين، والعوامل
 النفسية التي غذت ذلك لاحقًا وما زالت.


ودون محاولة فهم تاريخ علاقة كل طرف بالدولة أو السلطة منذ نشأتها 
في الإسلام وانعكاس هذه العلاقة على الأفراد الذين يحصرون أنفسهم 
بذلك التاريخ، وأتحدث هنا تحديدًا عن السلفيتين السنية والشيعية لأهميتهما 
حاليًا ولحجم ما يُحدِثان من تأثير على الاجتماع والسياسة في واقعنا الحالي
هذه العلاقة يمكن أن نؤرخ لبدايتها لدى الطرفين، ولافتراقها في آن 
واحد، باجتماع السقيفة، أي منذ بداية الخلاف حول تفسير ما حدث فيها.

بمعنى أن بداية تبلور مفهوم الدولة والسلطة، والافتراق والخلاف لدى 
الطرفين يعود في جذوره الأولية إلى بداية واحدة. وهي بداية نشوء 
وتبلور السياسة إسلاميًا وفي تكونها كممارسة عامة، وإن كان التنظير 
لذلك جاء لاحقًا.

لذا؛ فإننا نتحدث عن قضية سياسية قبل أي شيء آخر، وتم إسباغ اللباس
الديني عليها لاحقًا لأسباب سياسية في المقام الأول؛ لإكساب الرؤية
والرواية والممارسة السياسية لكل طرف مشروعية دينية.

يمثل يوم السقيفة، وما تم فيها، النقطة المركزية التي يعود لها كل طرف
ليؤرخ منها بداية تشكيل نظرته ووعيه وروايته عن الدولة والحكم والسلطة
ولو حاولنا العودة لذلك اليوم وقراءة ما شكله لدى كل جماعة سنجد ما يلي:


أن ما يعتبره طرفٌ لحظة تأسيسية لتثبيت دعائم الدولة الإسلامية الوليدة
ويمنحها الشرعية الدينية والسياسية للاستمرار بعد عهد المؤسس -الرسول
صلى الله عليه وسلم- يعتبره الطرف الثاني لحظة الانقلاب على أسس
الإسلام ذاته، وعلى إرث الرسول والرسالة، وخروج غالبية شهودها ليس
على الشرعية فقط بل عن الدين ذاته، في القراءات الأكثر تطرفًا، وما زالت
السلفيتان لم تغادرا تلك الرؤية لليوم.


السلفية السنية



شكل ذلك اليوم لدى الطرف السني بشكل عام حسمًا لعدة أمور، منها: أن أمر
 الدولة والحكم لا يرتبط بشخص الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا بسلالته
 أو بنص ديني يحدد من له السلطة؛ بل هو أمر متروك للأمة، وبالتالي نزعت
 صفة (القداسة الدينية)، ابتداءً، عن السلطة، وعن كل من يتولى المنصب، مع 
كل ما يترتب على ذلك ويتفرع منه. ومما يتفرع عن ذلك، التأسيس في الفهم أن
 شرعية رأس الدولة أو الحاكم إذا كانت مكتسبة من الأمة التي اختارته؛ فإنه 
بالتالي من يمنح الشرعية هو أيضًا قادر على نزعها.


في الوقت الذي لم يصل فيه العالم لذلك، إلا بعد التنوير الأوروبي والثورة على
 الكنيسة والملوك في القرون المتأخرة. ومع الأسف، فإن الارتداد السياسي عن 
تلك المبادئ، والذي بدأ مع الدولة الأموية؛ منع استمرار تبلور تلك الممارسة 
عمليًا، وترسيخها في الثقافة السياسية والتي لو استمرت وتم البناء عليها، كانت
ستؤدي لتغيير تاريخ العالم السياسي برمته منذ ذلك الزمن.


وأثر حدوث الردة السياسية عن مبادئ الإسلام في الحكم، كالشورى والاختيار 
من الأمة مع تشكل الدولة الأموية، على الفقه السياسي لدى الجانب السني
وبرزت ممارسات جديدة غير تلك التي جاء بها الإسلام في الدين والسياسة.


أهم الممارسات التي بدأت مع الدولة الأموية وأثرت في كل تاريخ الإسلام 
لاحقًا، هي فرض السياسة لسطوتها على الدين، (الفقه) تحديدًا، أيضًا بداية 
تكَوُن مفهوم "رجل الدين" كذلك تحول السلطة الدينية من النص إلى رجل
الدين، وكان هذا بداية تحول الدين إلى مؤسسة. وكل واحدة من هذه المسائل 
الثلاث بحاجة لبحث مستقل وواسع لوحدها.


وحيث انقسم الفقه السياسي منذ ذلك اليوم إلى عدة مسارات، أحدها مسار رجال
 الدين القريبين من السلطة الذين نظروا للوضع القائم وحاولوا إيجاد تأصيل 
شرعي له؛ لإكساب الفعل السياسي شرعية دينية -فيما كان الإسلام قد جاء 
بعكس ذلك- سواء عبر النصوص مباشرة أو تأويلها، والتركيز على أحاديث 
التمسك بالجماعة والطاعة والتخويف من الفتنة، وإسباغ الهالة الدينية على 
رأس السلطة أي لوي عنق النصوص لتتوافق مع الممارسة. وليس العكس
أي الانطلاق من النص أولًا عبر وعيه، وفهم مقاصده، وعرض الممارسة
عليه لبيان شرعيتها. وشكل هذا جناية على نصوص الدين، وصرفًا لها
عن مقاصدها، وتشريع الاستبداد السياسي دينيًا.


المسار الثاني، رجال دين وفقهاء كانوا أكثر استقلالًا عن السلطة، محاولين
إيجاد تأصيل نظري للسياسة الشرعية -ليس تقديم نظرية سياسية- وتقديمها
كنوع من "النصيحة" المباشرة حينًا وغير المباشرة في أحيان أخرى للسلطة.


ونلحظ أن هؤلاء الفقهاء حين كان الحكام يستبدون بالحكم، كانوا
يتوجهون بنقدهم ومعارضتهم للحاكم كفرد، ولا يسعون لتقويض الدولة
ذاتها، أو الثورة عليها، وقد يعتزلون الحاكم وكل ما يأتي به، لكننا نراهم
عند الحاجة متطوعين في جيوشه.



واشترك أصحاب المسارين -بنسبية بينهما ولأسباب مختلفة- في عدة أمور
كخوف الفتنة -لمفهوم الفتنة دلالات مهمة في السياق الفقهي السني تختلف 
عنها في السياق الفقهي الشيعي مثلًا- والتأكيد على لزوم الجماعة، والتحذير
من الفرقة والتركيز على الضرورة الشرعية لوجود الحاكم لدرجة إيجاد 
مخارج فقهية لمن يستولي على الحكم بالقوة، في حال النزاع، وتفضيل ذلك 
على الفراغ، وكذلك وجود أحداث تاريخية كانت فيها الدولة في حالة 
ضعف شديد مكن أعداءها الداخليين كالثورات أو الخارجيين كالغزو
المغولي، من الاستيلاء على الدولة وارتكاب مذابح في حق المسلمين.

الفرق بين تناول الفريقين لهذه المسائل هو المنطلق؛ فالفريق الأول ركز 
عليها تركيزًا شديدًا من أجل مصلحة السلطة في المقام الأول وخدمة لها
فيما كان منطلق الفريق الآخر هو الحفاظ على جماعة المسلمين
أو ما تسمى بيضة الإسلام


وعلاقة رجل الدين هنا بالسياسة عمومًا مختلفة عنها في المذهب الشيعي
فبالنسبة للجانب السني، تولى كل من رجلي السياسة والدين موقعين
مختلفين، يقتربان حينًا كثيرًا من بعضهما ويفترقان في أحيان أخرى
خاصة بعد عهود الخلفاء الراشدين ولأن السلطة والمال بقيا لرجال
السلطة؛ بقي رجل الدين يمارس دوره كرجل دين فقط، وكانت علاقة
الفرد به هي علاقة لها بعد واحد غالبًا، وهو البعد الديني.


وبعض رجال الدين الذين حاولوا الدخول للعمل في السياسة، مارسوا
ذلك إما من أجل إصلاح السياسة وإما من أجل ترجيح اتجاه فكري
في فهم الدين على آخر وإما طمعًا في مكاسبها.


وفي كل الحالات، ولأن رأي أو فتوى رجل الدين في الجانب السني
لا تتخذ صفة الإلزام، ولعدم وجود السلطة السياسية في يده، في
المرتبة الثانية بعد الحاكم السياسي في التأثير على أمور الدولة؛ إذا لم
يكن تابعًا له غالبًا.


أين يجد السلفي السني دولته المنشودة؟


لدى الجانب السني، السلفي تحديدًا، الدولة المثالية تحققت في الماضي، وهي
في وجدانه دولة قوة وعزة وانتصارات وسطوة على الآخر، ويظل حلمه العودة 
لمثل تلك الدولة، في صورتها الناصعة خاصة حين يقارنها بالحاضر
والمتطرفون والمتشددون منهم نتيجة لضغط الواقع السيئ يتجهون بشكل 
لا واعٍ للعيش (ذهنيًا) في تلك الدولة الماضية، أو محاولة بعثها بالقوة
وهذا ما تحاول التنظيمات المتطرفة القيام به، وهناك جانب آخر يؤثر 
كثيرًا في نظرة السلفي التقليدي لتلك الدولة الماضية، وهو أن ما نقل 
له هو تاريخ الانتصارات ودولة القوة والعزة ولم ينقل له تاريخ الخلافات 
والمؤامرات والنكسات والهزائم، لذا تظل نسبة (المتخيل) لديه تفوق نسبة
الواقع تجاه ذلك التاريخ، لذا يمكن القول إن الجانب السني السلفي يعيش 
من أجل إعادة الماضي في المستقبل لتلك الدولة المتخيلة التي كانت.

الشخصيات لدى السلفي رغم بشريتها، ورغم أن الخطاب يقول بعدم عصمتها
 إلا أن التعامل معها يمنحها نوعًا من العصمة غير المعلنة واللاشعورية؛ بسبب 
قربها من صاحب الرسالة، ومصادر الوحي ومعايشتها له، وبالتالي هي الأقدر 
على فهمه. لذا؛ فإنه حين يقول مثلًا بالسكوت عما شجر بين الصحابة، هذا لأنه 
يعتقد بأن ما حدث بينهم قد حدث وانتهى في ذلك التاريخ، وليس له أثرعلينا 
كذلك ولأنه يخشى لا شعوريًا الانتقال من الحديث عن الخلافات السياسية بينهم
إلى التشكيك في تدينهم وهو ما لا يقبل الشك لديه، وهذا بسبب عدم فصله بين 
الخلاف السياسي والتدين لديهم.


السلفية الشيعية



في الجانب الآخر لدى الشيعة، تم تثبيت القول -لاحقًا، ولأسباب سياسية في المقام
 الأول- بالنص على وجود الأئمة على رأس الدولة، وعصمتهم؛ هذا لا يعني عدم 
شرعية رأس الدولة أو الحاكم فقط، بل عدم شرعية كل سلطة ودولة، وكل ما تقوم
 به من أعمال، منذ وفاة الرسول لليوم، إذا عرفنا أنه لم يحدث أن كان أحد الأئمة 
حاكمًا سياسيًا، ما عدا فترة حكم الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه.


وترتب على ذلك عدة أمور مهمة: أولها، عدم الاعتراف بشرعية دينية لأي دولة 
قائمة، منذ يوم (السقيفة). والأمر التالي، هو تسويغ وشرعنة (الثورة) على الدولة
 كلما كانت هناك بادرة أو فرصة سانحة لذلك. الأمر الثالث، هو إهمال الحديث 
عن الدولة القائمة فعليًا والتنظير لها لصالح الحديث عن الأئمة والإمامة
(المتخيلة) وترسخ عقيدة الانتظار لاحقًا.


خاصة أن الفرد في ذلك الزمان لم يكن بحاجة للتعامل مع الدولة في غالب أمور 
حياته اليومية. لذا؛ أصبح المتشيع يعيش بين دولة نظرية (متخيلة) -دولة
المهدي المنتظر- وفي ظل دولة أمر واقع في غير شرعية وفق المقياس 
المذهبي الشيعي للشرعية، وكلما كان وقع السلطة شديدًا عليه؛ كان يلجأ للدولة
المتخيلة، ويعيش ذهنيًا فيها، ويناشد المهدي كي يسرع بالظهور ليعيشها واقعًا.


وهذه ليست ممارسة تاريخية، بل موجودة لليوم؛ ومن قرأ المناقشات التي جرت
بين بعض أعضاء الفيس بوك المنتسبين للمذهب الشيعي في السعودية، قبل أسابيع
على خلفية تعليقات منسوبة للشيخ علي الكوراني حول أحداث اليمن، وربطها 
بقرب ظهور المهدي، وقرأ التعليقات المستبشرة والمناشدة للمهدي بسرعة الظهور
يدرك مقدار ترسخ ذلك الشعور تجاه الدولة -أي دولة- في اللاوعي الجمعي طالما 
أنها ليست دولة المهدي المنشودة.


وما زالت بعض الأدبيات الشيعية الدينية لليوم، وإن بمواربة، تطلق مسمى دولة
 الأمر الواقع على الدول التي يعيش فيها الشيعة ولا تحقق الرؤية الدينية الشرعية 
الشيعية للدولة ورأسها، وتتعامل معها على هذا الأساس.


لذا التعامل مع الدولة من الناحية الدينية وبحكم الاضطرار يتخذ شكلين: أحدهما
وهو المعلن، الاعتراف بوجودها -اعتراف بالوجود لا بالشرعية- ولأنها موجودة
وغالبًا قوية؛ كان لا بد من التعامل معها والانخراط فيها. ومن الجانب الآخر
هناك الدولة المتخيلة، دولة الإمام، التي تشد الإنسان بمثاليتها خاصة في العهود 
التي يزيد فيها القمع والظلم للجماعة، وكلما كانت تلوح بارقة ثورة لإمكانية تحقق
تلك الدولة على أرض الواقع؛ كان يتم الاصطدام بالدولة، وهكذا استمر الوضع 
لقرون لتترسخ روح السخط والمعارضة ومحاولات الثورة داخل وجدان الفرد 
المتشرب لأدبيات وفكر المذهب.

وهذا الموقف من الدولة والخروج المستمر عليها، سواء بشكل واضح كثورة 
أو كممارسة سياسية، ظهر حديثًا حتى أثناء وجود الأحزاب الدينية الشيعية في 
السلطة، بل حتى وهي تسيطر عليها؛ ومن يتابع سلوك حزب الله في لبنان 
وحزب الدعوة والمجلس الأعلى وجماعة الصدر في العراق يعلم هذا.

والملاحظ أنه في إيران هذا الوضع يختلف؛ لأن هناك ثقافة دولة عمرها
عشرات القرون، ولهذا؛ أحيا الخميني القول بولاية الفقيه كي يزاوج بين ثقافة 
الفارسي ووعيه بالدولة، وبين الذهنية الدينية الشيعية تجاه الدولة، ولإلباس 
رجل الدين جزءًا من قدسية وعصمة المهدي، حين أراد أن يحكم رجال الدين 
الدولة.


وكان عدم الاعتراف بالشرعية الدينية للدولة، ووجود الدولة في الطرف الخصم
يحتم البحث عن مؤسسة موازية، سلطة أخرى، يلوذ بها الفرد وتحقق له حاجاته
 وتحاول تحقيق مصلحته، ومصلحة الجماعة بحكم كونها مرجعية الجماعة 
المجمع منها على شرعيتها.

كان اللجوء إلى رجل الدين لتأدية وظيفة المرجعية السياسية مع دوره كمرجعية 
دينية. ولأن المال عصب أداء هذه الوظيفة؛ جاء (الخُمس) وفق الرأي الفقهي 
الشيعي. وأيضًا ساعد في ذلك امتلاك المرجع في المذهب الشيعي لإمكانية إلزام 
أتباعه بما يراه -دينيًا وسياسيًا- عن طريق (التكليف الشرعي). وحصرية الاتباع
 لآراء مرجع واحد مختار، وهذه الثلاثة أمور لا يمتلكها الفقيه السني، أعني 
الخمس وحصرية الاتباع والتكليف الشرعي، والتي جعلت دوره في حياة الفرد
 أقل من مثيله في الجانب الشيعي.



الدولة المتخيلة في الوجدان الديني الشيعي

لا توجد هناك دولة في التاريخ الماضي، وإن وجدت دويلات لكنها لم تحقق شيئًا 
مهمًا في وجدانه، لذا؛ فالدولة المثالية دولة الانتصارات والعزة لم تتحقق بعد
وهي موعود بها في المستقبل. فالتاريخ الماضي بالنسبة له، تاريخ مظالم ومجازر 
واضطهاد بحقه كفرد وجماعة -شعار حزب الله للعب على مشاعر أنصاره 
لمساندة بشار الأسد هو “زينب لن تُسبى مرتين”- لذا؛ يرى ذلك التاريخ بأنه 
مجموعة مظالم يجب ألا تعود، ويجب العمل على تغييره وكتابة تاريخ جديد
يتراوح ما بين الانتقام من ذلك التاريخ وبين منعه من العودة من الاستمرار.

ولذا لا يوجد فصل في التاريخ لدى المتدين الشيعي بين ماضٍ وحاضر ومستقبل

فما حدث في الماضي ما زال يحدث اليوم، “مؤامرة السقيفة” ما زالت تحدث كل
يوم. يزيد لم يمت، واليزيديون موجودون ويتصرفون بذات الطريقة (كل أرض 
كربلاء).

ولأن يزيد والأمويين موجودون، وما زالوا يمتلكون السلطة؛ فلا بد من مقاومتهم 
إما على شكل انتفاضة أو ثورة حين يكون الأمر متاحًا، أو مقاومة رمزية كما 
يحدث في عاشوراء (لإبقاء وهج الثورة مشتعلًا) لحين إمكان تحققها على أرض
 الواقع.


فالاحتفال بذكرى عاشوراء -كما أراه- ليس من أجل ذكرى الحسين رضي الله 

عنه التي حدثت في الماضي؛ بل من أجل المستقبل. من أجل إبقاء جذوة الثورة 
من من أتباع يزيد المتخيلين مشتعلة.


06‏/01‏/2015

في الإحتقان المذهبي والتسامح



عبدالخالق مرزوقي
نشر في صحيفة التقرير

أحببت أن أتمهل قليلًا في الحديث عما جرى من حادث إرهابي في الدالوة بالأحساء
رغبة في انتظار أن تهدأ النفوس وبحثًا عن أسباب ما حدث، وليس مجرد التعليق 
عليه أو استنكاره، فلا أجد أن هذه الجريمة تنفصل عما يجري في المنطقة وبدأت 
تصل تداعياته إلى الداخل بعد شهور من اقترابها من الحدود سواء الشمالية أو الجنوبية


نعلم جميعًا أن الاحتقان المذهبي يبلغ أوجه الآن ليس في السعودية فقط؛ بل في كل 

العالم الإسلامي، وهذا الاحتقان أسبابه سياسية في المقام الأول وليست دينية كما 
يحاول بعض الأطراف تصويره، سواء في الداخل أو الخارج. فالخلافات الدينية الموجودة بين الطرفين منذ قرون، ولم يستجد في الموضوع الديني ما يجعل هذه الخلافات تشتعل في هذه السنوات.

وهذا لا ينفي بأي حال من الأحوال وجود خطاب ديني تكفيري تحريضي متطرف 

ضد الآخر، ولا ينفي آثاره، وهو موجود لدى الطرفين بنسبية علينا الإقرار بها
 وأتحدث هنا على المستوى الإقليمي، وهو يعكس نفسه بقوة على المستوى المحلي 
ولا أعتقد أننا قادرون على عزل أنفسنا تمامًا عما يجري في محيطنا العربي 
والإسلامي كما يتصور بعضنا. ولمزيد من المصارحة تمامًا هنا، فالقضية تحتاج
 منا صراحة في الحديث وشفافية، وعلينا أن نسمي الأمور بأسمائها.

فلا يمكن منع غالبية السنة السعوديين أو في أي بلد عربي آخر من التعاطف مع 

السنة في سوريا والعراق وغيرها ضد ما يجري ضدهم أو مساندتهم، أكثر من 
التعاطف مع غيرهم من الأقليات أو الطوائف الأخرى. وكذلك لا يمكن منع الشيعة السعوديين أو غيرهم في البلدان الأخرى من التعاطف مع الشيعة في البحرين أ
و العراق مثلًا أو النصيريين في سوريا بصفتهم حلفاء.

سواء كانت المساندة علنية بالرأي أو بالصمت السلبي، واعتبار وكأن شيئًا لم 

يحدث هناك، وهو تعاطف ومساندة من الطرفين، جزء ضئيل منه إنساني والجزء

الأكبر منه بسبب الانتماء لنفس المذهب.

وهذا من الأمور المسكوت عنها، ومن القضايا التي لم يفتح النقاش فيها بجدية، أعني موقف كل طرف تجاه القضايا الإقليمية، رغم أن هذا التناقض بين الغالبية العظمى 

من أتباع المذهبين ظاهر تمامًا.

هل هذا عام لدى جميع أتباع المذهبين؟ بالطبع لا، وهو يظهر أكثر ما يظهر لدى من

 يقدم هويته المذهبية كجزء من انتمائه السياسي أو الفكري، بل ظهر أيضًا لدى بعض
 من يقدم نفسه كعلماني أو ليبرالي أو قريب من أفكار اليسار.

هل هذا مثالي وطبيعي؟ أيضًا الإجابة هي بلا. لكنه، مفهوم تمامًا وواقعي، بالنظر لمستوى الوعي والثقافة السائدة والخلفية التاريخية التي تشكل نظرة كل طرف للآخر وهيمنه النظرة الدينية المذهبية على الصراع السياسي الإقليمي. ولا أرى ذلك يمكن 

أن يكون مهددًا للوحدة الوطنية أو أن يشكل استفزازًا للطرف الآخر يصل لحد إثارة احتقان مذهبي كالموجود حاليا، إذا ظل ضمن حدود معينة.

لكن، الاحتقان والمشكلة المذهبية تفاقمت؛ لأن تعاطف كل طرف مع ما يراه من 

مظلوميه لمن يشترك معه في المذهب، ضاعفه أن المواقف لأتباع كل مذهب ذهبت
 لمدى أكبر، وهو تأييد ومساندة المنتمي للمذهب سواء كان مظلومًا أم ظالمًا، قتيلًا 
أم قاتلًا، والإنكار أو التجاهل في الحد الأدنى لمعاناة الطرف الآخر في القضية بناء على التصنيف المذهبي.

فالسنة عمومًا لا يرون معاناة الشيعة وبقية الأقليات في العراق قبل 2003، والشيعة لا يرون معاناة السنة بعد 2003. وكذلك في سوريا يحدث ذات الأمر، وهما أهم ساحتين تشكلان بؤرتين للاحتقان الموجود حاليًا.

هنا تحول الأمر من مجرد تعاطف إلى فعل لا أخلاقي ولا إنساني بتأييد إلحاق الأذى بالآخر، أو مجرد الصمت والتجاهل وكأن الإنسان لا يرى ما يحدث من دماء بريئة 

تسفك من الطرفين.

وهذا الاصطفاف الخارجي أصبح داخليًا أيضًا في القضايا السياسية الخارجية

 وتفاقم بسبب تورط رجال الدين في إلباس هذا الصراع لباسًا دينيًا مذهبيًا، فرأينا 
الفتاوى والتحريض من الطرفين، ومن مراجع دينية كنا نحسبها متعقلة، وأعتقد أن الجميع قرأ أو سمع تلك الفتاوى من رجال دين في الطرفين.

خاصة حين يتكرر على المسامع في خطب الجمعة الدعاء على الشيعة بمسمى “الروافض”، ونرى التحريض ضدهم في بعض القنوات ووسائل التواصل، ومن 

أسماء غالبًا معروفة وحتى التكفير أحيانًا. وكذلك، كلنا نشاهد القنوات المقابلة وهي 
تشتم الصحابة وأم المؤمنين وتكفر السنة وتنزع عنهم الإيمان تحت مسمى النواصب والدعوات في المناسبات الدينية للثأر من قتلة الحسين مع إلباس الخصم السياسي 
لباس قتلة الحسين.

وتحريًا للدقة، فإن ما يجري لا يمكن تحميله للمنتسبين للمذهبين عمومًا؛ بل يتحمله المسؤولون عن الخطاب الديني بالدرجة الأولى، وما يسمى بالنخب في الطرفين في

 طول العالم الإسلامي وعرضه، وعدم وجود قوانين رادعة.

فقبل الإرهاب في الدالوة، رأينا تحريضًا ضد الشيعة السعوديين لم يقف أمامه أحد بجدية. وفي المقابل رأينا أن هناك من يصف من يقتل من يحملون السلاح ضد الدولة في العوامية بالشهداء والمناضلين، ويصف قوات الأمن بمرتزقة آل سعود.

ووسائل التواصل مليئة لمن يبحث عن نماذج ولم نرَ إدانة علنية لمن يصفهم بذلك أو براءة علنية منهم أو من خطاب نمر النمر مثلًا؛ ونتيجة لهذا الاصطفاف، أصبح كل طرف يدافع عن متطرفيه في وجه الطرف الآخر.

ثم يأتي الجميع بعد الدالوة ليتحدث عن وجود الاحتقان وأسبابه، وضرورة تبني 

خطاب مختلف، يركز على الوحدة الوطنية، معتدل ومتسامح، كان هذا ضروريًا ومطلوبًا، والحدث كبير لاشك، لكن ستستمر هذه الدعوات أم ستنسى مع أول 
اختلاف حول قضية سياسية.

ولي وقفه مع هذه الدعوة للوحدة والتسامح، فلست ضدها أبدًا، وأحترم جزءًا كبيرًا 

من المنادين بها رغم أن بعضهم ينادي بالتسامح مع الآخر وهو في ذات الوقت يهاجم ويحرض ضد المختلفين معه فكريًا في ذات المذهب. خطاب دعوة التسامح يضمر 
من ناحية نوعًا من السلطة على الآخر، حتى وإن كان الداعون له لا يعنون ذلك 
أو لم يرد في أذهانهم.

ومن جهة أخرى، فإن هذا الخطاب يقف عند العموميات ولا يدخل إلى التفاصيل

ما هي القاعدة التي ننطلق منها؟ فالتسامح ليس مجرد دعوى تطلق؛ بل يسبقه تأسيس نظري فلسفي وديني وفكري وقانوني؛ لذا، قبل أن نصل للتسامح يجب غربلة الكثير
 من المفاهيم المقيمة حول الدين، وعقلنه التدين، وتأسيس نظري وعملي لحق 
الاختلاف والتعددية بكافة أشكالها الدينية والسياسية والاجتماعية؛ وإلا فسنكون كمن يحرث في البحر. وهذا يجب أن يسبق أولًا بالحرية التي تسمح بالتفكير في كل ذلك وممارسته.

وإلا سنكون أمام تصادم أهلي اجتماعي بين الحقوق والحريات، ونقع في قضايا أكبر كمثال صريح، الشيعة يطالبون بالمزيد من الحقوق والحرية في ممارسه شعائرهم وطقوسهم الدينية علنًا، كعاشوراء وبالطريقة التي يريدون.

ويعتبر أغلبهم أنها شعائر دينية، رغم أنها طقوس وليست شعائر. وفي الطرف الآخر

يتم اعتبار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيضًا شعيرة دينية، رغم أنه بالطريقة الرسمية المنفذة الآن ليس كذلك. فماذا سيحدث لو تم منح كل طرف الحق والحرية في القيام بما يعتبره شعيرة لديه، وبالطريقة التي يريدها هو؟

ماذا يقول لنا أصحاب شعار التسامح هنا؟ في الحقيقة هم لا يقولون شيئًا؛ لأنهم يقفون

عند مجرد الدعوة، ولا يبحثون عن ضرورة التأسيس الفكري والتبيئة الثقافية للعديد 

من المفاهيم التي يجب تحديدها وترسيخها، ثم البناء عليها لاحقًا لإقامة التسامح المفترض.

واستطرادًا لهذا الموضوع، الكثير يتحدث عن كتاب جون لوك "رسالة في التسامح" بكثير من التعظيم والتبجيل، من باب الاستشهاد بالتسامح في أوروبا، وهو كتاب مهم 

لا شك وأحدث تأثيرًا كبيرًا في زمنه وبعده.

رغم أن جون لوك ذاته استثنى الكاثوليك من دعوى التسامح؛ لأنهم كانوا يعتبرون في ذلك الزمن في إنجلترا يدينون بالولاء لسلطة أجنبية هي سلطة (البابا) -عملاء للخارج بمفهوم الحاضر- كذلك استثنى جون لوك الملحدين من دعوته للتسامح.

أوروبا التي تحارب فيها الكاثوليك والبروتستانت لم يصلوا للتعايش والتسامح 

إلا بتحقيق عدة أمور سبقت ذلك، أهمها تنحية الكنيسة عن المشاركة المباشرة حينًا والضمنية في أحيان أخرى في إدارة الدولة، أو الحكم باسمها.

أيضًا، التأسيس الفكري للدولة الحديثة وفكرة المواطنة والدستور وفصل السلطات

 وكذلك عملية الإصلاح الدينية التي نحت جانبًا الكثير من الخرافات والقوانين التي 
كانت تقدم بصفتها جزءًا من الدين. بمعنى أنه كانت هناك عملية تغيير كاملة شاملة 
لكل مناحي الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية والإقتصادية.

فهل تلقى عملية الدعوة للتسامح لدينا صدى حقيقيًا بدون ذلك كله، بمعنى أن أقبل 

كل ما لديك وتقبل كل ما لدي نظريًا وعمليًا، مع حرية الممارسة العلنية وفق ما يرى
 كل طرف. أجزم أن أتباع المذهبين لن يقبلوا بهذا كقاعدة للتسامح، على الأقل الآن ولسنوات قادمة، وكما ذكرت في البداية لابد من المصارحة، فمثلًا مسألة تكرار 
الحديث عن “النواصب” والمناداة المستمرة للثأر من قتلة الحسين والتجييش لذلك 
خاصة في المناسبات الدينية، واعتبار كل رأي مختلف مع الرواية الشيعية للدين
أو التاريخ الإسلامي أنه معاد لآل البيت، أو تكفير منكر الولاية والعصمة، هل 
تدخل ضمن الأمور التي على المنتمي للمذهب السني قبولها نظريًا، واعتبار أن 
تكفيره أو اعتباره معاديًا لآل البيت أو على الأقل نفي الإيمان عنه مسألة يسمح بها؟

مع العلم أن هذا الخطاب -وبمباركة المراجع- يقدم للشيعي الذى يعيش اليوم عن 

آخر يفترض وجوده اليوم، وليس عن عدو لآل البيت وجد في زمن ما. ورغم عدم
 وجود نواصب معروفين في عصرنا، ولا أعلم ممن سيؤخذ ثأر الحسين ممن 
يُجَيش للأخذ بثأره، في الاتجاه السني أيضًا هناك تكرار للحديث عن مسمى 
الروافض والإساءة للشيعة وتكفيرهم -أيضًا بمباركة رجال الدين- وإسقاط المسمى 
على كل الشيعة، سواء في خطب الجمعة أو في الكتب والمحاضرات الدينية.

ابن تيمية ذاته كان يفرق بين التشيع والرفض ولا يكفر الشيعة، فيما الخطاب الديني الحالي لا يفرق، بل يقدم لعامة الناس أن التشيع هو ذاته الرفض، ويدعو عليهم في 

كل خطبة جمعة. فهل على الشيعي أيضًا أن يقبل هذا تحت مسمى التسامح؟

كذلك، نحن لسنا أمام رؤيتين مختلفتين للدين والتاريخ والشخصيات والأحداث فقط

 بل رؤيتين متضادتين متصادمتين منذ يوم السقيفة لليوم، فمن يراهم طرف أفضل 
الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم هم في رؤية الطرف الآخر بين أن يكونوا 
مرتدين أو منافقين أو مغتصبين للسلطة!

ولا أغفل أنه أيضًا مع الدعوة للتسامح تتم إحالتنا لضرورة وجود قوانين لتجريم التحريض الطائفي، وهي مطلوبة ووجودها ضروري بلا شك، لكن هنا أيضًا 

أمامنا وقفة أخرى، فما هي المرجعية الفكرية والقانونية التي نعود لها في هذه 
القوانين؟ كيف لا نجد أنفسنا أمام قمع وتقييد لحرية الرأي والنقد باسم التحريض
 خاصة أن فلسفة إعداد القوانين تقوم على قاعدة التضييق لا قاعدة الحرية، خاصة 
أن الكثير ممن لا يروقهم النقد للمسائل الدينية أو الفكر الديني والممارسات المتعلقة
به أو النقد الثقافي والسياسي، سيدفعون باتجاه توسيع هذه القوانين كي تغلق أي 
نافذة حرية تفتح في هذا المجال.


http://altagreer.com/%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D9%84%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%B2%D9%88%D9%82%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B0%D9%8
7/

02‏/11‏/2014

الحسين الذى مازال يستشهد كل يوم




هذا الموضوع ليس للحديث عن اسشهاد الحسين رضي الله عنه كحدث
بل عن القضية التي خرج من اجلها الحسين , والتي اراها مغيبة على
المستوى العملي في مجال التعامل بيننا كبشر

وقائمة الذين ما زالوا يستشهدون كل يوم طويلة قبل الإمام الحسين

رضي الله عنه وبعده

الحسين رضي الله عنه خرج من اجل ترسيخ عدة امور اهمها
عدم السكوت والخضوع للظلم وتكريس الأمر الواقع , والنطق بالحق
مهما كانت النتيجة , وكذلك غاندي الذى مضى في مسيرته المقاومة

السلمية. والهدف في الحالتين واحد

الآن كلنا نحزن لإستشهاد الحسين , وكلن بطريقته لكن من منا يستلهم

المبادئ التي استشهد الحسين من اجلها اتحدث هنا بحثا عن واقع عملي
على الصعيد الشخصي أولا وقبل أي شئ آخر

من منا يرفض الظلم منه تجاه الآخرين ؟ وهؤلاء الآخرين قد يبدأون

من الإخوة والأبناء، من ينطق بالحق ولو كان في ذلك مضرة عليه،أو
حتى تفويت مصلحة له؟ هل ننصف الآخرين من انفسنا ؟
هل اغلبنا لديه استعداد للوقوف ليس في وجه حاكم ظالم
بل اقل من ذلك , في وجه مدير ظالم ؟
هل بيننا من يقدم الحق على السلامة ؟
جميعنا نشاهد مظالم من افراد تجاه افراد سواء قريبين
أو لا نعرفهم , ونتصرف غالبا وكأن الأمر لا يعنينا

ألسنا جميعا , أو اغلبنا على الأقل نخذل كل من يستشهدون أو يعتقلون

من اجل قضايا انسانية عادلة منذ الإمام الحسين لليوم على الصعيد

العملي البسيط رغم أننا نتحدث عن انتصارنا لهم سواء كأشخاص

أو كقيم ومبادئ والسلام .

24‏/10‏/2014

عبد الخالق المرزوقي: السلفية.. بين التقويض وإعادة البناء


عبد الخالق المرزوقي:
نشر في صحيفة التقرير


قدم الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس رؤية قبل سنوات كان مضمونها أن 

المستقبل للدين العاقل. ورغم اختلاف سياق هذا المقال عما تحدث عنه هابرماس
إلا أن هناك تقاطعا لهذا المقال مع تلك الرؤية مع اختلاف نسبي في المضمونين.


وأعتقد أن السلفيين قبل غيرهم من المفترض أن يعنيهم الحديث والنقد الموضوعي 

وبيان الخطايا والأخطاء التي أوقع السلفيون السلفيةَ فيها. وإن وجود نقد من جهة 

وهجوم من جهة أخرى بناء على خصومة فكرية مع السلفية لا ينبغي أن يعمي 
عن الحاجة للمراجعة والنقد الداخلي. ومطلوب منا جميعا اليوم حين نتحدث 
عما أصبحت عليه السلفية تحري الموضوعية وممارسة النقد الصريح الشفاف 
فهما السبيلان الوحيدان لإخراج السلفية من مأزقها الواقعة فيه.

لكن، وكما هو واضح للجميع، فإن النقد للسلفية من داخلها ضعيف جدا وشبه 

نادر قد يكون بعضه بسبب خشية تصنيف، أو اعتقاد بأنّ هذا ليس زمن النقد 
فيما هي تتعرض للهجوم أو غيرها من الأسباب. في هذا المقال سأتحدث 
عما أعتقد أنه أكبر مشكلات السلفية في العصر الحالي. وهي كما أرى اكبر
 من أن تكون مشكلة بل أصبح مأزقا له جوانب كبرى أصبح المنهج السلفي 
أسيرا له ولتفرعاته

الجانب الأول هو في تعريفها لذاتها ولرموزها. فالسلفيون يطلقون على أنفسهم 

هذا المسمى كاتّباع للسلف الصالح من النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة 
والتابعين ويرسخونه، فيما هم أقرب نظريا وعمليا لمسمى أهل الحديث، وحتى
في هذه لديهم إشكالية كبيرة؛ فهم لو أردنا التسمية الدقيقة "حفاظ أحاديث"
وليسوا أهل حديث كما كان يُسمّى السابقون.

فعلى المستوى العملي السلفي التقليدي، يحفظ أحاديث النبي -صلى الله عليه 

وسلم بالدرجة الأولى ويحاول تطبيقها حرفيا دون فقهها ودون النظر لمقاصدها
بل إن الحديث يقدم أحيانا على القرآن الكريم.

ثم يطبق بانتقائية سنه الأئمة أحمد بن حنبل وابن تيمية وابن القيم من المتقدمين

 ومحمد بن عبد الوهاب من المتأخرين وعبد العزيز بن باز وابن عثيمين حديثًا
رحمهم الله جميعا. ويستبعد على المستوى العملي كثيرا مما لا يروقه من أقوال 
وأفعال الصحابة وآراء وفقه بقيه علماء المسلمين وإن لم يصرح بذلك نظريا.

أي هو يمارس الاتباع الحرفي للسنة أولا ثم للقرآن، دون إعمال كبير للعقل 

فيهما اجتهادا، حتى وفق المفهوم الديني للاجتهاد، ويلغي اختلاف الحال والبيئة 
والزمان والمكان، وهذا أهم أسباب الجمود الفكري الحالي للسلفية أمام مستجدات
الحياة العملية.

وجميعنا يعلم تمامًا موقف السلفية التقليدية أمام كل ما يستجد في العصر منذ 

بداية تأسيس السعودية لليوم، وجزء من هذا يعود تاريخيا لظروف نشأة تيار 
أهل الحديث أساسا والذي واجه في بداياته تيارات فكرية تقدم العقل على النص 
وبعضها بهوى وتطرف؛ فكان الرد بتقديم النص وإلغاء العقل. أي الرد على 
خطأ أو تطرف بخطأ أو تطرف آخر. وأستثني ابن تيمية هنا في مجالات 
عديدة من فكره.

الجزء الآخر من هذا الجمود يعود لنشأة فكر محمد بن عبد الوهاب رحمه الله

فالبيئة والأحداث التي رافقت مسيرة حركته وما تلاها تميزت بالصراعات 
الدينية والسياسية مع الانعزال الداخلي وشبه انقطاع عن التواصل الفكري 
الديني مع بقية مناطق العالم الإسلامي، واستمر هذا الانعزال الفكري الديني 
إلى عقود قريبة ومن المعروف أنه في بيئة الصراع السياسي والديني والتشدد 
الاجتماعي غالبا ما يؤثر هذا على الاتجاه الديني من ناحية انفتاح/ تشدد، وعلى
النظرة للآخر.

الجانب الثاني من مأزق السلفية الحالية هو غياب وقلة الفقهاء المجتهدين والفقه 

وإعمال الفكر في الحركة السلفية، وهذه أيضا إحدى المشكلات التي رافقت أهل 
الحديث من زمن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وهو الذى يصنفه بعض 
العلماء كمحدث وليس كفقيه، وهذا لا يقدح فيه بلا شك.

وهذه المشكلة تحولت لمأزق ازداد وضوحا في العقود الأخيرة، خاصة بعد 

الإمامين عبد العزيز بن باز وابن عثيمين رحمهما الله، هذا الغياب للفقه والفقهاء 
في العصر الحديث أدى لتصدر بعض المُحَدِثين والوعاظ للمشهد السلفي محليا 
وعربيا وتحقيقهم لجماهيرية كبيرة رغم قلة حصيلتهم المعرفية الفقهية والفكرية 
دينيا وسياسيا.

يضاف لذلك ضعف التأهيل الفقهي والفكري في الكليات الشرعية، مما ساهم 

في تكوين أجيال من الشباب السلفي القوي من الناحية العقدية والضعيف بل 
الهزيل من الناحية الفقهية والفكرية سواء في الفقه الديني أو في فقه الواقع 
بأقسامه السياسية والاجتماعية.

قلة الحصيلة المعرفية والفقهية وعدم القدرة على مخاطبة العقل بطريقة مقنعة 

له وتطوير الوعي، جعلت السلفي خاصة الداعية والواعظ يلجأ للخطاب 
العاطفي والبكائيات كي يكون مؤثرا.

وهذه وإن كان لها تأثير كبير في جذب الشباب والمجتمع للخطاب الديني في فترة

ما إلا أن سحرها قد بطل في السنوات الأخيرة مع ازدياد الوعي والثقافة ووسائل
التقنية من جهة، وعدم قدرة السلفية على تطوير فكرها وخطابها وأدواتها من جهة أخرى.

وهذا يظهر أكثر ما يظهر في دول الخليج، خاصة السعودية عكس الدول العربية 

خارج الخليج التي كسبت فيها السلفية أراضي جديدة لأسباب عديدة، منها أن 
الإنسان المتدين البسيط في تلك المجتمعات ما زال يتعرف على السلفية وخطابها 
العاطفي مع مصاحبة ذلك لسأمه من الخطابات القومية وغيرها من الخطابات 
المفلسة، وإن كان هذا المكسب والرصيد بدأ جزء منه يتبدد، خاصة في مصر 
نتيجة لمواقف بعض التيار السلفي المساندة للانقلاب.

الجانب الثالث من أزمة السلفية المعاصرة هي في كونها تحولت هي ورموزها 

التقليدية إلى أداة في يد الأنظمة الحاكمة، ضد المجتمعات لضبطها من ناحية
وضد خصوم تلك الأنظمة من التيارات الأخرى من ناحية ثانية؛ فأصبحت 
السلفية التقليدية في فقهها السياسي العملي تقدم الحاكم مقدسا معصوما لا يُسأل
عما يفعل.

وتقوم بتطويع الدين ونصوصه لخدمة عصمة الحاكم وتبرير أعماله وإلباسها 

لباس الدين، وإرهاب المجتمع بإنتاج نسخة من الدين تقف سدّا أمام حقوق 
وحرية المجتمع والشعوب سواء على المستوى الفردي أو على مستوى الحقوق
 من الحاكم.

وبالمقابل يقوم الحاكم بتسهيل سيطرة رجل الدين التقليدي على المجتمع، كنوع 

من تبادل المنافع، وهذا أدى لظاهرة خطيرة وهي أنه أصبح النفور من رجل 
الدين أو من يقدم نفسه كممثل للدين أو حارسا له يتحول لنفور من الدين ذاته، بل 
هناك من لم يعد يفرق بين رجل الدين وخطابه وسلوكه وبين أساس الدين ذاته 
ونصوصه وأصبح يتعامل معهم كشيء واحد وينسب للثاني كل سيئات الأول.

المفارقة أن رموز السلفية والمقدمين لديها كرموز كالأئمة احمد ابن حنبل 

وابن تيمية رحمهم الله اشتهروا وبرزوا بأنهم مناضلون -بلغة اليوم- ضد 
الحكام واستبدادهم. وهذا يقودنا اليوم للنظر إلى المسافة الواسعة التي 
أصبحت بين جزء من الخطاب النظري للسلفية المعاصرة، تجاه تمجيد أحمد
بن حنبل وابن تيمية ونضالهما والإشادة به وبصبرهما في الحق وشجاعتهما 
في قول كلمة الحق من جهة، وبين الممارسة العملية المعاكسة تماما لذلك 
الفعل، المعارضة له في الجزء النظري الآخر من خطابها الداعي للطاعة
شبه المطلقة للحاكم. فأصبحنا أمام حالة من الازدواجية النافرة لا أعلم كيف 
يستطيع حاملها الجمع بين هذين النقيضين .

ونأتي للجانب الرابع من أزمة السلفية، وهو أنها تعيش في يوتوبيا خيالية. السلفية 

خلقت هالة كبيرة من التقديس حول العصر الأول من الإسلام تحديدا فترة النبي 
-صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين. وصورت لمعتنقها أن ذلك العصر هو
 المثال الذى لا بد من العمل للعودة إليه، سواء على صعيد التدين الفردي أو العام 
وأي شيء أقل من ذلك هو تقصير وقدح في التدين.

ونعلم مقدار القصص التي تُساق عن من كان يختم القرآن في عدة ليالٍ، وعمن 

تتخضب لحيته بالدموع عن قراءة القرآن وعن مقدار التقوى لدى من عاش ذلك 
العصر، وهنا لست في مقام إثبات تلك القصص أو نفيها فليس هذا مجال حديثي
بل بيان تلك اليوتوبيا الذى يتم غرسها في ذهنية معتنق السلفية حول ضرورة 
العودة لتدين ذلك العصر وأمجاده وعزته وفتوحاته وعدله.

لذا نرى السلفي دائما مشغولا بضرورة إعادة إنتاج الماضي في المستقبل. وهذه 

استحالة، وكل ذلك يتم بأسلوب عاطفي لا يحمل وعيا بالماضي وظروفه 
ولا للمستقبل واشتراطاته.

وحين اصطدام الشباب بالواقع يبدأ الاتجاه لأحد مسارين؛ إما محاولة إجبار

المستقبل على العودة للماضي بالقوة، وهذا يأخذ في العادة أشكالا عنفية في 
التغيير وإما يأخذ مسار التشكيك في الماضي والبحث عن مستقبل مختلف.

إذن، هل من حلول إنقاذية؟

هو سؤال كبير ويتطلّب عملا جبارا وتجردا وفكرا واعيا وتقديم ضرورة دخول 

الفكر الديني السلفي إلى المستقبل بوعي ورؤية وأدوات وخطاب مختلف جذريا 
عما هو عليه الآن، وإلا سيظل يدور في حلقة من الأزمات التي يخلقها لنفسه 
وللمجتمع .

هناك عبارة شهيرة تتردد تقول: “لا يمكن حل مشكلة بنفس التفكير الذى 

أوجدها لذا كما أرى أنه باستمرار رموز السلفية التقليدية الحاليين من رجال 
دين أو دعاة أو وعاظ، سواء من كانوا "يحتلون" مناصب دينية رسمية 
أو لا -مع بعض الاستثناءات-، فإنه لا يمكن إخراج السلفية من مأزقها، بل 
استمرارهم في تصدرالمشهد يفاقم ذلك المأزق ويعمقه.

ولا حل إلا بوجود جيل جديد أكثر فقها وأكثر وعيا للواقع بجميع جوانبه وأكثر 

انفتاحا على الأفكار سواء كانت أفكارا دينية أم غير دينية، وليس لديه ذلك 
الانغلاق في تقبل كل جديد وغربلته والخروج منه برؤية تخدم الدين والدنيا 
والمستقبل معا.

قوة الفكرة السلفية تكمن في رؤيتها العقدية -كما أرى وأعتقد-، وهي الأساس 

الذي انطلقت منه، وباعتقادي لا توجد أطروحة في العقيدة توازي الأطروحة 
السلفية في القوة وفي احترام العقل والنص معا.

وهذا يسهل كثيرا عملية الإصلاح الديني والفكري في السلفية، فرسوخ الأساس 

وقوته يجعل الانطلاق أكثر ثقة وأسهل ولا يحتاج لجهد كبير فيما لو كان أساس 
الخلل في أصل العقيدة.

لكن هذا لا يعني أن تلك الأطروحة في العقيدة لم تدخل عليها أفكار وآراء جعلت 

كثيرا من أمور الشريعة والفقه التي يسعها الدين ورحمة الاختلاف داخلة من 
أمور العقيدة. ويتم التعامل معها من قبل السلفية التقليدية على أنها أمور عقدية 
تدخل في باب الإسلام أو الشرك والكفر، لذا علينا إرجاع تلك الأمور والآراء 
البشرية المختلف عليها إلى أصلها. ومن ذلك تضخيم عقيدة الولاء والبراء، وأن
يكون الأصل في التفريق بين ما هو داخل في العقيدة وبين غيرها هو كتاب الله 
وسنه النبي -صلى الله عليه وسلم- “الصحيحة، المتواترة، الموافقة لصريح 
القرآن”، وألا تقبل أحاديث الآحاد في العقيدة.

أما في الجانب الفقهي، فعلى السلفية الانفتاح والاجتهاد حتى في النصوص 

الشرعية المتعلقة بحياة الناس عبر إعادة قراءة لها، لا تخرج عن مضمون 
النص من جهة وتراعي الواقع من جهة أخرى، وتهتم بمقاصد الدين العامة
وكذلك عدم احتكار الرؤية والحق لها وحدها، وإعادة القراءة هذه لا يمكن أن
 تعبر السلفية الحالية للمستقبل دونها.

وهذا يتطلب أيضا إعادة النظر في طريقة التكوين العلمي النظري في الجامعات 

والكليات الشرعية، فلا يعقل ألا يكون طالب الكليات الشرعية اليوم غير ملمٍّ 
بالنظريات السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة في العالم، ولم يدرس 
المنطق والفلسفة والقانون دراسة إلمام وافٍ من باب المعرفة والتفاعل معها 
ودمجها بما يحصل عليه من معرفة دينية. وليس المرور عليها من باب التعرف
 على “الفرق الضالة والتيارات المنحرفة”.

كذلك يجب تحرير الدين عمومًا والسلفية خصوصًا من الأنظمة السياسية، وأن

 تحصل على استقلالها كمؤسسات دينية وكأفراد عن الدولة كمؤسسة، فهذا 
الارتباط قد أساء للدين ولها كثيرا وأضر بهما بشدة.

وهنا لا أدعو لفصل الدين عن المجال العام، كما يردد بعض من لا يفهمون 

الدين أو العلمانية أو المجتمعات على السواء، أو عن الدولة على النمط العلماني
 الغربي. بل لاستقلالية المؤسسة الدينية عن الدولة تنظيميا وماليا، وألا يكون 
للسياسي قرار عليها، وهذا ممكن لكنه بحاجة لاقتناع مشترك من الطرفين 
الدولة والمؤسسة الدينية.

وهناك موارد يمكن لها تأمين الاستقلال المادي بعيدا عن ميزانية الدولة والتحكم 

في المخصصات من قبل السياسي. ولضمان ألا تكون هناك أيضا هيمنة مقابلة 
من المؤسسة الدينية على الدولة، يجب توضيح دور ومجال وحدود كل منهما. 
هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن يكون هناك فصل بين الوظيفة أو الدور الديني 
لرجل الدين وبين دوره السياسي، هذه الاستقلالية ستفيد الدين والدولة والمجتمع
 معا.

وبمناسبة الحديث عن الاستقلالية تابعت بعض الحديث الذى يثار حاليا حول

الاكتتاب في أحد البنوك، بين من يحرم الاكتتاب ومن يجيزه. لا يعنيني من 
الأمر إلا مفارقة توضح حجم الإساءة للدين التي تجري تحت مسمى اللجان 
الشرعية في البنوك، فكيف يكون لرجل الدين غير متخصص أو مؤهل 
اقتصاديا أو في العلوم المالية مخصصات مالية من بنك تجاري أيا كان اسمه
وبمبالغ كبيرة، ثم يطلب منه أن يفتي بكون أعمال البنك ذاته شرعية من 
الناحية الدينية أم لا؟ أي استقلالية ستبقى له؟ وأي قانون يقبل تضارب 
المصالح في هذه الحالات؟

في الجانب السياسي للسلفية مشكلة كبيرة في قضية الحكم والدولة والعملية 

السياسية برمتها. فهي للآن ما زالت تعيش على وهم إعادة زمن الخلفاء 
الراشدين في الحكم أو مسمى الخلافة بشكلها ذلك. وهذا من ناحية الواقع 
مستحيل، لكنها لا تعيش الواقع بل مشدودة للمثال وتصر على أن يعيش 
أتباعها غير الواعين منفصلين عن الواقع واشتراطاته والعيش خارج الزمان
 والمكان ذهنيا.

ما أؤمن به أنّ الإسلام لم يأت بنظام سياسي أو اقتصادي أو طريقة في الحكم

وترك كل ذلك للناس في كل زمان ومكان أن يختاروا نظامهم وطريقة حكمهم. 
كل ما لدينا هو أسس وقواعد عامة من ضمنها الشورى لكن التفاصيل متروكة 
لنا تماما.

وهذا أحد مصادر قوة الإسلام، وما يجعله صالحا لكل زمان ومكان. لذا

لا مبرر من الناحية الدينية لهذا الموقف السلفي المبدئي من الديمقراطية 
وأدواتها، وكل منجزات العقل البشري في مجال الدولة والحكم ووسائله في
الدول الحديثة، وهو موقف ممانع يشبه موقفها من كل منتج حديث. ولو اتجهت
البلدان العربية للديمقراطية سنرى الواقع يجعلها ترضخ له وتستجيب على 
مضض.

فما الذى يمنع من موقف فكري استباقي يصالح بين السلفية والديمقراطية فكريّا 

من الناحية المبدئية، ثم يتم الحديث في تفاصيل الاختلاف لاحقا، وهذا يجب 
أن يشمل الكثير من الإنتاج الفكري الحضاري سواء كان من الغرب والشرق؟

هذا الموقف المتصالح مع المستقبل، وهو موقف فكري في النهاية وليس دينيا

 سيفتح الباب واسعا أمام الاجتهاد في ابتكار طريقة الحكم والنظام السياسي 
ومؤسساته المتوافقة مع أسس الدين وقواعده من جهة، ومع المنجزات الفكرية 
الإنسانية في إدارة المجتمعات ومؤسساتها .

__________________________________-
http://altagreer.com/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D9%84%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%B2%D9%88%D9%82%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%82%D9%88/