‏إظهار الرسائل ذات التسميات عرض كتب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عرض كتب. إظهار كافة الرسائل

14‏/11‏/2020

عرض كتاب: الجماعة واللاوعي

 

اسم الكتاب: الجماعة واللاوعي






المؤلف: ديديه أنزيو
المترجم: د. سعاد حرب
الناشر: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع 


    هو من اهم الكتب التي وضعت، حول الواقع النفسي للجماعات الإنسانية
    ويمكن اعتباره عملا أساسا في البحث في مادة التحليل النفسي الجماعي
    يركز المؤلف على مفهوم " الخيال الجماعي"، فللجماعة نفسيتها الخاصة
    المختلفة في ظل بعض الشروط، وفي بعض الأحيان، عن نفسية الأفراد 
    الذين يؤلفونها أو الذين يعارضونها، ومن اجل توضيح هذه النفسية، ينطلق 
    المؤلف من المماثلة بين الجماعة والحلم، فهي تقوده إلى وصف وتحديد 
    موقع العديد من السياقات الهوامية التي تشكل خلفية حياة الجماعات: 
    الهوام الجماعي، الجماعة – الفم، هوامات الكسر، الجماعة – الآلة
    المقاومة المفارقة المدمرة للذات، الإختلاجات الناتجة عن الصورة 
    الأبوية أو عن الأنا الأعلى.



    تعليق: يستمد الكتاب قوته من كون الدكتور (ديديه أنزيو)، متخصص في 
    هذا المجال واستمد مادة الكتاب، من دراسات ميدانية، مباشرة، على 
    الجماعات سواء جماعات مكونة بشكل مسبق، كجماعة إدارة احد المصانع 
    الصغيرة أو جماعات تم تكوينها، وتحفيزها، من بيئات تنظيمية وخلفيات 
    ثقافية مختلفة، لغرض الدراسة والبحث.



اقتباسات من الكتاب

- "الجماعة غلاف، يضبط الأفراد معا، ومن الممكن أن نجد، طالما هذا 
الغلاف غير متشكل، تراكما بشريا، وليس جماعة.
ما هي طبيعة هذا الغلاف؟ يشدد علماء الاجتماع الذين درسوا الجماعات 
والإداريون الذين ساسوها، والمؤسسون الذين خلقوها، يشددون على 
شبكة القوانين الضمنية والظاهرة، والعادات المتبعة، والطقوس والأفعال
والوقائع، والتي تمتلك قيمة مرجعية، وعلى تخصيص الأماكن داخل 
الجماعة، وعلى خصوصية اللغة المتبادلة بين الأعضاء، والمعروفة 
منهم فقط. 
"إن غلافا حياً.... هو غشاء ذو وجهين، يتجه الأول نحو الواقع الخارجي 
الجسماني والإجتماعي، لا سيما نحو جماعات أخرى متشابهة أو مختلفة 
أو متناقضة، فيما يخص نسق قواعدها، وبهذا الوجه تُشَيٌد الجماعة سداً 
حامياً ضد الخارج، يعمل، إذا امكن، كراشح للطاقات التي يجب استقبالها 
وللمعلومات التي يجب تلقيها، ويتجه الوجه الآخر نحو الواقع الداخلي 
لأعضاء الجماعة، .... وبوجهه الداخلي، يسمح الغلاف الجماعي بإنشاء 
حالة نفسية متعدية الفردية، والتي اقترح تسميتها ب "ذات الجماعة"
فللجماعة ذات خاصة، وهذه الذات خيالية، وتؤسس الواقع الخيالي 
للجماعات.


"بإمكان جماعة أن تجد غلافها النفسي في أنا مثالية مشتركة، وهذه 
 هي ظاهرة الوهم الجماعي."
"تأويل الصمت: يعبر الصمت الجماعي المستمر أو المتكرر، عادة 
عن قلق اضطهادي، أمام ظرف الجماعة التي تعاش كأم سيئة، يُحمَل 
التأويل عندئذ على وجود خوف غير معترف به في ذهن المشاركين
خوف من الكسر.



    تعليق: نلاحظ هذه الظاهرة، اعني ظاهرة الصمت، في العديد من اللقاءات

    الملتقيات، الإجتماعات، ورش العمل، بغض النظر عن نوعها، رسمية 

    غير رسمية، أو مكان انعقادها، وتشمل مروحة واسعة، من اللقاءات

    العائلية في مكان محدد، إلى الإجتماعات التي تعقد داخل منظمات الأعمال

    أو غيرها، حيث يكون فرد ما، يقود الجماعة، أو يديرها، مشكلا "صورة

    الأب"، فيما يبقى اعضاء الجماعة، غير مشاركين بفعالية، ما لم يتم حثهم

     وحتى في تلك الحال، وكلما قلت سلطة الفرد، فإن تلك المشاركات

     تبدو وكانها تستبطن حالة نفسية دفاعية.


"الجماعة هي المشاركة في التمثلات، وفي المشاعر والإرادات، وفي
 الجماعات كما عند الأفراد، على التمثلات، أي الإدراكات الحسية والأفكار
 أن تراقب المشاعر وأن تأمر الإرادات.

"يتم سلوك جماعة ما على مستويين، الأول هو المهمة المشتركة، والثاني
في مستوى الإنفعالات المشتركة، يكون المستوى الأول عقلياً وواعياً، إذ 
لكل إذ لكل جماعة مهمة تتلقاها سواء من التنظيم الذى ترتبط به
أو تنوطه هي بنفسها، فيما المستوى الثاني يتميز بغلبة السيرورات 
النفسية "الأولية"... يسميها (بيون Bion) "افتراضات القاعدة"، وهذه
الحالات الشعورية قديمة، ونجدها في شكلها الصافي في الذهان، ومنها: 
التبعية: تطلب الجماعة، عندما تعمل على هذا الإفتراض، من الزعيم
أن يحميها، ولا يمكن أن تدوم من غير أزمات، إلا إذا قبل القائد الدور 
والسلطات التي تعينها له الجماعة، وإذا قبل الواجبات التي تنتج عنهما. 

     تعليق: الزعيم هنا، يُقصَد بها من يقود أي جماعة اجتماعية، بغض النظر 
     عن نوعها سواء كنا نتحدث عن عائلة معينة، أو إدارة في منظمة، إلى 
      قيادة دولة كاملة، وعندما يعمل اعضاء تلك الجماعة بذهنية التبعية
      فإن اعضائها يضمرون ذهنية تُعَرِف عن ذاتها، بعدم الفعالية 
      والقصور، وغير قادرة على المبادرة، وهنا فخ، قد يقع فيه من 
      يقود الجماعة، بطريقة لا واعيه، حين يقبل، أن ينساق ضمنيا
      لتلك المخاوف، والتي تلقيها الجماعة عليه، وتكلفه بها، فيتحول اذا 
      كان الحديث عن إدارة في منظمة اعمال، أو جماعة خاصة، لها 
      تنظيمها الخاص، داخل المجتمع العام، مثلا كجمعية معدة لغرض ما
      أو كنقابة أو حزب، إلى لعب دور زعيم قبيلة بدائية تضم "اتباع"، امام
      زعماء قبائل اخرى، اكثر منه لعب لدور قيادة "اعضاء مسؤولين" في 
      جماعة ما.

"المعركة - الهرب : يشكل رفض افتراض التبعية، من قبل المرشد، خطرا 
على الجماعة، إذ تعتقد حينئذ أنها غير قادرة على البقاء على قيد الحياة، وفي 
مواجهة هذا الخطر، يجتمع المشتركون بوجه عام إما للصراع أو الهرب..
 ..لقد أرادت الجماعة أن تبرهن أنها غير قادرة على أن تدير شؤونها لوحدها" 


     تعليق: هنا عندما يرفض من يدير الجماعة، رغبتها في التبعية، ولا تجد 
     من تلقي عليه بمخاوفها، لتتخلص منها، ترتد داخليا، إلى ذاتها كجماعة
     وتتحول إما إلى الصراع، بين اعضائها، حول الأدوار والمسؤوليات 
     خاصة في اللقاءات تضم جميع أو غالب اعضائها، أو هربهم من تحمل 
     تلك الأدوار وفي الحالتين، يشكل ذلك نداءا خفيا، لمن يقودها، كي 
     يتخلى عن رفضه لتبعيتها وقصورها.


التزاوج: يؤدي موقف المعركة - الهرب، في بعض الأحيان إلى تكوين 
جماعات تحتية أو أزواج. 

    تعليق: يُقصَد بالجماعات التحتية أو الأزواج هنا، انقسام الجماعة الواحدة
    إلى جماعات ضمنية مختلفة، واصغر عددا، داخل الجماعة الأصلية
     وتحاول كل جماعة تحتية، أن تجد "أب" جديد، من بينها، بديلا عن قائد
 
     الجماعة الكبرى، كي تلقي عليه تبعيتها وهواماتها.



"الجماعة تهديد أولي للفرد، لقد قادتنا تجارب، إلى تحديد فكرة أن 
الجماعة هي تهديد أولي للفرد، والحال، لا يوجد الكائن الإنساني 
إلا إذ شعر بوحدته وحدة جسده ووحدة نفسيته"

"الجماعة فم، الهوامية الشفوية في الجماعة"



     تعليق: عبارة الجماعة فم، تشرحها عبارتي المؤلف في ذات الفقرة: 

     "الجماعة تغذينا"، و"الجماعة تأكلنا"، وتغذينا هنا تشمل كل انواع 

     التغذية، المخاوف، الخيالات، الهوامات، الأنا المشتركة، الرغبة في 

     التبعية، وكذلك فهي كجماعة تأكلنا كأفراد، تلغي ذواتنا، وتدمجها

     في "أناها" المتخيل المشترك، أو المتوهم .


    "أليس كل تكوين (Formation) هو تشويه (Deformation) بنموذج 
     مفروض من الخارج؟ أليس استلاباً للفرد؟ ... ألا يحاول هذا التكوين 
     قولبة نمط المرء، ونمط من العلاقات الإنسانية المحدد سلفاً؟ 

ما يجب أن نتعلمه من أحد ما – وهذا ما ينطوي عليه التكوين – لا نمتلكه
إلا بعد أن نكون قد استقلينا عنه، بعد أن نقتل رمزياً سطوة صورته، وفي 
نفس الوقت صورة سطوته"

   تعليق: هنا المعنى يدور حول أنه يجب أن نتوقف عن الحديث، بلسان 
   المعلم ولغته - أيا كان من نتعلم منه، ونوع المعرفة - أن تقتل ذات المعلم
   داخلنا، ونبدأ في التحدث بلساننا نحن، ولغتنا، بدون ذلك سنبقى متلقين 
    سلبيين، واقصى ما سنصل إليه، هو استمرار تدوير لغة المعلم وذاته. 


    "هناك صراع ضد الندرة – في الجماعات – إذ يخشى كل واحد، أن يكون 
    "فضله"، يجب أن يزيلها الآخرون، "فم لا نفع منه"، من هنا تصمت افواه 
     كثيرة، عند بداية الجماعة، لأنها تشعر أنها غير مفيدة، وأنها إذا تكلمت 
     فسيلفت ذلك انتباه المنافسين " المبيدين" نحوها" 

"يعمل، إنتاج الوهم في الجماعات، بواسطة سيرورة اخراج مماثلة أيضا
 لتلك التي تعمل في الحلم،...فالحلم شأنه شأن العارض، هو تكوين لتسوية
 بيت الرغبات اللاواعية وأولويات الدفاع، التي تكون لا واعية بشكل عام" 
- "في كل لقاء بين اثنين أو عدة كائنات، إما تنطوي الذات الإنسانية على 
نفسها لحماية هويتها المهددة، وهواماتها الشخصية اللاواعية، وإما تضع 
في الأمام احد هذه الهوامات لتجعل الآخر أو الآخرين، يدخلون في لعبتها" 
- "ما هو الهوام الفردي؟ انه سيناريو خيالي، يلعب بين عدة اشخاص
 وتكون الذات حاضرة، بوجه عام كمشاهدة وليس كفاعله" 



17‏/07‏/2020

كتاب: المقدس والعادي



الكتاب: المقدس والعادي







المؤلف: مارسيا إلياد
كتب الكتاب عام 1956
المترجم: د. عادل العوا
الناشر: صحارى للصحافة النشر-2000
عدد الصفحات: 152



       __________________________________________________
تعليق: كتب الدكتور عادل العوا مقدمة طويلة (21 صفحة)، ووضع لها عنوان: (نحو علم الأديان)، لتتحول إلى أشبه بكتاب تمهيدي مصغر عن علم الأديان عموما، وليس عن كتاب مارسيا إلياد فقط، وأعتقد أن القارئ غير المتعجل الذى يبحث عن اكبر قدر ممكن من الإلمام، بأفكار الكتاب، سيجد هذه المقدمة ممتازة وضرورية للفهم، رغم أنك ربما لا تتفق مع بعض ما ورد فيها بحكم خلفيتك الفكرية كقارئ عربي
          __________________________________________________


من مقدمة المترجم: 


التدين موقف أساسي من مواقف القيم الإنسانية التي لا مندوحة للثقافة من أن تستجلي عبره جانبا رئيسيا من جوانب وجود الإنسان، وتطوره خلال الحقب والعصور، وقد تطور اهتمام الناس بالدين من الإيمان الساذج إلى الإيمان الواعي، ثم البحث في ظاهرة التدين بحثا اعتقاديا بادئ ذي بدء، ثم تطور هذا البحث بتطور العلوم الإنسانية وتمايزها حتى ظهر في إطار هذه العلوم، علم الأديان أو تاريخ الأديان المقارن أو تاريخ الأديان.


يعرف (إ. رويستون بيك) تاريخ الأديان بقوله: "إنه دراسة علمية وموضوعية تتناول ديانات العالم الماضية والحاضرة، وهذه الدراسة تتوخى دراسة الأديان في ذاتها واكتشاف ما يقوم بينها من نقاط تشابه واختلاف، واستخلاص تشابه واختلاف واستخلاص مفهوم الدين بشكل عام، وعلى هذا فإن "علم الأديان" بحث وسط يقوم 
بين التاريخ من جهة وبين علم النفس وعلم الاجتماع من جهة أخرى. 



- في العصر الحديث رفض بعض الباحثين إفساح المجال للدين، واستعاض بعضهم عنه في الواقع بعبادة علمانية، (عبادة كائن أعلى، أو عبادة الشخصية السياسية) أو استعاضوا عن الدين بفلسفة اجتماعية سياسية أو عرقية صُعِدَت ورقي بها إلى رتبة عقيدة آمره قاهرة لا تُمس.


- وقد بات في حكم المقرر، أن الدين قد لازم نشأة الحضارة، وبدا على انه خصلة من الخصال التي تميز الفكر الإنساني، حتى أن من العسير على ما يبدو، أن نفترض وجود مجتمع غابر خلو من الدين، إلا إذا اعتبرناه متسما -وأعضاءه – بالبلاهة والعجز أما دراسة الدين فيمكن أن تنطلق من أحدى وجهي نظر، هما: وجهة النظر الاعتقادية ووجهة النظر العلمية، والتاريخية، يقول (فان درلو): "إن ما هو موضوع في نظر الدين نفسه يصبح هو المحمول في دراسة علم الأديان، فالله هو الذى يعمل في نظر الدين بالنسبة إلى الإنسان، أما العلم فإنه لا يعرف إلا عمل الإنسان بالنسبة إلى الله وأن العلم ليعجز عن الكلام على عمل الله.


- بحسب (ميسلن) تعريف الدين لا يمكن أن يكون إلا تعريفا تقريبيا، تعريفا لا يطابق موضوعه، لأن كلمة دين تشتمل على وقائع جد متباينة، وينجم عن إضمار أي ميتافيزيقيا في تعريف الدين تزييف كل بحث علمي في هذا المجال، لذا يجب الانطلاق من التجربة الإنسانية، تجربة الإنسان عن المقدس.


- يقول (هايدجر) كما نعجز عن معرفة حلم الحالم، إلا بالكلام الذى يعرب به عنه الحالم في حال يقظته، كذلك فإننا لا نعرف المقدس، إلا من خلال الإنسان الذى يعرب عنه وبديهي أن الإنسان إنما يعرب عن المقدس بمفاهيم وأساطير ورموز، لا يشعر بها "الإنسان الديني" إلا باعتبار إنها سبيل من سبل الكلام والتقريب والإشارة، تتفاوت مواءمتها لموضوعها، إنها ليست إلا كتابات إنسانية، تنقل واقعا يظل بذاته خفيا عن الإنسان إلى حد كبير أو صغير ولكن الإنسان يود برغم ذلك أن يربط به عمله، وعلى هذا يمكننا تعريف المقدس على انه علاقة. 


- وينجم عن ذلك أن من الواجب أن نميز في كل فعل ديني، مرحلتين: إدراك الإنسان للمقدس باعتبار المقدس واقعا موضوعيا ومتعاليا، من خلال تجربة عقلية وانفعالية شعرية أو رمزية، من جهة، ومن جهة أخرى تعبير الإنسان عن هذا الواقع إذ يجعله أمرا
محايثا للإنسان، ذلك أن هذا التعبير الذى يصوغه الإنسان في لغات شتى لا يقتصر على وصف المقدس، والمقدس موضوع خارجي عن الإنسان، بل يشهد في الوقت ذاته على علاقة قائمة بين الإنسان وبين شيء آخر، والإنسان يعني أن بامتلاكه الخاص لذلك الشيء يحور حياته ذاتها، وعلى هذا ندرك أن كل معرفة للمقدس هي تجربة تتناول قدرة اعلى من نظام الأشياء الطبيعي، وهذه القدرة تحول كل ما تتجلى فيه.


- لا نستطيع إدراك المقدس إلا حيثما نلقاه، في وجود الإنسان ذاته، إن في وسعنا أن نحدد تخومه بتحليلات من النمط اللغوي والتاريخي والاجتماعي، وإذ ذاك ندرس مختلف اللقاءات التي تمت خلال التاريخ بين الإنسان وبين المقدس، ولكن ما ندركه عندئذ وعبر الأجوبة التي اضطلع بها الإنسان، لتهدئة القلق في شرط وجوده، ولتخفيف مرارتها، إنما هو المقدس - المعاش – وهو مقدس امتلكه الإنسان في زمان معطى ومكان معين، والذى ينتج التعبير عنه، أكثر ما ينتج، عن الثقافة الأصلية للإنسان الديني. 

- كل حياة دينية هي بالدرجة الأولى عبارة عن تنظيم علاقات البشر بعضهم ببعض، كما هي تنظيم علاقاتهم جميعا بقوى عليا، قوى المقدس.


- اللاهوت مقال الإنسان عن الله، وموضوعه هو الوصول إلى ذات ديانة معينة، تعتبر ذاتها أنها وحدها الديانة الحقيقية الصحيحة، ولهذا فإن اللاهوت يطرح قواعد الاستدلال ويصف موضوع الإيمان، ويتصوره تصورا عقليا، ويسعى إلى تحديد أخلاق متسقة مع ما يعتبره الحقيقة، .... الدراسات اللاهوتية تجيب عن السؤال الآتي: ماذا ينبغي علينا أن نعتقد؟ ولم ينبغي علينا أن نؤمن؟ أما علم الأديان فإنه يعنى بكل ما آمن به البشر.

- لقد حاول كثيرون، وفي مقدمتهم الثلاثي المتنافر، (ماركس) (نيتشه) (فرويد) سلخ القداسة عن الوجود الإنساني، بإظهار آراءهم في نشأة الظاهرة الدينية، وإماطة اللثام عن ميرتها وتطورها ووظيفتها، ومن البديهي أن سيطرة الإنسان المتزايدة باطراد على قوى الكون، وترعرع العلوم الإنسانية في عصرنا، يدخلان تعديلا كبيرا على النظرة الحاضرة إلى الظاهرة الدينية، بيد أن المقدس مازال، برغم ذلك، ماثلا في الوجود الإنساني، ولئن جاز سلخ الصبغة الدينية في عصور الأزمات، فإن انسلاخها لا يبدو أنه حاسم ونهائي. 

- من شان أي مجتمع إنساني أن ينجب بحركيته ذاتها، مقدسا جديدا، يدعم أعماله ويبررها، تماما بقدر ما يمثل هذا المقدس عالم الإنسان ذاته.

- معرفة الدين ودراسته تتيحان للإنسان أن يفهم العالم والكون، ولكن دراسة الأديان وتاريخها تتيحان للفكر البشري أن يفهم الإنسان.


مقدمة المؤلف: 

كتب هذا الكتاب الصغير سنة 1956، وهذا الكتاب يستهدف بتأليفه سواد الجمهور باعتبار أنه مدخل عام لدراسة الحوادث الدينية دراسة فنومنولوجية وتاريخية، مثل كتابنا قد يثير بعض اللبس، ذلك أن محاولتنا تقديم سلوك الإنسان الديني بفهم وتعاطف وتقديم الإنسان في المجتمعات التقليدية والشرقية، أنها محاولة لا تخلوا من خطر، فقد يتعرض استعدادنا للانفتاح والترحيب إلى أن يُحكم عليه بأنه تعبير عن حنين خفي لوضع الإنسان التقليدي الغابر، وهذا امر بعيد عن المؤلف، إنما كان مقصدنا أن نساعد القارئ على ألا يدرك المعنى العميق لوجود ديني من النمط التقليدي وحسب، بل على أن نيسر له أيضا سبيل الاعتراف بهذا الوجود، من حيث انه قرار إنساني، وعلى أن يقدر جماله، يقدر نبله.



ثمة مسألة لم نعالجها إلا تلميحا، إلى أي مدى يمكن أن يصبح ال "عادي" هو ذاته "مقدساً"، إلى أي مدى يمكن أن يكون وجود، يعتبر وجودا زمنيا بصورة جذرية، يكون بدون (الله) وبدون (آلهة)، منطلق نمط جديد من أنماط "الدين"، ..... وبعبارة أخرى، إن زوال الديانات لا ينطوي البتة على زوال "التدين"


         ___________________________________________________
تعليق: ما يعنيه مارسيا إلياد بالمقدس هنا، وفي كل فقرات الكتاب، هو كل ما يضفي عليه الإنسان قداسه ما، أو معناها، بغض النظر عن كنهه، فالحديث لايتناول بالضرورة (الله) سبحانه، كما تعرفه الأديان السماوية، ولا ظاهرة التأليه بل ظاهرة التقديس، وبين الأمرين فرق كبير.
       ____________________________________________________


اقتباسات من الكتاب




عندما يتجلى المقدس:

- المقدس يتجلى دوما على انه واقع من نظام آخر، غير نظام الوقائع "الطبيعية"، وفي وسع الكلام أن يعبر بسذاجة عن الروعة، عن الجلالة، عن الفتنة السرية، بحدود مستمدة من المجال الطبيعي، أو من مجال الحياة الروحية العادية للإنسان، ولكن هذه المفردات المشبهة تنجم، بوجه الدقة، عن عجز الإنسان عن الإعراب عن المغاير إطلاقا: إن الكلام يضطر إلى استخدام حدود مستمدة من التجربة الطبيعية للإنسان، عندما يود الإيحاء بكل ما يتجاوز هذه التجربة بالذات.

- إنما يعرف الإنسان المقدس لأن المقدس يتجلى، يظهر ظهور شيء يغاير الشيء العادي مغايرة تامة.

- الحجر المقدس والشجرة المقدسة لا يعبدان على أنهما حجر وشجرة، بل إنهما موضع عبادة بوجه الدقة لأن القداسة تتجلى فيهما، لأنهما "يُظهران" شيئا لم يبق هو حجرا ولا شجرة، بل هو القداسة، هو المغاير إطلاقاً، القداسة إذ تظهر في شيء من الأشياء، يغدو شيئا مغايرا، لما كان عليه مع بقائه هو هو.

- إنسان المجتمعات الغابرة ينزع إلى أن يحيا اكثر ما يحيا في المقدس، يحيا على صلة حميمية مع الأشياء التي اضفى القداسة عليها.





المقدس والتاريخ: 


- من البديهي أن يتعذر نمو الرمزيات وعبادة (الأرض – الأم) وعبادة الخصب البشري والزراعي وتقديس المرأة... إلخ، ويكون من الممتنع تأليف منظومة دينية ذات دقائق غنية إلا باكتشاف الزراعة، وكذلك من الطبيعي أن مجتمع ما قبل الزراعة - مجتمع الصيادين – لم يكن في وسعه أن يشعر بتقديس (الأرض-الأم) على الطريقة ذاتها ولا بالشدة ذاتها، وإنما ينشأ اختلاف التجربة عن الاختلاف في الاقتصاد وفي الثقافة وفي التنظيم الاجتماعي وبكلمة واحدة في (التاريخ) 




التجانس المكاني وتجلي القداسة:



- يرى الإنسان الديني أن المكان غير متجانس، فهو يحتوي على انقطاعات، على كسور هناك أجزاء من المكان تختلف كيفيا عن سواها، يقول الرب إلى (موسى): "لا تقترب إلى ههنا، اخلع حذائك من رجليك لأن الموضع الذى أنت واقف عليه أرض مقدسة" (سفر الخروج، الإصحاح 5:3) هناك إذن مكان مقدس، ومن ثَم قوي، ذو دلالة، وهناك امكنه أخرى غير مقدسة ومن ثَم بدون بنيه ولا قوام، أي بكلمة واحدة أمكنة لا شكل لها،... لذا فإن الإنسان الديني قد جهد ليضع نفسه في "مركز العالم"، ولابد من تأسيس "العالم" من أجل الحياة فيه...، وإن اكتشاف نقطة ثابتة هي "المركز"، أو إضفاءها يعدل (خلق العالم).


- نورد مثلا يظهر بداهة عدم تجانس المكان عند الإنسان الديني، كنيسة من الكنائس في مدينة حديثة، فالإنسان المؤمن يرى أن هذه الكنيسة تشترك في مكان آخر هو الشارع الذى توجد فيه، ولكن الباب الذى يفتح على داخل الكنيسة يمثل انقطاعا في المكان، وتدل العتبة التي تفصل المكانين في الوقت ذاته على البون بين عالمين، العادي والديني، إن العتبة هي بآن واحد حد، جبهة تميز تعارض عالمَين، وهي المكان العجيب المفارق الذى يلتقي فيه هذان العالمان وحيث يمكن أن يلتقي يحدث الانتقال من العالم العادي إلى العالم المقدس.

______________________________________________________



تعليق: ربما كمسلمين لا نستشعر عمق هذا المعنى، في العبارات السابقة، كما يستشعره المسيحي المتدين، لأن التجربة الدينية المعاشه، تختلف في السياقين، لأن الدين تقريبا تمت تنحيته عن الحياة العامة هناك، وحصر في المدن داخل أماكن محددة لذا يستشعر المسيحي المتدين الفرق بين هذين العالمين، فيما في السياق الإسلامي يختلف الشعور لأن الدين مازال موجودا في المجال العام، وكذلك لأن التردد على المسجد 5 مرات يوميا لأجل الصلوات، يقلص الشعور بالفجوة بين العالمين، وربما الحالة النفسية، التي أصابت الأفراد المعتادين على الصلوات في المسجد يوميا، وفي كل الفروض، خلال مدة منع الصلاة في المساجد خلال جائحة كورونا، تقدم لنا لمحة عن ذلك الشعور، والحنين، عن تجربة الوجود في مكان (المسجد) يمثل في ذهنية الإنسان المتدين (عالم مغير) له قداسه اكثر من الأماكن العادية. 

______________________________________________________



الاضطلاع " بخلق العالم":



- .... الفارق الجذري الذى نلقاه بين السلوكين، السلوك التقليدي "المتدين"، والسلوك الحديث، بإزاء المسكن الإنساني، ومن النافل أن نسهب في الإلحاح على قيمة المسكن في المجتمعات الصناعية ووظيفته، .... ولقد ذكر أحد المهندسين المعماريين، أن البيت "آلة للسكن" إنه إذن آلة من جملة الآلات، التي لا تحصى، والتي تنتجها بالجملة المجتمعات الصناعية، ولابد للبيت المثالي في العالم الحديث من أن يكون أول ما يكون، وظائفياً أي أن يتيح للسكان أن يعملوا ويستريحوا، ومن الممكن إبدال آلة السكن على نحو مضطرد كما يبدل كما يبدل المرء دراجة أو براداً أو سيارة.


- النمط الثاني من نظرية تكون العالم، هو نمط أعقد، ... فالبيت شانه شان المدينة والحرم، يُقَدَس جزئيا أو كليا، بواسطة رمزية أو شعائرية متصلة بنظرية تكون العالم ولذا فإن الإقامة في مكان، أو بناء قرية بل مجرد بناء بيت، يمثل قرارا خطيرا، لأنه يطرح قضية وجود الإنسان ذاته، إن الأمر يتناول بوجه الإجمال أن يخلق الإنسان "عالمه" وأن يضطلع بمسؤولية الحفاظ عليه وتجديده، وأن المرء لا يبدل مسكنه بدون أسى، إذ ليس من اليسير عليه هجر عالمه، والمسكن ليس موضوعاً ليس آلة للسكن، بل إنه الكون الذى بناه الإنسان لنفسه، بتقليده "الآلهة" في خلقها النموذجي، تقليده تَكَوُن العالم، وكل بناء، كل افتتاح مسكن جديد، يعدل بنوع ما بدءا جديدا، يعدل حياة جديدة وكل بدء يكرر البدء الأولي، الذى ظهر فيه "الكون" للمرة الأولى، وأن الأعياد والأفراح التي تواكب سكنى منزل جديد، لا تزال تحتفظ حتى في المجتمعات الحديثة، التي سلخت عنها القداسة إلى حد كبير، تحتفظ بذكرى الاحتفالات الصاخبة التي كانت في الماضي.


- كل عالم هو من خلق آلهة، فهو إما أن تخلقه خلقا مباشرا، وإما أن يكون قد قُدِس على نحو غير مباشر، أي نُظِم "تنظيما كونياً"، من جراء تكرار البشر على نحو شعائري عمل (الخلق) الأنموذجي، بعبارة أخرى لا يستطيع الإنسان الديني إلا أن يحيا في عالم مقدس، وهذه الضرورة الدينية تعبر عن ظمأ ديني لا يُروى، والإنسان الديني ظمآن للوجود، وإن فزعه من (الاختلاط) الذى يحيط بعالمه المأهول، يقابل فزعه من العدم.




______________________________________________________

تعليق: "كل عالم هو من خلق آلهة"، الخلق هنا لا يُفهَم فقط بمعناه المباشر بطبيعة الحال بل أيضا يأتي بمعنى (منح المعنى) للعالم، وكذلك ( إيجاد الروابط والعلاقات بين الأشياء فيه)، أيضا تاتي بمعنى (ايجاد القوانين فيه)، ولا اتحدث عن القوانين الفيزيائية في الكون بالضرورة، بل ايضا ما (يضفي) عليه الذهن البشري صفة القانون الإلهي، وإن لم يكن كذلك. 
______________________________________________________



الزمان المقدس والأساطير:



- الزمان كالمكان ليس في نظر الإنسان الديني متجانسا ولا متصلا، فهناك فترات من (الزمان) المقدس، زمان الأعياد، وهناك من ناحية أخرى الزمان غير المقدس أو العادي الديمومة الزمنية العادية التي تجري فيها الأفعال الخالية من الدلالة الدينية، وبين هذين النوعين من الزمان يوجد بالطبع انقطاع، بيد أن بوسع الإنسان الديني "الانتقال" بدون خطر من الديمومة الزمنية العادية إلى الزمان المقدس.


- ثمة فارق أساسي بين صفتي الزمان المذكورتين، يلفت نظرنا بادئ ذي بدء: عن الزمان المقدس يقبل من حيث طبيعته ذاتها، القلب، أي أنه بالمعنى الصحيح (زمان أسطوري) أولي غدا حاضرا، فكل عيد ديني، كل زمان شعائري، يتألف من إعادة إنجاز حالي لحادث مقدس، كان قد حدث في ماض أسطوري (في البدء) وأن المشاركة الدينية في عيد من الأعياد تستلزم الخروج من الديمومة الزمنية "العادية"، بغية إعادة التكامل مع الزمان الأسطوري، الذى يتكرر إنجازه الحالي بالعيد ذاته، ..... يرفض أن يحيا فقط فيما يسمى بألفاظ حديثة باسم "الحاضر التاريخي"، فهو يجهد للحاق ب زمان مقدس يمكن تشبيهه من بعض أوجه الاعتبار بال "سرمديه".


- ربما كان من الأعسر أن نذكر بصورة دقيقة، وبكلمات معدودة، ما هو (الزمان) في نظر الإنسان اللا متدين في المجتمعات الحديثة.


- (العيد) ليس "احتفالا بذكرى" حادث أسطوري، وإذن ديني، بل العيد هو إعادة تحقيقه في الحاضر الحالي.


- الإنسان الديني بل اكثر الناس اتساما أنه "ابتدائي"، لا يرفض "التقدم"، من حيث المبدأ، إنه يقبله، ولكنه يقبله وهو يضفي عليه أصلا وبعدا إلهيين. 


- الحنين إلى "الأصول" هو إذن حنين ديني، فالإنسان يرغب في أن يجد من جديد حضور الآلهة حضورا ناشطان وهو يرغب كذلك في أن يحيا في (العالم) الغض النقي "القوي"، العالم مثلما خرج من بين يدي (الخالق).

______________________________________________________

تعليق: العيد هنا، يأتي بمعنى كل ما اعتادت المجتمعات المتدينة - بغض النظر إن كان الدين في هذه الحالة سماوي أو أرضي وضعه البشر، وينطبق هذا ايضا على ما هو ليس دينا في الحقيقة، ولا يسمى كذلك، بل ما هو في حكمه كبعض الفلسفات الشرقية مثل الكونفوشية - على منحه معنى ديني وعلى الإحتفاء به، عبر أداء الشعائر والطقوس المعطاه أو المبتكره، التي تجعل المتدين ذهنيا يربط ويوحد بين زمن الحدث الذى اطلق تلك الشعائر والطقوس، وبين يومه الحاضر.  
______________________________________________________





قداسة (الطبيعة) والدين الكوني:


- يرى الإنسان الديني أن (الطبيعة) ليست بوجه من الوجوه "طبيعية" حصرا، إنها دائما مثقلة بقيمة دينية، وهذا جلي ما دام الكون خلقا إلهيا، وليست قداسته مستمدة من الآلهة فحسب، بل إن الآلهة فعلت اكثر من ذلك: غنها أظهرت ضروب المقدس المختلفة في بنيه (العالم) وبنيه الظواهر الكونية ذاتها.


- إن مجرد تأمل قبة السماء يكفي لبدء تجربة دينية، إن الكون – وهو اثر إلهي انموذجي – "مبني" على نحو أن يحفز وجود (السماء) ذاتها الحس الديني بالتعالي الإلهي ويطلقه.



03‏/04‏/2020

رواية: عائد إلى حيفا



رواية: عائد إلى حيفا 

 لغسان كنفاني





عبدالخالق مرزوقي

رواية عميقة، نتذكرها كي لا ننسى

ورغم حجمها الصغير، لكنها تُقرَأ بتمهل، وبوقوف أمام كل جملة
فهي غنية ومركزة المضمون، ولها رسالة، ومكتوبة بحميمية اشتهر بها
غسان كنفاني، من العبارات المفاتيح للتعمق في اجواء الرواية 
ومضمونها:

التمهيد الذى يسبق عبارة: "هذه هي حيفا يا صفية!"

التمهيد الذى قام به الراوي، يجعلك حين تصل لهذه العبارة، ترى وجه 
الراوي كان كمن يقدم محبوبته بفخر لعائلته. 

عبارة: "انت لا ترينها، إنهم يرونها لك."

حيفا التي يعرفها الراوي، وجميع اراضي فلسطين ال 48، لم تعد مدينته
هو كفلسطيني، لم يعد الفلسطينيون يملكونها، كما غير الإحتلال الواقع
يريد ايضا تغيير الذاكرة، كي يتم نفي فلسطين التاريخية من الوجدان الفلسطيني والعربي واعادة تعريفها كمدينة اسرائيلية، لذا انتهى هذا
 المقطع في الرواية بعبارة: 
"ذلك جزء من الحرب"

وهذا ما حدث ويستمر في الحدوث تماما، لذا حربنا مع الإحتلال، لم تكن 
يوما حرب حدود، كما يحاول الإحتلال، ومن معه ويتحدثون بلغتنا، أن 
يزيفوا وعينا، هي حرب هوية، تخاض عبر مجالات عديدة، ومن تلك
المجالات الوعي والذاكرة. 


- عبارة: "كأنها تتصرف في بيتها! تتصرف وكأنه بيتها"
- وعبارة: "انظر من الذى يتحدث! إنها تقول (مثل أبيه)! و كأن
 لخلدون أبا غيرك."
البيت و خلدون هنا، قد يكونان بيتا وشخص ما، كما تسرد الرواية
وقد يكونان الوطن، الأرض، الذكريات المتروكة هناك لدى الجيل الأول
الجذور، بقية العائلات التي بقيت في الداخل. 

فالإحتلال لم يهدي منازل المغادرين والهاربين، للقادمين من اربع
جهات العالم فقط، مع المنازل يحاول منحهم وطن، الأرض، يؤسس
لهم ذكريات جديدة، وجذور في ارضنا نحن، في فلسطيننا نحن
نتعرض نحن العرب لعملية إستلاب كاملة لكل ما يتعلق بفلسطين. 

- العبارات التالية: 
"مريام: والآن دعنا ننتهي من كل شيء، أنا اعرف ابوه، واعرف ايضا
 انه ابننا ومع ذلك لندعه يقرر بنفسه، لندعه يختار، لقد اصبح شابا
 راشدا، وعلينا نحن الإثنين، أن نعترف بأنه هو وحده صاحب الحق
 في أن يختار...، أتوافق؟
- صفية: ذلك خيار عادل...وأنا واثقة أن خلدون سيختار...والدييه 
الحقيقيين، لا يمكن أن يتنكر لنداء الدم واللحم." 

احد حوارات الرواية، كتبه غسان، يتبين منه أنه كان يعرف تماما
العقلية الصهيونية، وكيف تعمل، وكلمات مريام تلخص تماما كيف
يتم تهويد الأرض، ثم الإستجابة "الخطابية" لعملية تفاوض اعلامية
حولها، ورد صفية ايضا يلخص لحد كبير سذاجة العرب، حينها، في 
التعامل مع فرض الإحتلال للأمر الواقع على الأرض، وكأنه عَرَض 
جانبي يمكن التخلص منه وتجاوزه بسهولة. 


حوار آخر، بين احد الفلسطينيين (عرب 48) الذين بقوا في حيفا
وبطل الرواية قد يكون يلخص وجهة نظر من بقوا في فلسطين 
التاريخية، وحافظوا على جزء من ذكرياتهم وجذورهم فيها:

"شعرت بفراغ مروع، حين نظرت إلى ذلك المستطيل، الذى خلفته 
على الحائط - يقصد صورة الشهيد، شقيق بطل الرواية - وقد بكت 
زوجتي، والبيت، طفلاي بذهول ادهشني، لقد ندمت لأني سمحت
 لك بإسترداد الصورة، في نهاية المطاف هذا الرجل لنا نحن، عشنا 
معه، وعاش معنا، وصار جزءا منا، وفي الليل قلت لزوجتي، أنه كان
 يتعين عليكم إن اردتم استرداده أن تستردوا البيت، ويافا، ونحن
 الصورة لا تحل مشكلتكم، ولكنها بالنسبة لنا جسركم إلينا 
وجسرنا إليكم." 

12‏/10‏/2019

عرض كتاب: المرجعية والمنهج



عرض كتاب: المرجعية والمنهج 
"دراسة نظرية تطبيقية"

IMG_٢٠١٧١١٢٧_١٧١٤٠٣_٨٩٣



المؤلف: الدكتور أحمد مرزاق
عرض: عبدالخالق مرزوقي


د. أحمد مرزاق، من مواليد مدينة وجدة المغربية عام 1974، حاصل على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث عام 2010، ويعمل معلما في التعليم الثانوي.


يثيركتابه (المرجعية والمنهج) أسئلة معرفية مهمة، حول المرجعية والمناهج، ومنها تصل الأسئلة لمدى اعمق، حول الهوية الثقافية، والتمايز الحضاري بين الأمم، ولا يدعي تقديم اجوبة كاملة بقدر ما يحاول فتح الطريق للوصول إلى الوعي بها، والبحث عنها.

فيقول في مقدمة الكتاب:


يتطلب الحديث عن المنهج فتح ملفات تطول تراثا بأكمله، تراثا يبدأ مما يسمى النهضة العربية إلى حدود الوقت الراهن، لكي نسأل ونلح في السؤال عن المناهج القارئة والمفككة للتراث والواقع، فنحن قد نكون دخلنا في طريق مسدود منذ اللحظة التي أقصي فيها سؤال المنهج وعلاقته، الوصل أو الفصل، بالمرجعية، إذ كان الأولى أن ننقب في مجموعة قضايا أولها وأهمها قضية المفهوم، وهي من اخطر القضايا واعوصها.

يذهب الباحث التونسي عمر الشارني إلى أن المصطلح "
يرتبط ارتباطا متينا بأرضه وموضعه الذى نشأ فيه -المقصود بالموضع هنا حقل معرفي معين -لا يغادره إلا وتعرض حتما للتشويه، وعلينا أن نعلم أن المفاهيم العلمية ضاربة في الخصوصية
غير قابلة لأن يتحول بعضها إلى بعض". مما يعني أن المصطلح متجذر في تشكيل حضاري له لغته المعجمية والحضارية.

لهذا استعارة المفاهيم من حقل معرفي إلى حقل آخر قد يحمل مخاطر ومزالق
أما نقلها من نظام معرفي، أو مجال حضاري معين، واستنباتها داخل نظام آخر 
مغايرلا يؤدي إلى النسف، بل إلى خلخلة وشل الحركة داخل المنظومة المستورِدة
 خصوصا إذا تم هذا الإستيراد في لحظة الوهن الحضاري.

وثاني هذه القضايا قضية تداخل الحقول المعرفية، فهذا التداخل يفرض على كل 
قارئ الإلمام بالسياسات المختلفة للعلوم ليلاحظ الوشائج والعلاقات التي تقيمها هذه 
العلوم فيما بينها.


وقد حاولت في هذا البحث أن أشير إلى العلاقات التي تربط الحقول المعرفية، الفلسفية والإنسانية، والطبيعية والأدبية فيما بينها، وهذه الإشارة دافعها الأساس هو الكلام الكثير الذى نسمعه، في مجال المعرفة العربية عامة، والدراسات الأدبية خاصة، عن 
الأستعارة الإستلهام، الإستيحاء، الإقتراض، النحت، التركيب، التكييف، التطبيق التوظيف. 

وغيرها من المصطلحات التي تخفف من عملية النقل من خزان المعرفة الغربية، ثم الحديث المتواصل عن الفصل بين الدين المسيحي واليهودي والمعرفة الفلسفية 
أو الأدبية.

هذا الدافع يلح على اعادة الإعتبار للسؤال والشك في كل شيء، ومن هذا المنطلق 
جاء البحث عبارة عن سؤال كبير هو: ما علاقة المنهج بالمرجعية؟ بكل مكوناتها: 
الدين، الأسطورة، العلم، الثقافة؟


ثم يقول في سؤال المنهج والمرجعية:

يخلص الباحث السعودي سعد البازعي، في دراسته التي قدمت إلى ندوة (إشكالية التحيز)، إلى نتيجة مفادها أن "القول بإمكانية فصل المنهج عن سياقه دون إحداث 
أيه تغييرات، أو بعد ادخال تعديلات طفيفة، هو نوع من الوهم الذى سرعان 
ما يتكشف تحت محك التحليل التاريخي للخلفية الثقافية الفلسفية التي تحملها تلك 
المناهج"

تأتي تلك النتيجة بعد إقراره أن الناقد العربي مخير بين أمرين: إما أن يعمل على 
تطبيق المنهج المستورد كما هو، والنتيجة هنا هي إساءة فهم المادة الأدبية
وإما يعمل على تغييره تغييرا جذريا، فيصبح أمام منهج جديد لا صلة له بالمنهج 
الأول.

وأظن أن القضية نفسها وما يتعلق بالإختيار الثاني خاصة، قد عالجها أبو القاسم 
حاج حمد، حينما تعرض المحاولات التي رامت تطعيم الماركسية بالنزعة الإنسانية يقول: "حين يتفاءل احمد حيدر بالنزعة الإنسانية، عليه أن يتذكر أن هذه النزعة الإنسانية هي نزعة خارجية (ذاتية)، وبالتالي فإن كل محاولات التجديد في الفكر الماركسي لا تعني سوى نهاية الماركسية نفسها".

لماذا نهاية الماركسية؟  "لأن تجريد الماركسية من الجبرية، ليتخذ الديالكتيك مكانُة بحرية في حياة الإنسان، منطلقا من الحوار بين الذات والموضوع، هو أمر غير ماركسي"، يعني هذا أنه حين يختار الباحث منهجا معينا، للتعامل مع حقل من 
حقول المعرفة الإنسانية، فهو ملزم بمجموعة من الثوابت والسمات التي تؤسس 
المنهج وتحدد خصوصيته بالمقارنة مع منهج آخر، وعليه فلا يمكن مثلا أن يكون الباحث بنيويا وتفكيكيا في الوقت نفسه.

هذا القول بالتلازم بين الخلفية الحضارية وبين المنهج، ليس جديدا في الثقافة العربية الإسلامية، ولا نشاطر البازعي رأيه في قوله إن الآراء في هذا التلازم (لا تكاد 
تتجاوز القناعة البداية)، لأننا نملك نماذج معينة حاولت التصدي لهذا الإشكال
والمساهمة بالفعل في اضاءته عبر مجموعة من مؤلفاتها، أولها شيخ الإسلام 
ابن تيمية، من خلال مصنفة (الرد على المنطقيين)، فهو يعتقد أن المدخل الفعال 
لإصلاح عقائد اهل عصره يتم عبر اصلاح طرق تفكيرهم، ولما كان المنطق 
الأرسطي هو "الأرغانون" أو القانون الناظم لذلك العقل، فقد كان لابد من التوجه
لدحض أسسه الفلسفية.

فيصبح بذلك منطق أرسطو منطقا للغة اليونانية، وليس لكل اللغات، لكن الثورة 
الفلسفية التي دعا لها -ابن تيمية – أهمِلت، كما أهمِلت قبلها ثورة الغزالي، الذى 
رأى ومن خلال نقده للفلسفة اليونانية، أن العقل الإنساني قادر على العلم الوضعي
وأنه يبقى جدليا في الإشكالات الماورائية، فهذا العمل الجبار الذى قام به لدحض 
الفلسفة كان أهم إسهام ايجابي له في تاريخ الفكر الإنساني.

والتأسيس للعقل العلمي أو للعلم الوضعي الذى قام به الغزالي ستظهر نتائجه في 
لحظتين مختلفتين: لحظة النهضة الأوروبية، ولحظة ابن خلدون، فهو ايضا وقف 
موقفا حازما من الفلسفات الحلولية الغنوصية، وكذلك من المنطق.

النموذج الثاني الذى يقف مستوعبا لخصوصية المعرفة، أو لإشكالية التحيز في 
الإبداع البشري، هو حازم القرطاجني، حيث يقول:
" فإن الحكيم أرسطوطاليس، وإن كان اعتنى بالشعر بحسب مذاهب اليونانية فيه
 ونبه على عظيم منفعته وتكلم في قوانين عنه، فإن اغراض اليونانية إنما كانت 
اغراضا محدودة في أوزان مخصوصة، ومدار جل اشعارهم على خرافات كانوا يضعونها/ يفرضون فيها وجود أشياء وصور لم تقع في الوجود، ويجعلون 
احاديثها أمثالا وأمثلة لما وقع في الوجود، وكانت لهم ايضا امثال في اشياء موجودة 
نحوا من امثال كليلة ودمنة، وكانت لهم طريقة ايضا، في اشعارهم، يذكرون فيها 
انتقال أمور الزمان وتصاريفه، فأما غير هذه الطرق فلم يكن لهم فيها كبير تصرف كتشبيه الأشياء بالأشياء، فإن شعر اليونانيين ليس فيه شيء منه، وإنما وقع في 
كلامهم التشبيه في الافعال لا في ذوات الأفعال"

المهم من كل هذا هو أن هناك محاولات كانت في جوابها على سؤال العلاقة بين المرجعية والمنهج مستوعبة للإشكال، وهذا يظهر جليا في مثال ابن تيمية، الذى 
يرى أنه لا يتم دحض المناهج - هنا المنطق – إلا عبر دحض أسسها الفلسفية
ومستوعبة ايضا لقيمة التمايز، ولو بشكل متفاوت بين مجالين حضاريين، وإلم 
تصدر عنه في كل انشطتها المعرفية كما رأينا مع الغزالي.

هذا التمايز وهذا الوعي سيلغى مع عميد الأدب العربي، وذلك لكي نُشعِر"الأوروبي"
بأننا نرى الأشياء كما يراها، ونقوم الأشياء كما يقومها، ونحكم على الأشياء كما 
يحكم عليها.

هل لأن المغلوب مولع بتقليد الغالب؟، أم لأن الذات التي كانت تستحضر ككيان 
مستقل في مواجهة الآخر لم تعد عذراء، بل مغتصبة بعدما أعيد ترتيب داخلها
بشكل يخدم الإتجاه النازع نحو توحيد العالم وتنميطه.

فنحن حسب طه حسين، لو اخذنا نتائج العقل الإسلامي كلها، فستعود وتؤول لتتطابق
مع "المركز" وهو "المرآه"، فكل شيء عند "الأنا" ينحل ليعود إلى الأصل اليوناني
أو الروماني أو التوراتي المسيحي، وهو عينه ما فعله الإستشراق، وإن كانت 
للإستشراق دوافعه.

فطه حسين وهو يستعين بالفرنسي بول فاليري، الذى شخص العقل الأوروبي 
فأرجعه إلى اليونان (فلسفة، أدب، فن)، وإلى الرومان (سياسة، فقه)، وإلى المسيحية (دعوة إلى الخير والإحسان)، نسي وهو في هذه الزحمة منهجة الديكارتي الذى كان 
قد تبناه ونسي القاعدة الأولى والأساسية بتعبيره لهذا المنهج وهي: "أن يتجرد الباحث 
من كل شيء كان يعلمه من قبل"، وطه حسين باعتباره (المرجع لنهضتنا العلمية في الدراسات الأدبية)، كما يزعم شوقي ضيف، كان أول من دشن الإشكالية المنهجية 
التي ستتعاظم مع مرور الزمن، اعني إخضاع الذات الثقافية بجوانبها المتعددة
لمعيار غربي، والنظر إليها بمنظور الآخر.

نعم، فطه حسين لم يهتم بالمعري، إلا لأن "الإفرنج قد عنوا بالرجل عناية تامة"  
والقول لطه حسين، وترجموا له، واكثروا من القول في نبوغه وفلسفته، ولا ينظر 
إليه إلا عبر منظار الآخر الذى هو ( المنهج التاريخي)

فالغرب صار "مركز" يحدد موضوع البحث، ثم المنهج وما يتصل به من مفاهيم واجراءات ومصطلحات، وبهذا يكون "الإنسان العربي الحديث والمعاصر قد فقد 
القدرة على تسمية الأشياء"

واشارة بسيطة وعابرة إلى المشاريع العربية، توضح أن السؤال حول المنهج 
والمرجعية دخل في عداد المسكوت عنه، أو (اللا مفكر فيه)، مما حدا ببعض 
المفكرين العرب إلى القول: "يكاد يذهب بنا القول إلى التأكيد، انه لم تعرف الثقافة العربية الحديثة، منهجا نقديا، اكتسب شرعيته المنهجية إلا وقد كان تأثر بصورة 
مباشرة أو غير مباشرة، بالموجهات والإجراءات التي اتصفت بها المركزية 
الغربية في حقل البحث الأدبي ونقده، بل في جل الحقول المعرفية".


وبعد أن يعرض المؤلف لآراءه، حول إستلهامات كل من حسن حنفي ومحمد برادة ومحمد مندور والجابري كأمثلة، يكتب:


وهل يكفي أن نقول إن معظم النقاد العرب الذين يعمدون إلى اختيار مناهجهم 
وأدواتهم التحليلية من مستودع المناهج الأجنبية، لم يتمثلوا هذه المناهج تمثلا نقديا
ولم يراعوا خصوصية المعطيات التي يدرسونها..ف (الإستلهام) و (التمثل)
و(الإستعانة)، و(الإستيحاء)، وغيرها، كلمات تعمل عمل السحر، لتبرر النقل السهل والعجز عن الأبداع.

بعد كل هذا التماهي في ثقافة (الآخر)، والتطابق معها، سواء على مستوى الرؤية 
أو المنهج، بل حتى في الموقف من الذات، لا نستغرب الآراء الطالعة علينا كل حين 
ومرة، بوعائية المنهج واجرائية المفهوم، بل حتى كونيته، فالبنيوية "ليست فلسفة
لكنها طريقة في الرؤية ومنهج في معاينة الوجود" (كمال ابوديب – جدلية الخفاء والتجلي).

وكأننا نحقق نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم.." 
هذا لا يعني أن الرسول يؤسس للجيتو، إنما المسألة لا تخرج عن التحرر من 
"إمبريالية المقولات"، ومن حالة السيولة التي كان يتعامل أو يدرك بها الفكر 
العربي الحضارة الغربية، فالذين يصرون على استيراد الميزان (الكليات 
أو المطلقات أو الغائيات)، يصرون في واقع الأمر على استيراد اختيارات 
الآخرين ورؤيتهم.


يقول في المرجعية بعد ذلك:
يثير الكلام حول المرجعية كثيرا من الأسئلة الشائكة، التي تحتاج لعقل جبار
ليتسنى له تجريد المرجعية الكامنة خلف كل الإبداعات الحضارية، أو تجريد 
(النموذج المعرفي) الكامن، على حد تعبير عبدالوهاب المسيري، والحفر يجب أن 
يأخذ بعين الإعتبار بدايات التشكل، فلا يمكن مثلا فهم النهضة الغربية، بمعزل عن التراث الإغريقي والروماني، فكل ما حدث أن إنسانيي النهضة "ازاحوا جانبا آباء الكنيسة وأرسطو ورجال اللاهوت في العصور الوسطى، واحلوا محلهم مجموعة 
من الكتابات التي حفظها لهم التاربخ عن الإغريق والرومان" 
(كرين برينتون- تشكيل العقل الحديث)


وعن مركزية التاريخ في تشكيل المرجعية:

المرجعية تتشكل داخل التاريخ، وهي اشبه ما تكون بكرة ثلج تحمل نواتها داخلها 
وتتدحرج من قمة الجبل، فتضاف إليها عبر مسيرتها عناصر تساهم من جهتها في إثرائها واغنائها، وتحاول هي – المرجعية أو النواه- من جهتها تذويب وهضم هذه العناصر.

وهنا مسألة مهمة تحتاج توضيح، فالقول أن المرجعية تشكيل تاريخي أمر نسبي 
يرتبط بالحضارات التي لم تعرف الرسالات السماوية، أو التي عرفتها لكن وقع 
التحريف فيها كاليهودية مثلا، فهذا الحكم لا ينطبق انطباقا تاما على الحضارة 
الإسلامية، لأن نواة مرجعيتها هو القرآن الكريم، الذى تكفل الله سبحانه بحفظه 
فهذا القرآن هو المهيمن، على كل الثقافات قديمها وحديثها، وعبره تتم مراجعة 
ابداعات كل البشرية، وقد قام فعلا القرآن بمراجعة وتقويم تراث الأنبياء الذى 
حرفه اتباعهم، هذا التوضيح ضروري، خصوصا في وقت صار فيه المتبني 
لبعض آليات القراءة الغربية بدعوى عالميتها، لا يميز بين النص التاريخي 
والنص القرآني.

والمثال الذى يمكن تقديمه هنا هو عنصر العلم، فرغم ما يقوله الغرب من أن 
"الفلسفة والعلم كما نعرفهما اختراعان يونانيان"، وأن "حضارة الغرب التي انبثقت
من مصادر يونانية، مبنية على تراث فلسفي وعلمي بدأ في ملطية Miletus منذ 
2500 عام"، فإن عبدالحميد يويو يقدم ورقة يطرح فيها سؤالا هو: "إلى أي حد
يمكن اعتبار اليونان مهد العلم ومسقط الروح العلمية في البحث والدراسة للعالم 
الخارجي الكون والمادة؟"

فمما لا شك فيه أن الغرب إلتقط هذا المفهوم من الحضارة الإسلامية، وجرده من 
حوافه ليدخله إلى نسقه حتى يتلائم وروحه التدميرية.

بناء على ما سبق نفهم بعض المحاولات التي تروم رصد إرهاصات مجموعة من 
الأفكار الحديثة داخل أثينا، كمفهوم العلمانية ومفهوم الصراع، أو كما يسميه 
المسيري بالإبادة، هذا المفهوم الذى كانت من بين اصوله مجموعة من الأساطير المؤسسة لنزعة الغلبة، والسيطرة كأسطورة (برومثيوس)، وبعض التأملات 
الفلسفية لكبار الفلاسفة كهرقليطس الذى يقول: "لقد كان هوميروس على خطأ 
حين قال: ليت الصراع يختفي بين الآلهة والناس! إذ أنه لم يدرك، انه كان يدعو 
بذلك لدمار العالم، فلو استجيب لدعائه هذا، لفنيت الأشياء جميعا".

ونفهم كذلك عودة بعض الفلاسفة، بل جل الفلاسفة الغربيين إلى "المركز" أثينا
حين محاولة تحطيم أو تفكيك بعض الثوابت، كثابت العقل (اللوغوس)، والمنطق والحضور مع دريدا، وتمجيد القوة والحياة عند نيتشه، لأن اليونانيين " لم يكونوا عقلانيين بل كانوا مشحونين بإرادة الحياة" ( رونالد سترومبرج)، وان نيتشه 
وذويه "جزء من هذا الكون، وهو اعمى والصراع فيه مستمر ودائم".

هذه الإستمرارية التي تحاول بعض الدراسات تفاديها بإسم (القطيعة المعرفية)
أو التركيز على لحظة معينة خصوصا القرون الثلاثة الأخيرة، هي القادرة على 
فك شفرات مجموعة من الأفكار.

فإذا سلمنا بأن الصراع بين الكنيسة وكل ما يدخل في نطاقها كالدين والفكر 
اللاهوتي والرموز، وبين الفكر" الحر" العلماني قد حسم لصالح الفكر العلماني
فلا يمكن فهم مجموعة من القضايا، واهمها هنا قضية (نهاية التاريخ) كمثال فقط
فنهاية التاريخ أو إشكالية (موت التاريخ)، هي إشكالية كامنة في الحضارة المادية 
الغربية كما يؤكد المسيري.


ثم يستمر د. احمد مرزاوق في الحديث حول مكونات المرجعية الغربية:


يرى مجموعة من الدارسين أن المرجعية التاريخية للفكر الفلسفي والديني الغربي 
هي نتاج ثلاث مكونات هي:
1- الفلسفة اليونانية
2 - لتراث الروماني
3-- المسيحية

وهذه المكونات التي يقدمها عرفان عبدالحميد لا تخرج عما قدمه الإستشراق 
أو المركز فالعقل الأوروبي كما شخصه بول فيري، الذى استعان به طه حسين 
في بحثه عن اصول (العقل) الإسلامي، يرد هذا العقل إلى عناصر ثلاثة، حضارة 
اليونان وما فيها من أدب وفلسفة وفن، وحضارة الرومان وما فيها من سياسة وفقه والمسيحية وما فيها من دعوة إلى الخير وحث على الإحسان.

ولكن هناك أصول اغفلها الغرب في تحقيبه للعقل الإنساني، وذلك عن قصد، وهنا 
لا نقصد الأصول البعيدة كمصر وبابل، ولكن الأصل الإسلامي من جهة، والتراث اليهودي من جهة أخرى، وإن كان الأصل الاول لم يستطع الغرب إستيعابه، وإنما (إلتقط)، وهي كلمة مقصودة، بعض مساهماته كالمنهج العلمي، وبعض مفاهيمه 
كمفهوم العمل، يبقى هناك مكون أو مصدر آخر يذكره الباحث المصري حسن 
حنفي وهو : البيئة الأوروبية نفسها، وهي تتضمن الديانات الوثنية التي عاشت فيها أوروبا قبل إنتشار المسيحية، والأساطير والأعراف وامزجة الشعوب وبيئتها 
الجغرافية، فديانات القبائل كما يؤكد حسن حنفي كانت أقرب إلى "أساطير الغزو والحرب، بعيدا عن المبدئ الأخلاقية"

والأمر المراد هنا هو حضور هذه الأساطير والديانات الشعبية في الوعي 
الأوروبي حتى بعد إنتشار المسيحية، فلقد تم تأسيس مجموعة من العلوم الإنسانية 
في القرن التاسع عشر، وقبل ذلك على أساطير معينة، وتم بناء المشروع الحداثي الغربي على أسطورة برومثيوس وفاوست، أما ازمجة الشعوب وبيئتها الجغرافية
فهي ضرورية ايضا لفهم مجموعة من الأفكار، إذ لا يمكن الفصل بين الفلسفة 
الألمانية والطبيعة الالمانية ومزاج الشعب الألماني: حب الطبيعة، النظام، الإحساس بالواجب العمل. كما لا يمكن الفصل بين الفكر الأنجلوساكسوني وطبيعة الشعب في الجزر البريطانية: الحس، التجربة، العادات والتقاليد كبديل عن القوانين.


ثم يتجه بالحديث إلى تناول ثوابت المرجعية الغربية الحديثة:

يقول عرفان عبدالحميد فتاح، إن أول ما يلاحظ على الفكر الغربي انه "فكر اقام 
بنيانه واسسه على قانون مطرد في تاريخه، لا خلف فيه، هو قانون الصراع بين 
الأقطاب المتضادة"، فعبر هذا القانون يغدو وجود قطب معين يقتضي نفي مقابله
نفي إلغاء، فإما الإنسان وإما الله، وإما الطبيعة وإما الإنسان، في الأول يحل الله في الإنسان أو يصل الإنسان إلى الله فينفيه، فيتمركز العالم حوله، حول الذات 
الديكارتيه العارفة، أو الذات البرومثيوسية المنتصرة، فيعلن الإنسان أنه "سيد الكون ومركزه وانه موضع الحلول، ولهذا فهو مرجعية ذاته"، فيسعى للحصول على كل 
شيء بدون إله او نظرية نرفانا ( الفناء في المطلق). وفي الثاني يحل الإنسان في الطبيعة، بعد ان كان كل منهما مغيبا في الرؤية المسيحية، أو يتم تطبيع الإنسان
فيخضع للقانون الطبيعي، ويبدأ الجوهر الإنساني – الثابت في الإنسان- في الغياب تدريجيا، ويحل الطبيعي محل الإنسان. فالشكل الأول من الحلول، اسسته مجموعة 
من الأساطير في التراث اليوناني والتراث الشرقي القديم، الذى احتضنته اوروبا 
مع اليهودية المحرفة ونموذجه اسطورة بابل، ولكنه أخذ ملامحه الحقيقية مع ظهور مؤسسة (كهنوتية) هي مؤسسة العلم في العصور الحديثة، وكانت اهم تجليات 
الصراع ومظاهره هي ظاهرة الثنائية على المستوى الفلسفي: تجريبي/ عقلي
مثالي/ واقعي، وعلى المستوى الأدبي: رومانسي/ واقعي، تفكيكي/ بنيوي
وعلى المستوى المنهجي: موضوعي/ذاتي.

نأتي إلى الثابت الثاني وهو (مؤسسة العلم)، يؤكد الباحث (إدوارد جرانت)، أن 
لعلوم الرياضية وعلم الفلك والبصريات والطب، كانت حتى عام 1500م 
تقريبا اكثر تطورا في العالم الإسلامي مما كانت عليه في الغرب"، لكنه يستدرك 
ليقول "أن العلم لم يمأسس في العالم الإسلامي"، أي لم يصبح العلم مؤسسة ذات 
قواعد راسخة فيه.

وجواب جرانت، حول لماذا لم يتحقق العلم، كما نعرفه اليوم، إلا في المجتمع 
الغربي، هو وقوع بعض الأحداث الأساسية في أوروبا الغربية بين عامي 1175م 
و1500م، هذه الأحداث يجمعها في ثلاث شروط يراها أساسية وحاسمة، وهي:

1- ترجمة علوم الإغريق إلى اللغة الاتينية، ومن دون هذا الشرط ربما لم يكن 
     بالإمكان تحقق الشرطين الآخرين.
2- تكوين جامعات القرون الوسطى، بعد اكتمال معظم الترجمات، بداية من عام  
    1200م، في كل من باريس واكسفورد وبولونيا، وكانت تختلف عن أي شي 
    سبق أن عرفه العالم من قبل.
3- ظهور طبقة فلاسفة اللاهوت، وتتمثل مساهمتهم في موافقتهم على إدخال 
     فلسفة الطبيعة، واستخدامها في مناهج الجامعات الجديدة.

هذه الشروط مع أسباب اخرى، سمحت بتأسيس ( مؤسسة العلم)، التي ستدخل في 
صراع مرير مع مؤسسة الكنيسة، وسيحسم الصراع غالبا لصالح العلم، الذى 
سيتحول إلى (دوغما) في مشارف القرن التاسع عشر، مع الفلسفة الوضعية.

هذين الثابتين، ثابت الصراع وثابت (مؤسسة العلم) من المهم الوقوف عليهما
لانهما المؤطران لكثير من القضايا والإشكالات، فمؤسسة العلم تحدد العلمي والموضوعي وما دون ذلك، وتحدد كذلك المفَكَر والممكن التفكير فيه، والصراع 
يمنع التأليف بين الثنائيات: عقل/ حس، خالق/مخلوق، طبيعة/انسان، بالإنتصار 
لأحدهما وإقصاء الطرف الآخر.


ويختتم حديثه حول المرجعية الغربية الحديثة، بالقول:
الكلام حول المرجعية يحيل مباشرة إلى صيغة المفرد، لأننا نزعم أن كل الثقافات الإنسانية، تشتمل على نظام معرفي معين خاص بها، قد لا يدركها أبناؤها حتى 
العلماء منهم، لأنه نظام كامن، يدخل في مكونات الوعي الجمعي للجماعة البشرية
يقول (محمد أمزيان): "هو مجموع الخلفيات والتصورات والمفاهيم الفلسفية، التي يصدر عنها الباحث في حقل ما، ومجموع الآليات المعرفية التي تشكل سلطته 
المرجعية، وتحدد جهازه المفاهيمي"، ثم يضيف: " فالمنهج حسب السياق يعني 
(العقل) الذى تشكل وتكون عبر سيرورة تاريخية، حتى اصبح مع الزمن (سلطة) 
يفرض نفسه في كل مجال من مجالات المعرفة.

هذا تقريبا قريب مما يقوله المسيري عن (النموذج المعرفي الغربي المادي)، حيث يتحدث عن اهم تحيزات هذا النموذج، والفارق ان امزيان يقصرها على مجال 
تخصصه (علم الإجتماع)، في حين أن الثاني يرى أن التحيز لهذه الأسس وغيرها
تحيز عام يكمن خلف كل العلوم ومناهجها، فالمنهج أو العقل الذى تكون عبر 
سيرورة تاريخية، أو النموذج المعرفي، هي تسميات لمفهوم واحد، وهي تشير إلى 
ذلك المركب أو الكل الذى يشتمل على:

1- تحديد مصادر معينة للمعرفة

2- يقيم العلاقة بينها
3- يحدد تدرجها وهرميتها
4- يبين طرائق ومناهج الوصل إليها، ويضع ضوابط التعامل معها، وفهمها 
     وتحليلها وطرق نقدها ومعايير هذا النقد.
5- يحدد أسس مشروعيتها، ومبررات الإعتماد عليها، والإعتقاد فيها أنها معرفة 
     حقيقية والرضا بنتائجها واستخدامها وتوظيفها.

فالمصادر تضعنا امام ثنائية العقل والحس ومن الكفيل بالمعرفة، والوحي الذى 
أقصي من مجال المعرفة، ومحاولة الدمج بينه وبين الكون عبر ما يسمى 
ب(القراءتين) من جهة اخرى؟. والعلاقات بين هذه المصادر، تفتحنا على تاريخ صراعي بين العقل ومقولاته القبلية أو معارفه الفطرية أو صفحته البيضاء، وبين
الحس، والتدحرج بينهما في الفكر الغربي خاصة. أما طرائق ومناهج الوصول 
إلى المعرفة (الحقيقية) فكانت تحسم غالبا لصالح المنهج التجريبي، على حساب 
طرائق اخرى، عمل السياق التاريخي والمسير الحضاري على إقصائها.

يبقى سؤال: من يحدد مشروعية المعرفة؟، وإمكانيتها أهو العقل الذى يشهد لها؟ 
أم الله؟ هو الذى منحها، وهيأ اسبابها، ليقوم الإنسان بتسخيرها بعد تحصيلها
فتغدو هبه ربانية، وليس (بروموثيوس) هو الذى سرقها من الآلهة ليعطيها 
الإنسان، ليتمرد بها على خالقه، و(يسيطر) بها على الآخر و(يغزو) بها الكون؟
ثم من الضامن انها معرفة (حقيقية) أهو الله أم الذات الديكارتية؟



ينتقل بعد ذلك بنا الدكتور احمد إلى الحديث عن: المنهج بين اللغة والمفهوم
مفردة المنهج حين تطلق في التداول الحديث يراد بها معان كثيرة:

فهي قد تعني ( فلسفة) معينة كامنة، تضبط الافكار وتنظمها، فالمنهج بهذا المعنى 
هو القانون الفلسفي او المبادئ الفلسفية الناظمة، بتحديد واضح للأفكار ومصادرها ومناهجها.

وقد تعني (العقل) الذى تشكل وتكون عبر صيرورة تاريخية، حتى اصبح مع الزمن (سلطة)، يفرض نفسه في كل مجال من مجالات المعرفة.

كما قد تعني مجرد (الطريقة) أو (الخطة)، التي غالبا ما يغيب فيها الحديث عن البعد المعرفي رغم حضوره.

وقد تطلق مفرده المنهج أو المنهاج ويقصد بها (الباب) الذى يتألف منه مؤلف ما.

أما عن المنهج في الدراسات الحديثة:
يميز (العروي) تمييزا واضحا بين ثلاثة مفاهيم، هي المنهج والمنهجية 
والأبستيمولوجيا ويعرف المنهج بقوله: "الطريقة التي تتبع لعرض موضوع من المواضيع"، وتحديد العروي مقصود، لما سيُؤسس عليه من حكم، فهو يقول إنه 
"يمكن  أن تُرفض التاريخانية أو البنيوية كفلسفة، وتوظف كمنهج للتحليل في 
حدود معينة"، واعتبار المنهج مجرد خطة، يثير كثيرا من الإضطراب، فكلمة 
عرض، المنتقاة بحرص، من قبل العروي، لو رجعنا إلى المعجم الفرنسي، لوجدنا
الأمر يختلف، فحين يعرف (Methode) يستعمل (يكشف) و (يبرهن)، وكذلك بدل (موضوع معين) يستعمل (الحقيقة) في مجال العلوم، هذه الحقيقة اكتشفها وبرهن 
عليها ( العقل) أو ( الذهن) الذى لا نجد له حضورا في تحديد العروي.

ونخلص إلى أن المنهج (Methode) يعني: مجموعة من (الخطوات) التي يتبعها (العقل) أو الذهن، ليكتشف (الحقيقة) ويبرهن عليها.

ويكون المنهج إما صريحا او ضمنيا، في حقل الفلسفة خاصة، فالاول حين يُستخدم إستخداما عمليا، أما الثاني حين يتم تقنينه وتبريره، كما فعل ديكارت في (خطاب المنهج)، ويكون المنهج واحدا، بشكل عام، في حقل العلوم الدقيقة، فهو المنهج الإستنباطي في العلوم الرياضية، وهو الإستقراء في العلوم الطبيعية، اما المنهج 
في العلوم الإنسانية والإجتماعية، فيطرح كثيرا من الأسئلة.

يميز (بياجي) حسب ما يقدم لنا محمد وقيدي بصدد العلوم جميعا بين أربعة مجالات
هي:

1- المجال المادي لكل علم: مجموع الموضوعات التي يتعلق بها هذا العلم
2- المجال المفهومي: مجموع النظريات والمعارف التي تم تأسيسها وتنسيقها من
     طرف كل علم
3- الأبستمولوجيا الخاصة بكل علم
4- الأبستمولوجيا العامة

كثيرا ما يقع الخلط بين علم او حقل معرفي معين، ومنهج ما، فيحشر العلم مع 
مناهج يمكن أن يكون احدها منهج هذا العلم، فنحن نعلم أن (الإتجاه النفساني) 
و(الإتجاه اللغوي أو السيميولوجي) و(الإتجاه السيميوطيقي)، كلها إتجاهات ترتبط 
برؤية تتخطى ظاهر النص، لتبرز فيه بينه صورية، بمعنى أن البنيوية المعتمدة 
في هذه (الإتجاهات)، تحاول كما يؤكد عبدالرزاق الدواي، ان تثبت أنه يوجد خلف 
كلامنا الذى نعتقد أنه حر وتلقائي، وخلف خطاب الأساطير، وخلف الأعراف 
والعادات والمؤسسات وأشكال الثقافة، نوع من (النظام الخفي) يعمل في المستوى العميق كبنية يتحتم الكشف عنها، من اجل فهم وتعقل تلك الظواهر.

ثم هناك أمر آخر يتعلق بالبنيوية التكوينية، واعتبارها شيئا آخر غير الماركسية
ويجب التاكيد على (الناظم المعرفي) الذى يعطي كل فكر تماسكه، حتى لا يتحول 
إلى مجرد خطرات تأملية.

هناك فكرة مسلمة، في الفكر الفلسفي خاصة، تقول: لا تعتبر أي فلسفة متماسكة 
أو فلسفة حقة، إذا لم يتوفر لها شرط القدرة على تفسير كل الظواهر، دون الوقوع 
في التناقض فهي ينبغي لها أن تشكل نسقا، قادرا على إعطاء الأسس المعرفية، لكل (علم) مؤسس أو في طور التأسيس، والماركسية لا تشذ عن هذا الإعتبار، فماركس وإنجلز مثلا يمدان العلوم الإنسانية بأسس معرفية قوية، رغم انهما لم يشيرا إلى
إنشائهما لهذه العلوم.

بناء على ما سبق فالبنيوية التكوينية التي تدرس الأدب وبناء الرواية الحديثة، التي 
نشأت في القرن التاسع عشر، وتوافقها او تماثلها وبناء المجتمع الليبرالي، تستند 
إلى المبادئ أو الاسس الأساسية في الماركسية، والجديد فيها هو حقل الإشتغال الذى 
هو الأدب.


ينتقل بعد ذلك متسائلًا عن المرجعية والمنهج أيه علاقة؟


تشتمل كل الثقافات الإنسانية على نظام معرفي معين خاص بها، قد لا يدركه أبناؤها
حتى العلماء منهم، لأنه نظام كامن يدخل في مكونات الوعي الجمعي للجماعة 
البشرية، وهذا يعني ان كل ثقافة بمعناها الشامل، الذى يحتوي كل ما ينتجه الإنسان 
أو كل ما يخرجه من دائرة الطبيعة البكر، ليدخله إلى نسقه الثقافي، يكمن خلفها 
نموذج:
1- يحدد مصادر معينة للمعرفة: فيثبت مصادر ويغيب او يقصي أخرى، فيؤسس 
    ثابته الذى يؤول إليه في تحريره للمعرفة وتحصيلها، هذا الثابت يتراوح في الفكر   
    الغربي بين الحس والعقل بقبلياته الكانطية أو أفكاره الفطرية، وعبر هذا الثابت 
    تتم قراءة كل ظاهرة إنسانية وترد إليه ولا يمكن تفسيرها خارجه.
2- يقيم علاقات معينة بين هذه العناصر، فتكون الغلبة لمصدر دون الآخر، فيسود         
    وتحال إليه كل المعرفة.
3- يحدد طرائق نقد هذه المصادر والمعرفة المتولدة عنها (المجال الأبستمولوجي)
4- يضع المناهج التي توصل إلى هذه المعرفة ويحددها، فيقصي كل المحاولات التي  
    تروم اعتبار ذاتها (منهجا) للمعرفة، فتظل هذه المحاولات تتقرب من الثابت علها  
    تحصل على رضاه.

هذا النموذج الكامن، هو ما نجده حاضرا، بشكل او آخر، في مجموعة من الدراسات فالمسيري عمل جاهدا ليجرد هذا النموذج، فيقرأ مختلف المنتجات الحضارية الغربية
من مسرح، رواية، موسيقى، عمران، لباس، فلسفة، علوم إنسانية، منتجات 
تكنولوجيا سلوكات معينة، مصطلحات وغيرها، ليضع يده على الناظم المعرفي والباحث السوداني أبو القاسم حاج حمد، يشتبك مع الحضارة العربية ازيد من
عشرين سنة ليكتشف هذا النموذج في (لاهوت الأرض).

ونمثل هنا بمثال، في حقل العلوم الطبيعية، والسؤال هنا: لماذا لم يتأسس الإستقراء 
في اليونان، وظل أمدا طويلا ينتظر الحضارة الإسلامية؟.

يعرض أحمد فؤاد باشا التصور النظري العام، الذى يكون نموذجه العلمي الذى يقاس عليه تقييم العلم عموما، ويقدم فيه مثالا عمليا وهو (نظرية الضوء) ليطبق عليها 
تصوره النظري، بحسبه، إن النظريات التي يقدمها كل من أفلاطون وأرسطو 
وأبيقور، حول الضوء، سواء في طبيعته أم تفسير هؤلاء لعملية الإبصار، تتعدد 
بشكل لا يمكن نفي إحداها وإثبات الأخرى، لأن المنهج المعتمد كان عقليا تأمليا فقط
أو قياسا صوريا بحتا، وقد ظل كل فريق يعتقد أن ما يقوله عقله، ويتصوره ذهنه، هو الأصوب وظلت هذه النظريات تنتظر مرحلة الحضارة الإسلامية، التي ستعرف 
ميلاد المنهج الإستقرائي، لأن القياس الصوري يوصف بانه منهج عقيم واجدب، لأنه
لا يسمح بتقديم العلم خطوة واحدة، مهما تراكمت وتكدست المعارف المستنتجه على أساسه، لكن مع الحسن بن الهيثم تم وضع حد للخلافات القديمة حول تعريف الضوء وتفسير عملية الإبصار.


ويبقى السؤال ملحا - وفقا للدكتور أحمد مرزاق - لماذا لم يتأسس الإستقراء في اليونان؟

ألا يرجع هذا إلى (المرجعية) التي حالت دون حصول المعرفة العلمية التجريبية
فعزفت عن العمل اليدوي، والتجربة في المختبر الآن ليست أكثر من عمل يدوي واعتبرته مهنة العبيد والنساء، وقدست التأمل واعتبرت العلم النظري الذى غايته 
المعرفة فحسب، تشبها بالآلهة، هو العلم الحق، ولم تربط بين العلم والعمل كما 
فعلت الحضارة الإسلامية؟

قول أحمد فؤاد باشا إن الحسن بن الهيثم انطلق من مبدأ عام، هو القول بوجود 
العالم الخارجي، وجودا مستقلا في ذاته، خارج الذهن وخارج النفس، وان العقل والحواس ادوات إدراكه، ألا يحيل إلى مبدا التوحيد وثنائية الخالق والمخلوق في 
التصور الإسلامي، عوض وحدة الوجود الروحية أو المادية، التي لا تعين حدودا للثلاثي: الله، والإنسان، والطبيعة؟

ألا يفتح هذا القول كذلك على تاريخية المعرفة، ونسبيتها، المعرفة التي يحصلها 
الإنسان بجهد، وحسب استعداداته الفطرية، ووليست المعرفة المطلقة المجردة 
التي يسرقها برومثيوس من الآلهة ليمنحها الإنسان فيتجبر ويتكبر في الأرض 
بغير حق؟

نطرح هذه الأسئلة لأننا في امس الحاجة إلى السؤال، بعد أن لم تعد الذات، التي 
كانت تستحضر بإعتبارها كيانا مستقلا، في مواجهة الآخر، عذراء، فكيف نترك 
سؤال العلاقة من أزيد من قرن، وقبل ذلك كيف يسوغ الباحث العربي لنفسه النقل
السهل أو الرد السهل، وسلم بإجرائية المفهوم، ووعائية أو اداتية (المنهج)، وهو 
لم يحدده أصلا- بعض الدراسات العربية لا يستغرق منها الكلام حول المنهج 
المتبنى إلا صفحات معدودة، وفي احيان أخرى لا تضبط دلالة المنهج ويتم القفز 
للحديث عن الإجراء- وكيف رفض هذه الوعائية أو الأداتية؟

يتم الحديث في الغرب عن (المفهوم الرحالة)، الذى ينتقل من حقل معرفي لآخر
داخل النسق المعرفي الغربي الواحد، ولكن بكل حذر وحيطة، لأن الباحث هناك 
واعي بأن المفهوم له تاريخ، وبأنه يتعدد، تبعا لتعدد حقول المعرفة، وتبعا للأثر 
التاريخي الذى يتطور في ضوءه ذلك الحقل، وياتي الباحث العربي ليقول 
ب (المفهوم الرحالة) وب (الإستعارة) و(التبييئ)، و(كونية المفهوم)، و(اجرائيته)
دون أن يبذل جهدا في تفكيك هذا الأمر.

أكان القرآن يرفض من المؤمنين، و(يحرم) عليهم (راعنا)، لأن اليهود كانوا 
يقولونها فقط؟ على وجه الإستهزاء والمسبة، أم أن (راعنا) لها تاريخ وايحاءات 
وظلال وعبرها يتم التواصل مع تراث معين.

في الواقع، لا منهج مجرد من مقولاته ونماذجه، ولأن المنهج يتشكل في أحشاء 
النماذج التي يعالجها، و(يكتسي) باللحم من خلال الموضوعات التي يولدها
والباحث يدخل موضوعه، وهو يحمل ايضا مجموعة كبيرة من القضايا والأفكار
حول الدين والتاريخ والمجتمع والآخر واللغة.

لهذا يحذر منير شفيق من الدخول في نقاش حول مبادئ المنهج وتقنياته من جهة
بمعزل عما قدم هذا المنهج، من نماذج، وأفرز من موضوعات من جهة أخرى
حتى لا يخرج من يدعي انه يعمل بهذه التقنيات، في هذا المجال، وبتقنيات أخرى
في مجال آخر، ويوحد ويدمج التقنيات في مجال ثالث، مشكلا منهجا متكاملا
وللأمر ذاته، يذَكِر (أبو القاسم حاج محمد) الباحث احمد حيدر بأن "النزعة 
الإنسانية التي يحاول تطعيم الماركسية بها هي نزعة خارجية ذاتية"، لأن 
"تجريد الماركسية من جبريتها…هو أمر غير ماركسي"، لأن لكل فكر (منهجه
الضابط والمنظم)، فإذا كان المنهج ماديا فهو ينتج افكارا لا تكون إلا مادية.