07‏/07‏/2015

الإسكان : نحو مشروع دولة لا وزارة




عبدالخالق المرزوقي


كنت اتمنى لو كان هناك تفكير استراتيجي شامل، يجمع وزارة الإسكان
بالتجارة والصناعة والعمل والإقتصاد والتخطيط والتعليم العالي. والأمل
في مجلس الشؤون الإقتصادية والتنموية بقيادة ولي ولي العهد الأمير محمد
بن سلمان في طرح تلك الرؤية الشاملة التي نحتاجها لمستقبلنا، خاصة في
ظل نسبة النمو السكاني الهائلة لدينا، والضغط على الموارد والبنيه التحتية.
واعني بها اعادة النظر في طريقة طرح وتوزيع وبناء مشاريع الإسكان
الجديدة، وبدلا من انفراد وزارة الإسكان بالتخطيط لهذه المشاريع، والنظر
لها من زاوية واحدة هي توفير السكن لغير القادر عليه، اعتقد يجب البدأ
بصياغة استراتيجية تنموية شاملة، تكون جهود وزارة الإسكان جزءا رئيسيا
من تلك الإستراتيجية.

واتحدث هنا عن بناء مدن جديدة، على السواحل السعودية الممتدة على
آلاف الكيلومترات، تقوم كل وزارة فيها بما يخصها من جهود، تحت
اشراف مجلس الشؤون الإقتصادية والتنموية، وتخطيط وزارة الإقتصاد
والتخطيط ضمن خطط التنمية للمملكة العربية السعودية.

فنرى وزارة الإسكان توزع الأراضي فيها بالمجان على المواطنين، بعد
انجاز مشاريع البنيه التحتية، بدلا من بناء شقق سكنية في المدن الكبيرة
بالآلاف،ثم توزيعها على المواطنين بقروض،يستمرون بدفعها لعشرات السنين
ويتم بذلك ايضا الضغط على البنيه التحتية من كهرباء ومياه وطرق وصرف
صحي، وخدمات صحية وحكومية ووظائف خاصة في المدن الكبيرة، والتي

هي اساسا تتعرض لضغط كبير حاليا، قبل تنفيذ مشاريع وزارة الإسكان الجديدة
فيما يمكن استثمار تلك المبالغ في مشاريع بنية تحتية جديدة لمدن جديدة وعلى اسس
جديدة تتلافى الأخطاء السابقة بتكلفة اقل

لو جمعنا اجمالي التكاليف لتطوير البنيه التحتية لمشاريع الاسكان الحالية
وزيادة الانفاق على البنية التحتية للمدن القائمة، كي تستوعب الزيادة السكانية
مع تكلفة تمويل المساكن، مع بقاء حاجة ساكني تلك المشاريع لدخول المدن
لقضاء احتياجاتهم، أو مراجعة الإدارات الحكومية، مما يفاقم ازمات المدن
والتكدس داخلها.

وكذلك كون اغلب الوحدات السكنية التي تعتمدها الوزارة في المدن الكبيرة
هي شقق سكنية، وهو ما يعني أنه بعد جيل واحد، أي بعد 25 أو 30 عاما
سنكون أمام تكرار لذات المشكلة في السكن بشكل اكثر تعقيدا، حيث سيضاف
لطالبي السكن الجدد حينها، ابناء من حصلوا على تلك الشقق، لأنها لن
تستوعب الجيل الثاني من الأسرة، عكس ذلك لو كان ما يمنح لطالبي السكن
الآن اراضي يتم بناء مساكن مستقلة عليها، يمكن تجزئتها أو البناء الرأسي
عليها لاحقا لاستيعاب افراد اكثر.

ويكون دور وزارة التجارة والصناعة والمؤسسة العامة للموانئ انشاء موانئ
جديدة، صغيرة ومتوسطة الحجم في تلك المدن الجديدة، ومناطق صناعية
ومستودعات تخزين، وصناعات معدة للتصدير، ويتم ايضا توفير الأراضي
الصناعية في المدن الجديدة بالمجان لم يثبت جديته، بدلا من القيام الدائم
بتوسعه الموانيء الحالية، والضغط على المساحة العمرانية للمدن الموجودة
فيها الموانئ بأخذ مساحات منها، أو ردم اجزاء واسعة من البحر من اجل
توسعه الموانيء والخدمات الملحقة بها، كمستودعات التخزين، كما يحصل
في ميناء الملك عبدالعزيز في الدمام مثلا.

ولأن تلك المدن ستكون موجودة على السواحل، فإن دور وزارة التجارة
والصناعة والهيئة العامة للإستثمار، من ضمن استراتيجيتها للصناعة، تشجيع
قيام الصناعات الثقيلة والصناعات المعدة للتصدير فيها،نظرا لوجود الموانيء
مما يقلل تكلفة استيراد المواد الخام أو تصديرها على المنتج، وكذلك اجور
النقل والتخزين، وايضا تقليل الضغط على البنيه التحتية للطرق، وانشائها
وصيانتها حين تكون تلك الصناعات في المناطق الداخلية.

وتشجيع وزارة التعليم العالي، والمؤسسة العامة للتعليم التقني والفني، على بناء الجامعات
والكليات الجديدة بالتخصصات التي تحتاجها تلك المدن وصناعاتها

ولو نظرنا لأغلب المؤسسات التعليمية المهمة في العالم،سنجد انها تنشأ وتتواجد في المدن
الصغيرة والضواحي، فتوفر لمدرسيها وطلابها الأجواء الهادئة للدراسة والبحث العلمي
من ناحية، وتوفر لتلك المدن والبلدات الصغيرة موارد اقتصادية ووظائف نتيجة لتواجد
آلاف الطلاب فيها وتوفير احتياجاتهم. وكل ذلك سيصب في صالح توفير آلاف فرص العمل
 الجديدة، سواء المباشرة أو غير المباشرة، وايضا فتح الفرص لممارسة التجارة عبر انشاء
مؤسسات صغيرة وممارسة العمل الحر، وتقليل الهجرة للمدن الكبيرة.

وكذلك لا يخفى مقدار الوفر المالي الذى يمكن تحقيقه، خاصة مع انخفاض
الموارد الحالي الناتج عن انخفاض سعر النفط،بدلا من مقدار الإنفاق الحالي
الكبير على نقل الطاقة سواء الكهربائية منها أو المشتقات النفطية، والمياة
المحلاة من اماكن انتاجها على السواحل إلى المدن الداخلية حاليا مع الحاجة
لمزيد من خطوط النقل المستقبلية،وكذلك بناء المزيد من الطرق بين المناطق
والمطارات الداخلية.

19‏/06‏/2015

تدبر بعض آيات القرآن



من الآية الثانية إلى الرابعة - سورة البقرة

"ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين(2) الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون

 الصلاة ومما رزقناهم ينفقون(3) والذين يؤمنون بما انزل إليك وما انزل
من قبلك وبالآخرة هم يوقنون(4)"


"ذلك الكتاب لا ريب فيه"


نحن هنا امام معنيين للعبارة، المعنى الأول هو تأكيد الله سبحانه وتعالى
على حقيقة القرآن وثبوته سواء كمجمل أو كمفصل، والحقيقة والثبوت هنا
يأخذان بعدين

البعد الأول هو حقيقة ثبوته كنص، أما البعد الثاني فهو صدق معانيه ودلالاته
وهو سبحانه يدعونا ضمنيا بشكل غير مباشر لإكتشاف تلك المعاني والدلالات
بغض النظر وصلنا لكامل حقيقة تلك المعاني والدلالات أم لا.

المعنى الثاني للعبارة هو اقامة الحجة والتحدي لمن يشكك في القرآن، بأن
يكشف عدم صدقه أو تناقضه، والتحدي هنا ممتد منذ نزول القرآن إلى
ما شاء الله.

"هدى للمتقين"


هنا إخبار وتأكيد من الله سبحانه، انه بناء على العبارة السابقة، فإن في هذا
القرآن لا شك هداية للمتقين.

والهداية انواع فمنها تجاه الوصول لتلك المعاني والدلالات الدينية الشرعية
التي يطلبها الله منا والموجودة في القرآن. ومنها هداية ذاتية، تتعلق بالإنسان
واعادة تشكيل نظرته تجاه ذاته، وعلاقته بالحياة وبالوجود. ومنها هداية تجاه
تلك الإشارات التي يبثها الله في القرآن تجاه الكون، الخلق، التاريخ، وغيرها.
والهداية هنا بمعنى الإنطلاق من تلك الإشارة الإلهية نحو العلم والإكتشاف
وربط سبحانه بين كون هذا الكتاب هداية وبين التقوى، والتقوى قلبية. وكأنه
سبحانه يقول أن شرط هداية القرآن لك، وانفتاح نصوصه ومعانيه امامك
هو أن تأتيه بقلب سليم متقي، لا أن تأتيه بغرضيه شخصية، أو بحثا عن تأكيد
لما تحمله مسبقا من خارجه، وبدلا من أن تجعل النص يقودك تحاول انت أن
تقوده لغرضك.

"الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون"

بعد أن دلنا سبحانه على اهمية التقوى، وبما أن التقوى محلها القلب، كان
لابد من تبيين صفات اصحابها كي نستبينهم، ولا نُخدع بالمدلسين.
فبين أنهم " الذين يؤمنون بالغيب"، وايمانك بالغيب هو التأكيد الداخلي على
انك وصلت للإطمئنان القلبي- بالكيفية التي طلب منك استخدامها، للوصول
لهذا الإطمئنان - تجاه حقيقة ما وصفه الله تعالى وتحققه.
ثم ذكر سبحانه "ويقيمون الصلاة"، واقامة الصلاة على الحقيقة ليس مجرد
ادائها بحركاتها. وهنا يتجلى استخدام كلمة يقيمون كونها تبين المعنى
المطلوب من الصلاة، فلا يكفي أن تؤدي حركاتها امام الناس، بل المطلوب
أن تقيم معناها داخلك، بما بينته آيات اخرى بأنها "تنهى عن الفحشاء والمنكر"
فمن تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر هو من اقام الصلاة على الحقيقة.
وفي الصفة الثالثة للمتقين ذكر سبحانه "ومما رزقناهم ينفقون"، وتأتي اهمية
هذه الصفة من صفات المتقين، هو أن جزءا من تكَوُن التقوى لديك، هو
يقينك بأن هذا الرزق الذى لديك هو رزق الله لك، ولم تأخذه بقوتك، ولأن
يقينك القلبي هذا بحاجة لتأكيك وترسيخ، جاء الإنفاق كأداة عملية
فكونك تتيقن أن هذا المال هو رزق الله لك، وأنك مستخلف فيه ولا تملكه
حقيقة، فأنت بإنفاقك منه وحين تخرج " بعضه" بما قد لا يعود عليك بمنفعة
دنيوية، فأنت تخرجه " كله " من قلبك - حيث التقوى والإيمان -وتضعه
في يدك.


"والذين يؤمنون بما انزل إليك "

الإيمان هنا لا يقصد به الإيمان بما في دفتي المصحف من كلام، وبأنه منزل
من الله فقط، بل يشمل مع الإيمان القلبي الإقتناع العقلي بما ورد فيه من احكام 
وتشريع وحقائق كونية، والتأكيد علي كل ذلك عمليا، عبر ظهور اثره في الأخلاق 
والسلوك والمعاملة، لذا قيل عن النبي صلى الله عليه وسلم : " كان خلقه القرآن "

" وما انزل من قبلك "

المتقي كذلك يؤمن بما انزل لله من كتب، وهذا يتضمن الإيمان بالأنبياء والرسل
جميعا، منذ آدم لمحمد عليهم السلام جميعا، وأنهم جميعا اصحاب رسالة إلهيه
واحدة، ولهدف واحد

ولهذا معنى ثاني غير هذا المعنى الأول، وهو طالما أن من شروط التقوى
الإيمان بكل الرسل والرسالات، وانهم جميعا اصحاب رسالة واحدة، فهذا يعني
أن كل المؤمنين الموحدين منذ آدم لليوم هم ابناء امة واحدة، بغض النظر عن
اختلاف الشرائع بينهم، وهذا يقود إن تحقق هذا عمليا إلى وحدة انسانية قوامها 
توحيد الخالق سبحانه


" وبالآخرة هم يوقنون "

الصفة الأخيرة التي وصف الله سبحانه بها المتقين في هذه الآيات هي الإيمان بالآخرة
ونلاحظ أن الله تعالى استخدم كلمة يوقنون، وهي اعلى درجات الإيمان والتصديق
وهو وضعها سبحانه لوصف المتقين رغم أنهم لم يروا الآخرة، ولم يعيشوها، فكيف
 وصلوا لليقين بالآخرة إذن؟

حين نتتبع هذه الآيات نرى أنها سلسلة، حين يتحقق الإيمان بها :
القلبي، العقلي، العملي. ولكل مجال منها شروطه، يكون الوصول لليقين بالآخرة
"الغيب" من باب النتيجة الطبيعية.

28‏/05‏/2015

هل توجد في الإسلام دولة دينية ؟



عبدالخالق مرزوقي

هل توجد في الإسلام دولة دينية ؟

الدولة- أي دولة - ينشئها المجتمع حسب تكوينه، المستمد من ثقافته
وتاريخه وبيئته الإجتماعية، لذا العلمانية بما انها نتاج لثقافه معينة
تناسبت مع ثقافة منتجيها وليس بالضرورة أن تتناسب مع ثقافة
وتاريخ وحضارة مجتمعات اخرى فإذا كانت تتمايز داخل أوروبا
بين الدول فكيف لمجتمعات تنتمي لثقافة مختلفة، علينا ابتكار
نموذجنا الخاص.

ولا يمنع الإستفادة من منتج حضاري لثقافة اخرى بإستيعابه
وتبيئته لا استنساخه.

نعم الدولة مدنية في الإسلام، ينشئها المجتمع لا الدين. فالدين يضع
اسس البناء واطره العامة، أما ما عداه فهو شأن الناس من شكل النظام
السياسي للمؤسسات للدستور لتكوين السلطة وطريقة اختيارها وتغييرها
لنظامها الإقتصادي كله متروك حسب ثقافتها وعلمها وزمانها ومكانها
وبيئتها الإجتماعية وتطور مدارك الإنسان بعض العلمانيين العرب يتوهم في
 موضوع فصل الدين عن الدولة أو يقرأ تاريخ أوروبا قراءة أيديوجية

فأوروبا لم تحكم بالدين يوما بل كانت تحكم بالقوانين الرومانية عبر
الكنيسة، أي حكمتها الكنيسة وليس الدين، والمسيحية لا تتحدث عن
الدولة اساسا. والفصل كان بين سلطة الدولة وسلطة الكنيسة
في الإسلام الموضوع مختلف، فلا توجد سلطة دينية في اصل الدين
وللدين حديثه في الشأن العام، فلا يوجد فصل تام، ولا هيمنة من
الديني على السياسي اعنى أن النص الديني لم يتدخل في تفاصيل
الفعل والتنظيم السياسي، بل وضع اطر عامة

22‏/05‏/2015

الدولة لدى السلفي السني والشيعي - المفهوم والبنيه





الدولة لدى السلفي السني والشيعي





محاولة لفهم الأسس التي شكلت النظرة للدولة والسلطة لدى السلفيتين السنية 
والشيعية

عبدالخالق

نشر في صحيفة التقرير

لا يمكن فهم العلاقة والنظرة التي تنظر بها السلفيات، والفرد الذي يأتي 
إلى الدولة كمفهوم، أو إلى الممارسة السياسية، من خلفية فكرية ثقافية 
صنعتها (حصرًا) 

الرؤية الدينية السلفية، سواء السنية أو الشيعية؛ دون العودة إلى 
الأسس الثقافية والاجتماعية وظروف البيئة السياسية التاريخية، التي 
شكلت بداية تبلور مفاهيم الدولة والسلطة لدى كل من السلفيتين، والعوامل
 النفسية التي غذت ذلك لاحقًا وما زالت.


ودون محاولة فهم تاريخ علاقة كل طرف بالدولة أو السلطة منذ نشأتها 
في الإسلام وانعكاس هذه العلاقة على الأفراد الذين يحصرون أنفسهم 
بذلك التاريخ، وأتحدث هنا تحديدًا عن السلفيتين السنية والشيعية لأهميتهما 
حاليًا ولحجم ما يُحدِثان من تأثير على الاجتماع والسياسة في واقعنا الحالي
هذه العلاقة يمكن أن نؤرخ لبدايتها لدى الطرفين، ولافتراقها في آن 
واحد، باجتماع السقيفة، أي منذ بداية الخلاف حول تفسير ما حدث فيها.

بمعنى أن بداية تبلور مفهوم الدولة والسلطة، والافتراق والخلاف لدى 
الطرفين يعود في جذوره الأولية إلى بداية واحدة. وهي بداية نشوء 
وتبلور السياسة إسلاميًا وفي تكونها كممارسة عامة، وإن كان التنظير 
لذلك جاء لاحقًا.

لذا؛ فإننا نتحدث عن قضية سياسية قبل أي شيء آخر، وتم إسباغ اللباس
الديني عليها لاحقًا لأسباب سياسية في المقام الأول؛ لإكساب الرؤية
والرواية والممارسة السياسية لكل طرف مشروعية دينية.

يمثل يوم السقيفة، وما تم فيها، النقطة المركزية التي يعود لها كل طرف
ليؤرخ منها بداية تشكيل نظرته ووعيه وروايته عن الدولة والحكم والسلطة
ولو حاولنا العودة لذلك اليوم وقراءة ما شكله لدى كل جماعة سنجد ما يلي:


أن ما يعتبره طرفٌ لحظة تأسيسية لتثبيت دعائم الدولة الإسلامية الوليدة
ويمنحها الشرعية الدينية والسياسية للاستمرار بعد عهد المؤسس -الرسول
صلى الله عليه وسلم- يعتبره الطرف الثاني لحظة الانقلاب على أسس
الإسلام ذاته، وعلى إرث الرسول والرسالة، وخروج غالبية شهودها ليس
على الشرعية فقط بل عن الدين ذاته، في القراءات الأكثر تطرفًا، وما زالت
السلفيتان لم تغادرا تلك الرؤية لليوم.


السلفية السنية



شكل ذلك اليوم لدى الطرف السني بشكل عام حسمًا لعدة أمور، منها: أن أمر
 الدولة والحكم لا يرتبط بشخص الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا بسلالته
 أو بنص ديني يحدد من له السلطة؛ بل هو أمر متروك للأمة، وبالتالي نزعت
 صفة (القداسة الدينية)، ابتداءً، عن السلطة، وعن كل من يتولى المنصب، مع 
كل ما يترتب على ذلك ويتفرع منه. ومما يتفرع عن ذلك، التأسيس في الفهم أن
 شرعية رأس الدولة أو الحاكم إذا كانت مكتسبة من الأمة التي اختارته؛ فإنه 
بالتالي من يمنح الشرعية هو أيضًا قادر على نزعها.


في الوقت الذي لم يصل فيه العالم لذلك، إلا بعد التنوير الأوروبي والثورة على
 الكنيسة والملوك في القرون المتأخرة. ومع الأسف، فإن الارتداد السياسي عن 
تلك المبادئ، والذي بدأ مع الدولة الأموية؛ منع استمرار تبلور تلك الممارسة 
عمليًا، وترسيخها في الثقافة السياسية والتي لو استمرت وتم البناء عليها، كانت
ستؤدي لتغيير تاريخ العالم السياسي برمته منذ ذلك الزمن.


وأثر حدوث الردة السياسية عن مبادئ الإسلام في الحكم، كالشورى والاختيار 
من الأمة مع تشكل الدولة الأموية، على الفقه السياسي لدى الجانب السني
وبرزت ممارسات جديدة غير تلك التي جاء بها الإسلام في الدين والسياسة.


أهم الممارسات التي بدأت مع الدولة الأموية وأثرت في كل تاريخ الإسلام 
لاحقًا، هي فرض السياسة لسطوتها على الدين، (الفقه) تحديدًا، أيضًا بداية 
تكَوُن مفهوم "رجل الدين" كذلك تحول السلطة الدينية من النص إلى رجل
الدين، وكان هذا بداية تحول الدين إلى مؤسسة. وكل واحدة من هذه المسائل 
الثلاث بحاجة لبحث مستقل وواسع لوحدها.


وحيث انقسم الفقه السياسي منذ ذلك اليوم إلى عدة مسارات، أحدها مسار رجال
 الدين القريبين من السلطة الذين نظروا للوضع القائم وحاولوا إيجاد تأصيل 
شرعي له؛ لإكساب الفعل السياسي شرعية دينية -فيما كان الإسلام قد جاء 
بعكس ذلك- سواء عبر النصوص مباشرة أو تأويلها، والتركيز على أحاديث 
التمسك بالجماعة والطاعة والتخويف من الفتنة، وإسباغ الهالة الدينية على 
رأس السلطة أي لوي عنق النصوص لتتوافق مع الممارسة. وليس العكس
أي الانطلاق من النص أولًا عبر وعيه، وفهم مقاصده، وعرض الممارسة
عليه لبيان شرعيتها. وشكل هذا جناية على نصوص الدين، وصرفًا لها
عن مقاصدها، وتشريع الاستبداد السياسي دينيًا.


المسار الثاني، رجال دين وفقهاء كانوا أكثر استقلالًا عن السلطة، محاولين
إيجاد تأصيل نظري للسياسة الشرعية -ليس تقديم نظرية سياسية- وتقديمها
كنوع من "النصيحة" المباشرة حينًا وغير المباشرة في أحيان أخرى للسلطة.


ونلحظ أن هؤلاء الفقهاء حين كان الحكام يستبدون بالحكم، كانوا
يتوجهون بنقدهم ومعارضتهم للحاكم كفرد، ولا يسعون لتقويض الدولة
ذاتها، أو الثورة عليها، وقد يعتزلون الحاكم وكل ما يأتي به، لكننا نراهم
عند الحاجة متطوعين في جيوشه.



واشترك أصحاب المسارين -بنسبية بينهما ولأسباب مختلفة- في عدة أمور
كخوف الفتنة -لمفهوم الفتنة دلالات مهمة في السياق الفقهي السني تختلف 
عنها في السياق الفقهي الشيعي مثلًا- والتأكيد على لزوم الجماعة، والتحذير
من الفرقة والتركيز على الضرورة الشرعية لوجود الحاكم لدرجة إيجاد 
مخارج فقهية لمن يستولي على الحكم بالقوة، في حال النزاع، وتفضيل ذلك 
على الفراغ، وكذلك وجود أحداث تاريخية كانت فيها الدولة في حالة 
ضعف شديد مكن أعداءها الداخليين كالثورات أو الخارجيين كالغزو
المغولي، من الاستيلاء على الدولة وارتكاب مذابح في حق المسلمين.

الفرق بين تناول الفريقين لهذه المسائل هو المنطلق؛ فالفريق الأول ركز 
عليها تركيزًا شديدًا من أجل مصلحة السلطة في المقام الأول وخدمة لها
فيما كان منطلق الفريق الآخر هو الحفاظ على جماعة المسلمين
أو ما تسمى بيضة الإسلام


وعلاقة رجل الدين هنا بالسياسة عمومًا مختلفة عنها في المذهب الشيعي
فبالنسبة للجانب السني، تولى كل من رجلي السياسة والدين موقعين
مختلفين، يقتربان حينًا كثيرًا من بعضهما ويفترقان في أحيان أخرى
خاصة بعد عهود الخلفاء الراشدين ولأن السلطة والمال بقيا لرجال
السلطة؛ بقي رجل الدين يمارس دوره كرجل دين فقط، وكانت علاقة
الفرد به هي علاقة لها بعد واحد غالبًا، وهو البعد الديني.


وبعض رجال الدين الذين حاولوا الدخول للعمل في السياسة، مارسوا
ذلك إما من أجل إصلاح السياسة وإما من أجل ترجيح اتجاه فكري
في فهم الدين على آخر وإما طمعًا في مكاسبها.


وفي كل الحالات، ولأن رأي أو فتوى رجل الدين في الجانب السني
لا تتخذ صفة الإلزام، ولعدم وجود السلطة السياسية في يده، في
المرتبة الثانية بعد الحاكم السياسي في التأثير على أمور الدولة؛ إذا لم
يكن تابعًا له غالبًا.


أين يجد السلفي السني دولته المنشودة؟


لدى الجانب السني، السلفي تحديدًا، الدولة المثالية تحققت في الماضي، وهي
في وجدانه دولة قوة وعزة وانتصارات وسطوة على الآخر، ويظل حلمه العودة 
لمثل تلك الدولة، في صورتها الناصعة خاصة حين يقارنها بالحاضر
والمتطرفون والمتشددون منهم نتيجة لضغط الواقع السيئ يتجهون بشكل 
لا واعٍ للعيش (ذهنيًا) في تلك الدولة الماضية، أو محاولة بعثها بالقوة
وهذا ما تحاول التنظيمات المتطرفة القيام به، وهناك جانب آخر يؤثر 
كثيرًا في نظرة السلفي التقليدي لتلك الدولة الماضية، وهو أن ما نقل 
له هو تاريخ الانتصارات ودولة القوة والعزة ولم ينقل له تاريخ الخلافات 
والمؤامرات والنكسات والهزائم، لذا تظل نسبة (المتخيل) لديه تفوق نسبة
الواقع تجاه ذلك التاريخ، لذا يمكن القول إن الجانب السني السلفي يعيش 
من أجل إعادة الماضي في المستقبل لتلك الدولة المتخيلة التي كانت.

الشخصيات لدى السلفي رغم بشريتها، ورغم أن الخطاب يقول بعدم عصمتها
 إلا أن التعامل معها يمنحها نوعًا من العصمة غير المعلنة واللاشعورية؛ بسبب 
قربها من صاحب الرسالة، ومصادر الوحي ومعايشتها له، وبالتالي هي الأقدر 
على فهمه. لذا؛ فإنه حين يقول مثلًا بالسكوت عما شجر بين الصحابة، هذا لأنه 
يعتقد بأن ما حدث بينهم قد حدث وانتهى في ذلك التاريخ، وليس له أثرعلينا 
كذلك ولأنه يخشى لا شعوريًا الانتقال من الحديث عن الخلافات السياسية بينهم
إلى التشكيك في تدينهم وهو ما لا يقبل الشك لديه، وهذا بسبب عدم فصله بين 
الخلاف السياسي والتدين لديهم.


السلفية الشيعية



في الجانب الآخر لدى الشيعة، تم تثبيت القول -لاحقًا، ولأسباب سياسية في المقام
 الأول- بالنص على وجود الأئمة على رأس الدولة، وعصمتهم؛ هذا لا يعني عدم 
شرعية رأس الدولة أو الحاكم فقط، بل عدم شرعية كل سلطة ودولة، وكل ما تقوم
 به من أعمال، منذ وفاة الرسول لليوم، إذا عرفنا أنه لم يحدث أن كان أحد الأئمة 
حاكمًا سياسيًا، ما عدا فترة حكم الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه.


وترتب على ذلك عدة أمور مهمة: أولها، عدم الاعتراف بشرعية دينية لأي دولة 
قائمة، منذ يوم (السقيفة). والأمر التالي، هو تسويغ وشرعنة (الثورة) على الدولة
 كلما كانت هناك بادرة أو فرصة سانحة لذلك. الأمر الثالث، هو إهمال الحديث 
عن الدولة القائمة فعليًا والتنظير لها لصالح الحديث عن الأئمة والإمامة
(المتخيلة) وترسخ عقيدة الانتظار لاحقًا.


خاصة أن الفرد في ذلك الزمان لم يكن بحاجة للتعامل مع الدولة في غالب أمور 
حياته اليومية. لذا؛ أصبح المتشيع يعيش بين دولة نظرية (متخيلة) -دولة
المهدي المنتظر- وفي ظل دولة أمر واقع في غير شرعية وفق المقياس 
المذهبي الشيعي للشرعية، وكلما كان وقع السلطة شديدًا عليه؛ كان يلجأ للدولة
المتخيلة، ويعيش ذهنيًا فيها، ويناشد المهدي كي يسرع بالظهور ليعيشها واقعًا.


وهذه ليست ممارسة تاريخية، بل موجودة لليوم؛ ومن قرأ المناقشات التي جرت
بين بعض أعضاء الفيس بوك المنتسبين للمذهب الشيعي في السعودية، قبل أسابيع
على خلفية تعليقات منسوبة للشيخ علي الكوراني حول أحداث اليمن، وربطها 
بقرب ظهور المهدي، وقرأ التعليقات المستبشرة والمناشدة للمهدي بسرعة الظهور
يدرك مقدار ترسخ ذلك الشعور تجاه الدولة -أي دولة- في اللاوعي الجمعي طالما 
أنها ليست دولة المهدي المنشودة.


وما زالت بعض الأدبيات الشيعية الدينية لليوم، وإن بمواربة، تطلق مسمى دولة
 الأمر الواقع على الدول التي يعيش فيها الشيعة ولا تحقق الرؤية الدينية الشرعية 
الشيعية للدولة ورأسها، وتتعامل معها على هذا الأساس.


لذا التعامل مع الدولة من الناحية الدينية وبحكم الاضطرار يتخذ شكلين: أحدهما
وهو المعلن، الاعتراف بوجودها -اعتراف بالوجود لا بالشرعية- ولأنها موجودة
وغالبًا قوية؛ كان لا بد من التعامل معها والانخراط فيها. ومن الجانب الآخر
هناك الدولة المتخيلة، دولة الإمام، التي تشد الإنسان بمثاليتها خاصة في العهود 
التي يزيد فيها القمع والظلم للجماعة، وكلما كانت تلوح بارقة ثورة لإمكانية تحقق
تلك الدولة على أرض الواقع؛ كان يتم الاصطدام بالدولة، وهكذا استمر الوضع 
لقرون لتترسخ روح السخط والمعارضة ومحاولات الثورة داخل وجدان الفرد 
المتشرب لأدبيات وفكر المذهب.

وهذا الموقف من الدولة والخروج المستمر عليها، سواء بشكل واضح كثورة 
أو كممارسة سياسية، ظهر حديثًا حتى أثناء وجود الأحزاب الدينية الشيعية في 
السلطة، بل حتى وهي تسيطر عليها؛ ومن يتابع سلوك حزب الله في لبنان 
وحزب الدعوة والمجلس الأعلى وجماعة الصدر في العراق يعلم هذا.

والملاحظ أنه في إيران هذا الوضع يختلف؛ لأن هناك ثقافة دولة عمرها
عشرات القرون، ولهذا؛ أحيا الخميني القول بولاية الفقيه كي يزاوج بين ثقافة 
الفارسي ووعيه بالدولة، وبين الذهنية الدينية الشيعية تجاه الدولة، ولإلباس 
رجل الدين جزءًا من قدسية وعصمة المهدي، حين أراد أن يحكم رجال الدين 
الدولة.


وكان عدم الاعتراف بالشرعية الدينية للدولة، ووجود الدولة في الطرف الخصم
يحتم البحث عن مؤسسة موازية، سلطة أخرى، يلوذ بها الفرد وتحقق له حاجاته
 وتحاول تحقيق مصلحته، ومصلحة الجماعة بحكم كونها مرجعية الجماعة 
المجمع منها على شرعيتها.

كان اللجوء إلى رجل الدين لتأدية وظيفة المرجعية السياسية مع دوره كمرجعية 
دينية. ولأن المال عصب أداء هذه الوظيفة؛ جاء (الخُمس) وفق الرأي الفقهي 
الشيعي. وأيضًا ساعد في ذلك امتلاك المرجع في المذهب الشيعي لإمكانية إلزام 
أتباعه بما يراه -دينيًا وسياسيًا- عن طريق (التكليف الشرعي). وحصرية الاتباع
 لآراء مرجع واحد مختار، وهذه الثلاثة أمور لا يمتلكها الفقيه السني، أعني 
الخمس وحصرية الاتباع والتكليف الشرعي، والتي جعلت دوره في حياة الفرد
 أقل من مثيله في الجانب الشيعي.



الدولة المتخيلة في الوجدان الديني الشيعي

لا توجد هناك دولة في التاريخ الماضي، وإن وجدت دويلات لكنها لم تحقق شيئًا 
مهمًا في وجدانه، لذا؛ فالدولة المثالية دولة الانتصارات والعزة لم تتحقق بعد
وهي موعود بها في المستقبل. فالتاريخ الماضي بالنسبة له، تاريخ مظالم ومجازر 
واضطهاد بحقه كفرد وجماعة -شعار حزب الله للعب على مشاعر أنصاره 
لمساندة بشار الأسد هو “زينب لن تُسبى مرتين”- لذا؛ يرى ذلك التاريخ بأنه 
مجموعة مظالم يجب ألا تعود، ويجب العمل على تغييره وكتابة تاريخ جديد
يتراوح ما بين الانتقام من ذلك التاريخ وبين منعه من العودة من الاستمرار.

ولذا لا يوجد فصل في التاريخ لدى المتدين الشيعي بين ماضٍ وحاضر ومستقبل

فما حدث في الماضي ما زال يحدث اليوم، “مؤامرة السقيفة” ما زالت تحدث كل
يوم. يزيد لم يمت، واليزيديون موجودون ويتصرفون بذات الطريقة (كل أرض 
كربلاء).

ولأن يزيد والأمويين موجودون، وما زالوا يمتلكون السلطة؛ فلا بد من مقاومتهم 
إما على شكل انتفاضة أو ثورة حين يكون الأمر متاحًا، أو مقاومة رمزية كما 
يحدث في عاشوراء (لإبقاء وهج الثورة مشتعلًا) لحين إمكان تحققها على أرض
 الواقع.


فالاحتفال بذكرى عاشوراء -كما أراه- ليس من أجل ذكرى الحسين رضي الله 

عنه التي حدثت في الماضي؛ بل من أجل المستقبل. من أجل إبقاء جذوة الثورة 
من من أتباع يزيد المتخيلين مشتعلة.


14‏/03‏/2015

موائمة النظريات والمفاهيم القيادية للبيئة العربية







موائمة النظريات والمفاهيم القيادية للبيئة العربية



عبدالخالق مرزوقي
نشر في موقع " قيادة"


"مايك، حاول أن تتوقف عن أن تملي علينا ما نقوم به واطلب منا أن نفكر كفريق 

متكامل في الكيفية التي نجتاز بها هذا الحاجز العنيد"

مايك المقصود هنا هو مايكل فينر، الخبير في القيادة ومؤلف كتاب ” آراء فينر في
القيادة ”وكان هذا الجزء نصيحة من احدى مساعداته، جعله يعيد النظر في مفهومه 
عن القيادة علىاساس أساس أن القائد هو “البطل الوحيد”، ويتجه إلى مزيد من 
مشاركة الآراء والحلول مع فريق عمله.

أورد هذه القصة للدخول عبرها إلى مدى التأثير الذى تحدثه العوامل الثقافية 
والإجتماعية ووعي الأفراد بحقوقهم في المشاركة من ناحية، وتأثيرها من ناحية 
اخرى على القادة بما يجعلهم اقل ميلا للتشبث بآرائهم في مواجهة آراء مرؤوسيهم. 
فمن وجهة نظر خاصة وإنعكاس كل ذلك على القيادة الإدارية كفكر وكسلوك للقائد.

ارى أن القادة الإداريين في العالم العربي مازالوا وبتأثير الثقافة الإجتماعية هم اكثر
ميلا للتشبث بآرائهم الشخصية واقل ميلا للمشاركة مع مرؤوسيهم في البحث عن 
حلول لمشاكل العمل اليومية.

واعتقد أن هذا الجانب المتعلق بتأثير البيئات الثقافية والإجتماعية على انماط السلوك القيادي لم تنل حقها بعد من البحث لدى الباحثين والدارسين لموضوع القيادة في 
العالم العربي، لكون الحديث عن موضوع القيادة لدينا يأخذ اتجاهين، هما:

- الإتجاه الأول يتناول موضوع القيادة من وجهة النظر العلمية الغربية. وهذا طبيعي كون الباحثين الغربيين متقدمون علميا واكاديميا في الكثير من المجالات. لذا يتم في العادة نقل العلوم والمفاهيم التي يمتلكونها كما هي بحيث نكون امام مجرد ترجمة 
دون اضافات حقيقة. ومما يؤسف له أن جامعاتنا العربية لا تولي موضوع القيادة الإهتمام الكافي حيث يعتبر يقدم كمادة تكميلية في التخصصات الإدارية.

- أما الإتجاه الثاني فيقوم بعمل معاكس، فيأخذ من الواقع والتراث الاسلامي ويركز 
عليه كقاعدةانطلاق ويستفيض في ذلك، ولا يهتم كثيرا بما وصل له الفكر الغربي 
في هذا المجال.

الطرفان في سعيهما للحديث عن موضوع القيادة يغفلان قضية هامة ينبغي التركيز 
عليها حين نريد تطبيق أي علم نظري له علاقة بالمجتمعات والسلوكيات والبيئات المختلفة وهو ضرورة موائمة العلم المراد تطبيقه للبيئة المحيطة، لأنه بخلاف ذلك 
يصبح ما هو مقدم عبارة عن علم نظري يفقد قدرا كبيرا من اهميته التطبيقية.

لذا من الضروري ربط العلوم الإجتماعية، وضرورة الإلمام بالخصائص الثقافية والسلوكية في أي مجتمع بالعلوم الإدارية، خاصة لدى الأكاديميين والباحثين، عن طريق زيادة نسبة دراسة تلك العلوم الإجتماعية والخصائص الثقافية والسلوكية للمجتمع. هذا ربما سبساهم في تأهيل المتخصصين الملمين بالفكر الإداري من ناحية وذوي الادارك الجيد لخصائص بيئاتهم، مما يحقق لنا اكبر استفادة ممكنة من تلك العلوم والنظريات الحديثة.


http://saudileadership.org/%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%84/

26‏/02‏/2015

طريقة القبعات الست في التفكير الابداعي


ملخص طريقة (( القبعات الست )) في التفكير 



 عبدالخالق المرزوقي 


مبتكرها الطبيب وعالم النفس "ادوارد دي بونو " يذكر أن التفكير لدى الإنسان له 

6 انماط ورمز دي بونو لكل نمط قبعة ذات لون معين، يتم لبسها بشكل تخيلي 
حسب طريقة التفكير في وقت محدد وبغض النظر عن الموضوع أو القضية 
المطروحة. 

ويتم كتابة كل نمط "قبعة" بشكل مستقل عن الآخر


لهذه الطريقة عدة اهداف اهمها :

1- تحديد اسس منهجية للتفكير
2- طريقة واضحة ومبسطة وفعالة تحقق فعالية كبيرة
3- المرونة في تغيير التفكير من نمط لآخر
4-الشمولية في الإلمام بكل الزوايا للموضوع المطلوب الوصول له.


القبعة البيضاء :

تعني التفكير المحايد، بمعنى وجود إجابات مباشرة ومحددة على
الاسئلة لا يهتم بالمشاعر الشخصية، يركز على الوقائع والأرقام
والإحصاءات المجردة.حين نفكر عبرها فإننا نبحث عن اجابة عدة

اسئلة مثل :
ما المعلومات التي نحتاجها ؟ اين نجدها ؟ كيف؟ ما هي الأسئلة
التي نريد طرحها؟ كيف نتأكد من الإجابات؟


القبعة الصفراء :

ترمز للتفكير الإيجابي،حين نفكر بها نكون إيجابيين،نركز على احتمالات 
النجاح نكون منطقيين بصورة ايجابية،نركز على الفرص واستغلالها والعائد 
الايجابي علينا من الموضوع المطروح أو القرار المتخذ.


القبعة السوداء :

ترمز للتفكير الحذر والسلبي، يتم التركيز على الأمور السلبية
وعوامل واحتمالات الخوف والفشل، والوقائع والاسباب المعيقة
يكون انتقاديا ويطرح الأسئلة المتشككة.


القبعة الحمراء :

تُعنى بالتفكير العاطفي،يهتم بالحدس والجوانب الإنسانية ويظهر مشاعره 
الخاصة تجاه الموضوع أو القضية،وبها يحكم بغض النظر عن الحقائق 
والمعطيات.


القبعة الخضراء :

ترمز للتفكير الإبداعي،يحرص على ايجاد الحلول سواء بشكلها
العادي أو الإبداعي - التفكير خارج الصندوق- يسعى للتطوير
والتغيير ومستعد للمخاطر ويتحمل النتائج يطرح الأفكار
والحلول الجديدة وطرق التنفيذ.


القبعة الزرقاء :

ترمز للتفكير المنظم،يتبع الخطوات المنهجية المرتبة، يتميز المفكر
بها بالمسؤولية والقدرة على التنظيم والإدارة ينصت لجميع الآراء
ويتبع ما يقنعه منها. تستخدم في الحكم بعد استعراض نتائج التفكير
للقبعات المختلفة.



مثال لإستخدام هذه الطريقة:



القضية أو الموضوع: اختيار دولة للابتعاث


1- استخدام القبعة البيضاء:

هل يتوفر فيها التخصص الذى اريد،مدى قوة التعليم في جامعاتها
ما هي الجامعات المعتمدة فيها،كيف تتم الدراسة، هل استطيع
تحمل الرسوم للدراسة وتكلفة المعيشة،هل الدولة مستقرة وآمنه
هل وسائل المواصلات والعلاج مؤمنه وجيدة، هل المجتمع ودود
وقابل للتعايش مع الغرباء.هل تتوفر فيها تسهيلات للطلاب الأجانب
هل توجد فيها سفارة،اذا لم يكن التخصص متوفرا وقويا في نفس البلد 
ما هي الدول البديلة،وما هي التخصصات البديلة في نفس البلد وغيرها
من الأسئلة.

ويجب ألا نكتفي بطرح الأسئلة بل نبحث عن الإجابات، ويجب أن
تكون واضحة ومحددة بنعم ولا، وبإرقام ومعللة، وبدون أي تأثير
للميل الشخصي


2-القبعة الصفراء :

سأجرب العيش في مجتمع جديد، تعلم لغة جديدة، التعرف على
عادات وثقافات اخرى، تعليم بمستوى ارقى،شهادة خارجية تؤمن
فرص عمل افضل، تفرغ للدراسة، الاحتكاك بتجارب متقدمة.


3-القبعة السوداء :

استطيع توفير مبالغ الدراسة للادخار إو الاستثمار حاليا وادرس
داخليا صعوبة التأقلم مع مجتمع اخر وعاداته وتقاليده، البعد
عن العائلة، بلدي اكثر امنا، التخصص الذى اريد متوفر داخليا
لا استطيع التمكن من اجادة لغة اخرى، لا استطيع التفرغ تماما
لعدة سنوات متواصلة


4-القبعة الحمراء :

احب السفر، احب اسلوب الحياة هناك، استطيع التمتع بأمور
مختلفة سأكون حرا في فعل ما اريد دون رقابة.


5- القبعة الخضراء :

هل احتاج للدراسة الجامعية أم اتجه مباشرة لسوق العمل بعد
التأهيل قبل الجامعي. هل استطيع دراسة التخصص في جامعات
اقوى خارجيا وبطريقة اقل تكلفة ماليا،ولا تتطلب العيش هناك
كالإنتساب والتعليم عن بعد واستثمر بقيه المال. هل ادرس
المرحلة الجامعية الأولى هنا ثم اسافر للتخصص فقط خارجيا
هل اكتفي بميزانية لدورات وكورسات تطويرية خارجية سنويا
في مجال التخصص مع استمراري في العمل.


6- القبعة الزرقاء :

تحليل بيانات القبعة البيضاء، الموازنة بين الايجابيات الموجودة
في القبعة الصفراء والسلبيات الموجودة في القبعة السوداء
اخذ الميل الشخصي " القبعة الحمراء" في الإعتبار، دراسة
الأفكار والحلول والبدائل الموجودة في القبعة الخضراء. ثم
الخروج بالنتيجة " القرار"

20‏/02‏/2015

الجسد والسلطة في السينما 2/1




عبدالله البياري
نشر في مجلة جدلية


لا ينج الحديث عن الثقافة والأدب والفنون، باعتبارهم "تعابير" ثقافية عن مجتمعاتها من سؤال "الجسد"، فإذا كان الفن يُنظر إليه "على أنه مرآة للقدرات البشرية في مرحلة تاريخية معينة، بوصفه الشكل المتفوق الذي تُعرف فيه ثقافة ما عن نفسها"، وجب علينا تناول تمثلات الجسد في كل هذه الأجناس الثقافية، باعتبارها أنماطًا خطابية، تعكس موضعه –الجسد- في الفكر والتعبير، وبالذات في عصر الصورة.


السينما، وهي مجال حديثنا هاهنا، تتأثر –كغيرها من أنماط الخطاب الثقافية- بانعكاسات الأوضاع الاقتصادية والسياسية والإجتماعية على الجسد، وبالذات في ظل هذا الهوس الحداثي به وبهندسته ورقابته والتضحية به إلى السماء، وتفجيره، وتراسيم الأفضلية والدونية الواقعتان عليه، وجنوسته وغير ذلك.

يقول دولوز عن قيمة السينما الموضوعية، أنها "تؤسس ادراكنا لأجسادنا، بطريقة تعيد إلينا إيماننا بالعالم، وبالعقل"، بل وأكثر من ذلك، فبالجسد تغرس فينا السينما بذورها الفلسفية، "متحالفًا مع الروح و الفكرة". وبالتالي فـ"الجسد" في السينما - أي جسد- هو جسد بالضرورة "سياسي"، وهو كذلك بفضل خاصية الحركة ماديًا ورمزيًا في زمن السرد السينمائي، وماتنتجه تلك الحركة من أفكار.
الأفلام السينمائية التي سنتناول فيها تداعيات أنساق ثقافية معينة على الجسد، والتداعيات المقابلة لها هما الفيلمين اليونانيين الطويلين:
 2009"Dogtooth" ليورغوس لانثيموس، و "Attenberg" 2010 لأثينا راشيل سانغاريس، وفيهما يمكننا تتبع البنية الفنية التي أشار إليها دولوز في تناوله للجسد الإنساني سينمائيًا، فكلا الفيلمين يتناولان الآثار المترتبة على الجسد من القوى الإجتماعية والتاريخية الخارجة عنه، من خلال مجموعة من المفاوضات العنفية و/أو الخطابية التي تتم بين الجسد والآخر من ناحية، وبين الجسد والذات من ناحية أخرى.
 وهو مايدفعنا إلى تفهم إصرار المخرجين على خلق صور لجسد إنساني "غريب" في أوضاعه وأصواته وتفاصيله وحركته، بل وعلاقاته بأجساد أخرى مقابلة وكيفية إدراك علاقاته الاجتماعية، بشكل وإن كان صادمًا في بعض المواقع إلا أنه جميل سرديًا (سينمائيًا)، لما يدفع المتلقي إلى مواقع في علاقته بالجسد الإنساني عامة والشخصي تارة إلى مواقع تأمل عميق.
في فيلم "Dogtooth" اليوناني، نرى عائلة مكونة من أب وأم وإبنتين وابن، يعيشون منعزلين في بيت فخم على أطراف المدينة التي يصر المخرج على إظاهرها مقارنة بجسد الأب في الصورة على أنها كبيرة جدًا، ومتوحشة صناعيًا، وهو ما نراه مقصودًا ليتأسس بشكل أعمق لدى المتلقي ما يريد السرد ايصاله وغرسه في عقل أفراد العائلة من أن العالم الخارجي متوحش وخطير جدًا (حتى القطة تمثل لهم خطرًا كبيرًا)، حتى أن الخروج من البيت يستلزم فقط سيارة، ولا يتحقق إلا حينما يفقد المرء "نابه" (وهنا سبب التسمية).
يبدأ الفيلم بتشويه لغوي مقصود، تتبين أهميته فيما بعد في هندسة إدراك أفراد العائلة لإعطاب وتوجيه إدراكهم لإخضاعهم لسلطة الأب بشكل أكبر، وهنا تظهر مختلف ديناميات السلطة و السيطرة بداة من مفاهيم الحيز العام والخاص، والجندر والخارج والداخل، فنرى مثلًا أن اللغة لدى الفتاتين وأخاهما، تمت إعادة هندستها من خلال الأب والأم، ما أدى إلى اعطاب إدراكهم (الابن والفتاتين، ويبدو أنهما بين ال17 و 20 عامًا) للعديد من الأشياء، كالمسافة، واللذة، والذات، وحتى الموسيقى، باعتبارها ناقلًا صوتيًا، يتم تشويه إدراكهم لها بالرقص، حيث أن الأب يغير كلمات الأغاني حسب ما يرتأيه هو، وبالتالي تتغير الإستجابة لحوامل المعنى المعاد توجيهه (كلمات الأغنية).
فنجد مثلًا، أن الفتاة الكبرى أعطت نفسها إسمًا، "بروس"، في حين أنهم لم يكونوا ينادونها بغير "الأخت الكبرى"، وإذا أعدنا الإشارة إلى أن "وجود الشيء تسميته"، فغياب اسمها (كأختها وأخاها) يعني غيابها ذاتيًا، وأنها باعطاءها إسمًا لنفسها، قد منحت لذاتها حيزًا من الوجود المُقاوم منتزعًا من سلطة اللغة أولًا، وسلطة الأب مانح التسمية ومانعها، الذي شكل اللغة ثانيًا (بالتواطؤ مع الأم)، وفي المقابل نجد أن السرد الأبوي/السلطوي/البطريركي وكجزء من هندسة ادراكهم للدخال والخارج والأنا والآخر والعام والخاص، يمنح لأخاهم المتخيل الذي يستخدمه الأب كأداة سيطرة عليهم، اسمًا، يُستخدم كقناة لبث الخوف من الآخر/الخارج.
بالعودة لموقع الجسد في الفيلم، يمكننا رؤية وقوعه تحت تعصب ووحشية الرأسمالية الصناعية في الفضاء العام/الخارجي بماديتها من ناحية، وتعصب السلطة الأبوية البطريركية في المنزل/الفضاء الخاص، من ناحية أخرى، وكلا السلطتان تهندسان الأجساد في السرد (والصورة):
 أولًا - رمزيًا : يتم طمس أجزاء من الجسد ليغدو"المهبل" "لمبة إضاءة" ، ويتحول "الزومبي" إلى "وردة صفراء" في الإدراك، وماديًا من خلال تقييد العلاقة بالذات من ناحية كالجنس الذي يفقد معناه ودلالاته في مشاهد جنسية غاية في البرودة، وبالتالي فغياب وطمس دور الجسد في فكرة الولادة جاء كنتيجة طبيعية لذلك القمع اللغوي، وذلك في رد فعل العائلة على خبر "حمل" الأم. وكما أن التصرفات الشبقية غدت فاقدة لأي معنى له علاقة بالمتعة؛ كذلك الإدراك الذاتي للجسد الإنساني، في غياب مفاهيم لغوية عن الكائنات الأخرى، حيث نرى في مرحلة ما أن العائلة تتدرب على النباح كالكلاب على جاثيين أربع، ليحموا أنفسهم من وحوش العالم الخارجي المتخيلة وهي القطط، ويدربهم الأب صاحب سلطة تشكيل اللغة و الجسد والإدراك، والآخر.
الجسد الواقع تحت كل هذا القمع اللغوي، والوجودي (متمثلًا في سادية الأب)، لا يمكن له إلا أن يغدو جسدًا "غريبًا/غرائبيًا"، ولعل مشهد الرقص على أنغام الموسيقى يؤسس لتلك المقاربة، ففي حين يعزب الشاب/الإبن لحنًا رتيبًا، تصاب احدى الفاتين (بروس) بحالة من الهيستيريا في الرقص، التي لم تستطع مجاراتها فيها أختها الصغرى، وياب الجسد هاهنا بحالة من شدة الغرابة مقارنة بالموسيقى الرتيبة، وهو ما يثير لدى المتلقي في ذلك المشهد الطويل حالة من الضغط المتكون بتزايد عنف وكثافة الرقص، ولكن تلك الحالة لم تستثر أفراد العائلة إلا متأخرًا، حتى تنهار الفتاة برغم إصرارها على المتابعة، وتنهمك بنهم في أكل الحلوى. إلى إن هذا الجسد الواقع تحت سلطة قمعية إدراكية، تقمعه داخليًا/ماديًا وليس فقط خارجيًا/ماديًا فقط، حتى حينما يقرر الهرب من هذا السجن المنزلي، لا تفعل الفتاة (بروس) ذلك مباشرة ولكنها تكسر بسادية مغروسة من السلطة/الأب نابها في مشهد عنيف، مستخدمة الأوزان الرياضية، وفي مشهد يؤكد تغلغل السلطة في العقل، يجثو أفراد العائلة على أربع لينبحوا ليحموا الأب الذي خرج على قدميه باحثًا عن ابنته الهاربة.
لا يتوقف العنف الرمزي والمادي الواقع على الجسد على هذا فقط، فصناعة الصورة تؤسس للمزيد منه في الفيلم، ففي مشهد صنع سينمائيًا بدقة وحرفية عالية، حيث تتركز الكامير (عين المتلقي) على جسدي الفتاتين، يلعبان لعبة "التخدير"، فيغدو الجسد كاملًا أداة عبث، تؤدي لغيابه، وذلك لأن مفهوم الغياب والخدر معطوبان لغويًا في سرد يبدأ بمقولة : "كلمة (بحر) تعني كرسي"، من مشهده الأول. ويستمر العبث بالجسد وإدراكه، وصولًا إلى مشهد تتقمص فيه "بروس" شخصية "روكي بالبوا" من فيم روكي (4)، والذي قايضته مقابل متعة جنسية فارغة مع حارسة الأمن التي تعمل لدى الأب، وهو ما استلزم عقابًا ساديًا من الأب صاحب الحق في الأجساد كلها، أوقعه على الإثنتين: بروس وحارسة الأمن في مشهد عنيف وصادم. والمشهد السينمائي مصمم بحيث يضع المتلقي/المشاهد قريبًا جدًا من الجسد وكأنه فكرة (روكي) التي تتقمصها "بروس".

أما في فيلم "Attenberg" لأثينا رايتشل سانغاريس، فيرتبط فيه الجسد، بالنسق المديني وتطوره كفكرة، في مدينة صغيرة على ساحل البحر، تأكلها المصانع، جاعلة من حالة التضاد الفجة بين الطبيعة الجميلة في البر الأخضر بسهوله والجبال العالية والمساحات المفتوحة والبحر والسماء الزرقاوان، والمحيط الصناعي الحداثي المفرط الصلابة من حيث منازل وبيوت متطابقة في الشكل واللون، حادة الزوايا، خطّية الامتدادات، ومصانع ضخمة ذات لون رمادي أو بني أقرب للموت، هو امتداد معاكس مضامينيًا للراقبة على الجسد، فالفتاة إبنة الرجل الذي تأمل كثيرًا في ثورة يونانية خانته وخانت قناعاته بالتحرر، وأورثت مدينته القبح الصناعي الرأسمالي البرجوازي، لم ترث من أبيها الذي قارب موته أي طريقة للدفاع عن نفسها من هذا التوحس المحيط بها، فبقدر ما كان الأب في "Dogtooth" قمعيًا وسلوطيًا، فوالد هذه الفتاة يبدو يائسًا متخليًا تمامًا عن سلطته الأبوية وسلطته على جسده حتى تلك الجندرية على الإبنة، وهو مايبدو صادمًا في أحاديثهما عن الأعضاء الجنسية والإشتهاء المتبادل (من عدمه) والعلاقات الجنسية، وتابوهات علاقات الدم.
هذا الفيلم كسابقه يستثير في المتلقي نفسيًا مفهوم "الغرابة/ das Unheimliche/UnCanny" الفرويدي (نسبة لفرويد)، وذلك بدرجة تفرض تحررًا من الكليشيه السينمائي الذي موضع "الجسد الغريب" فقط في أفلام الرعب. فالجسد هاهنا غريب حتى في علاقته مع ذاته، وإدراكه لها، مثل ما تبرزه مشاهد تقليد الحيوانات حركيًا وجسديًا التي تقوم بها الفتاة في الفيلم، إستنادًا إلى مرجعية مثلتها لها الأفلام الوثائقية عن الحيوانات ورقصها. فكذلك كما يذهب كاموس وبياجيه وهيديغر في مَنطَّقةِ "الغريب"، باعتباره ما شابه أو ما إرتبط حميميًا بمشاعر غريبة"، صناعة الصورة في هذا الفيلم تلقي بالمتلقي باعتباره طرفًا سلبيًا، في حالة من التيه وغياب المعنى عن الإدراك، وليس غيابه بالمطلق، وهنا تمكن صعوبة الفيلم/السرد، وذلك بين عناصر مختلفة: الجسد، المادة، الفكرة ، التمثل، والسرد. تعيدنا استراتيجيات توظيف هذه "الغرابة" سينمائيًا، إلى ما أسماه دولوز في تأملاته عن السينما إلى فكرة "جمالية الخطأ"، و التي تلقي بظلالها على كل أنواع الفنون، (ولعل مثالها الأبرز روائيًا، آنا كارينينا)، جمالية الخطأ هذه، تنفتح على تنوع في التمثلات، بما يغني مفهوم التلقي، لأفق مفتوح لا يقوم على المسلمات والحقائق والإدراكات الجمعية الثابتة، بل يقوم المعنى فيه على الغير أكيد، والملتبس، والغير دائم، والغير مفهوم.

تسير مارينا (الإبنة) مع بيلا (صديقتها المفضلة، في فستانين متماثلين في الشكل لا اللون، بحركات تبدو غريبة وإن متعاقبة، لتؤكد لدى المتلقي سلطة العقل على الجسد حتى في أبسط حقوقه وحرياته وهي الحركة، فتغدو حركتهما غير مفهومة، وبالذات بعد وضع تعقبات الحركة تلك ضمن خلفية حادة وهي المدينة التي تتآكلها الخطوط الحادة، والموت الصناعي، وهذا التضاد بين الحركتين الحرة و المعقلنة، يصل للمتلقي وكأنه فضح لمفهوم السلطة على الجسد، بالمنطق الفوكوي.

تعيدنا مشاهد المشي الراقص المتعاقب الحر للفتاتين، إلى إرث إدوارد مويبرديج، العالم البريطاني الذي أسس لمفهوم تعاقب الصورة في الزمن ما يعطي السرد جسدًا (أنظر الصورة)، وهي الفكرة العضوية الأساس التي تقوم عليها السينما، من حيث هي أجساد ثابتة في صور متحركة زمنيًا، تعاقبيًا. 


تتواطأ الصورة مع الفكرة في الفيلم على المتلقي، فتقحمه –فعليًا- في "غرابة الجسد"، ففي المشهد حيث تعري مارينا، ظهرها، لتحرك عظمتي "لوح الكتف" لصديقتها، تقترب الصورة سريعًا من جسده، وكأن الصورة تدفع المتلقي (العين الثالثة/الرائية) إلى اقتحام ذلك الجسد الغريب، في مشهد قريب "Close Up"، ما يؤدي لإنهيار الخلفية تمامًا، سواءًا المكان، حيث توجد الفتاتان، أو حتى وجود بيلا (الفتاة الثانية) في المكان، وهنا يصبح المعنى كاملًا للغرابة، متمثلًا بالجسد، دون السياق الذي يحويه. وهو مايحقق مقولة دولوز "الصورة المؤثرة"، حيث تنفصل الصورة كاملة عن السرد المكاني و المادي و المعنوي المحيط بها، وتغدو هي وحدها المعنى. وتستمر الغرابة حتى في العلاقة الجنسية، حيث أن تلك الأخيرة، والتي تبدو مسلمة طقوسية لدى البشر، مفتوحة على عديد الغرائب في الخيالات، تغدو صدمة لجسد لا يعرف حدوده ولا تداعياته، كمشهد الجنس بين بيلا والشاب الذي رغبته، تلك الرغبة التي لم تفسر لها (وللمتلقي) لماذا لم تفصح عن وجوده في حياتها لأحد، إلا لأسباب لا تتعلق به في ذاته، بل بغيره، فهي تخاف من صديقتها بيلا أن "تسرقه" منها، في حين أنها أقرت بأنه لا يحبها. وهو ما نراه امتدادًا لخفة العلاقة بين مارينا والجسد إجمالًا، مادفعها إلى التأكد من حلم راود صديقتها عن شجرة صبار تنبت أعضاءً ذكورية، في حين أن ذلك لم يستثرها، ولم تنجه شجرتها هي في الحلم، والتي تزهر أثداءً أنثوية أن تترك عليها إنطباعًا جنوسيًا مغايرًا.
 وامعانًا في تحرير الجسد وخفته المتهافتة، يأتي موت الأب كمثال لإنهيار المعنى ككل، معنى الحضارة التي لا تتوقف أما الجسد و الروح، فتطالب إدارة المستشفى مارينا أن "تنظف" الغرفة من متعلقاته، ويناقشه "وكيل الدفن" عن إجراءات الدفن وكأنها عملية عرض سلعة وتوابيت وجرار، ويتم شحن الجسد الميت في صندوق بضائع، وكأنه لا معنى له، مادفع مارينا لأن تطلب من صديقتها بيلا ممارسة الجنس مع أبيها قبل موته، لتحقق للجسد البارد، كالمدينة الباردة حلمًا أخيرًا، لأب قال لإبنته قبل وفاته: "لم أترك لك شيئًا تدافعين به عن نفسك".