14‏/03‏/2015

موائمة النظريات والمفاهيم القيادية للبيئة العربية







موائمة النظريات والمفاهيم القيادية للبيئة العربية



عبدالخالق مرزوقي
نشر في موقع " قيادة"


"مايك، حاول أن تتوقف عن أن تملي علينا ما نقوم به واطلب منا أن نفكر كفريق 

متكامل في الكيفية التي نجتاز بها هذا الحاجز العنيد"

مايك المقصود هنا هو مايكل فينر، الخبير في القيادة ومؤلف كتاب ” آراء فينر في
القيادة ”وكان هذا الجزء نصيحة من احدى مساعداته، جعله يعيد النظر في مفهومه 
عن القيادة علىاساس أساس أن القائد هو “البطل الوحيد”، ويتجه إلى مزيد من 
مشاركة الآراء والحلول مع فريق عمله.

أورد هذه القصة للدخول عبرها إلى مدى التأثير الذى تحدثه العوامل الثقافية 
والإجتماعية ووعي الأفراد بحقوقهم في المشاركة من ناحية، وتأثيرها من ناحية 
اخرى على القادة بما يجعلهم اقل ميلا للتشبث بآرائهم في مواجهة آراء مرؤوسيهم. 
فمن وجهة نظر خاصة وإنعكاس كل ذلك على القيادة الإدارية كفكر وكسلوك للقائد.

ارى أن القادة الإداريين في العالم العربي مازالوا وبتأثير الثقافة الإجتماعية هم اكثر
ميلا للتشبث بآرائهم الشخصية واقل ميلا للمشاركة مع مرؤوسيهم في البحث عن 
حلول لمشاكل العمل اليومية.

واعتقد أن هذا الجانب المتعلق بتأثير البيئات الثقافية والإجتماعية على انماط السلوك القيادي لم تنل حقها بعد من البحث لدى الباحثين والدارسين لموضوع القيادة في 
العالم العربي، لكون الحديث عن موضوع القيادة لدينا يأخذ اتجاهين، هما:

- الإتجاه الأول يتناول موضوع القيادة من وجهة النظر العلمية الغربية. وهذا طبيعي كون الباحثين الغربيين متقدمون علميا واكاديميا في الكثير من المجالات. لذا يتم في العادة نقل العلوم والمفاهيم التي يمتلكونها كما هي بحيث نكون امام مجرد ترجمة 
دون اضافات حقيقة. ومما يؤسف له أن جامعاتنا العربية لا تولي موضوع القيادة الإهتمام الكافي حيث يعتبر يقدم كمادة تكميلية في التخصصات الإدارية.

- أما الإتجاه الثاني فيقوم بعمل معاكس، فيأخذ من الواقع والتراث الاسلامي ويركز 
عليه كقاعدةانطلاق ويستفيض في ذلك، ولا يهتم كثيرا بما وصل له الفكر الغربي 
في هذا المجال.

الطرفان في سعيهما للحديث عن موضوع القيادة يغفلان قضية هامة ينبغي التركيز 
عليها حين نريد تطبيق أي علم نظري له علاقة بالمجتمعات والسلوكيات والبيئات المختلفة وهو ضرورة موائمة العلم المراد تطبيقه للبيئة المحيطة، لأنه بخلاف ذلك 
يصبح ما هو مقدم عبارة عن علم نظري يفقد قدرا كبيرا من اهميته التطبيقية.

لذا من الضروري ربط العلوم الإجتماعية، وضرورة الإلمام بالخصائص الثقافية والسلوكية في أي مجتمع بالعلوم الإدارية، خاصة لدى الأكاديميين والباحثين، عن طريق زيادة نسبة دراسة تلك العلوم الإجتماعية والخصائص الثقافية والسلوكية للمجتمع. هذا ربما سبساهم في تأهيل المتخصصين الملمين بالفكر الإداري من ناحية وذوي الادارك الجيد لخصائص بيئاتهم، مما يحقق لنا اكبر استفادة ممكنة من تلك العلوم والنظريات الحديثة.


http://saudileadership.org/%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%84/

26‏/02‏/2015

طريقة القبعات الست في التفكير الابداعي


ملخص طريقة (( القبعات الست )) في التفكير 



 عبدالخالق المرزوقي 


مبتكرها الطبيب وعالم النفس "ادوارد دي بونو " يذكر أن التفكير لدى الإنسان له 

6 انماط ورمز دي بونو لكل نمط قبعة ذات لون معين، يتم لبسها بشكل تخيلي 
حسب طريقة التفكير في وقت محدد وبغض النظر عن الموضوع أو القضية 
المطروحة. 

ويتم كتابة كل نمط "قبعة" بشكل مستقل عن الآخر


لهذه الطريقة عدة اهداف اهمها :

1- تحديد اسس منهجية للتفكير
2- طريقة واضحة ومبسطة وفعالة تحقق فعالية كبيرة
3- المرونة في تغيير التفكير من نمط لآخر
4-الشمولية في الإلمام بكل الزوايا للموضوع المطلوب الوصول له.


القبعة البيضاء :

تعني التفكير المحايد، بمعنى وجود إجابات مباشرة ومحددة على
الاسئلة لا يهتم بالمشاعر الشخصية، يركز على الوقائع والأرقام
والإحصاءات المجردة.حين نفكر عبرها فإننا نبحث عن اجابة عدة

اسئلة مثل :
ما المعلومات التي نحتاجها ؟ اين نجدها ؟ كيف؟ ما هي الأسئلة
التي نريد طرحها؟ كيف نتأكد من الإجابات؟


القبعة الصفراء :

ترمز للتفكير الإيجابي،حين نفكر بها نكون إيجابيين،نركز على احتمالات 
النجاح نكون منطقيين بصورة ايجابية،نركز على الفرص واستغلالها والعائد 
الايجابي علينا من الموضوع المطروح أو القرار المتخذ.


القبعة السوداء :

ترمز للتفكير الحذر والسلبي، يتم التركيز على الأمور السلبية
وعوامل واحتمالات الخوف والفشل، والوقائع والاسباب المعيقة
يكون انتقاديا ويطرح الأسئلة المتشككة.


القبعة الحمراء :

تُعنى بالتفكير العاطفي،يهتم بالحدس والجوانب الإنسانية ويظهر مشاعره 
الخاصة تجاه الموضوع أو القضية،وبها يحكم بغض النظر عن الحقائق 
والمعطيات.


القبعة الخضراء :

ترمز للتفكير الإبداعي،يحرص على ايجاد الحلول سواء بشكلها
العادي أو الإبداعي - التفكير خارج الصندوق- يسعى للتطوير
والتغيير ومستعد للمخاطر ويتحمل النتائج يطرح الأفكار
والحلول الجديدة وطرق التنفيذ.


القبعة الزرقاء :

ترمز للتفكير المنظم،يتبع الخطوات المنهجية المرتبة، يتميز المفكر
بها بالمسؤولية والقدرة على التنظيم والإدارة ينصت لجميع الآراء
ويتبع ما يقنعه منها. تستخدم في الحكم بعد استعراض نتائج التفكير
للقبعات المختلفة.



مثال لإستخدام هذه الطريقة:



القضية أو الموضوع: اختيار دولة للابتعاث


1- استخدام القبعة البيضاء:

هل يتوفر فيها التخصص الذى اريد،مدى قوة التعليم في جامعاتها
ما هي الجامعات المعتمدة فيها،كيف تتم الدراسة، هل استطيع
تحمل الرسوم للدراسة وتكلفة المعيشة،هل الدولة مستقرة وآمنه
هل وسائل المواصلات والعلاج مؤمنه وجيدة، هل المجتمع ودود
وقابل للتعايش مع الغرباء.هل تتوفر فيها تسهيلات للطلاب الأجانب
هل توجد فيها سفارة،اذا لم يكن التخصص متوفرا وقويا في نفس البلد 
ما هي الدول البديلة،وما هي التخصصات البديلة في نفس البلد وغيرها
من الأسئلة.

ويجب ألا نكتفي بطرح الأسئلة بل نبحث عن الإجابات، ويجب أن
تكون واضحة ومحددة بنعم ولا، وبإرقام ومعللة، وبدون أي تأثير
للميل الشخصي


2-القبعة الصفراء :

سأجرب العيش في مجتمع جديد، تعلم لغة جديدة، التعرف على
عادات وثقافات اخرى، تعليم بمستوى ارقى،شهادة خارجية تؤمن
فرص عمل افضل، تفرغ للدراسة، الاحتكاك بتجارب متقدمة.


3-القبعة السوداء :

استطيع توفير مبالغ الدراسة للادخار إو الاستثمار حاليا وادرس
داخليا صعوبة التأقلم مع مجتمع اخر وعاداته وتقاليده، البعد
عن العائلة، بلدي اكثر امنا، التخصص الذى اريد متوفر داخليا
لا استطيع التمكن من اجادة لغة اخرى، لا استطيع التفرغ تماما
لعدة سنوات متواصلة


4-القبعة الحمراء :

احب السفر، احب اسلوب الحياة هناك، استطيع التمتع بأمور
مختلفة سأكون حرا في فعل ما اريد دون رقابة.


5- القبعة الخضراء :

هل احتاج للدراسة الجامعية أم اتجه مباشرة لسوق العمل بعد
التأهيل قبل الجامعي. هل استطيع دراسة التخصص في جامعات
اقوى خارجيا وبطريقة اقل تكلفة ماليا،ولا تتطلب العيش هناك
كالإنتساب والتعليم عن بعد واستثمر بقيه المال. هل ادرس
المرحلة الجامعية الأولى هنا ثم اسافر للتخصص فقط خارجيا
هل اكتفي بميزانية لدورات وكورسات تطويرية خارجية سنويا
في مجال التخصص مع استمراري في العمل.


6- القبعة الزرقاء :

تحليل بيانات القبعة البيضاء، الموازنة بين الايجابيات الموجودة
في القبعة الصفراء والسلبيات الموجودة في القبعة السوداء
اخذ الميل الشخصي " القبعة الحمراء" في الإعتبار، دراسة
الأفكار والحلول والبدائل الموجودة في القبعة الخضراء. ثم
الخروج بالنتيجة " القرار"

20‏/02‏/2015

الجسد والسلطة في السينما 2/1




عبدالله البياري
نشر في مجلة جدلية


لا ينج الحديث عن الثقافة والأدب والفنون، باعتبارهم "تعابير" ثقافية عن مجتمعاتها من سؤال "الجسد"، فإذا كان الفن يُنظر إليه "على أنه مرآة للقدرات البشرية في مرحلة تاريخية معينة، بوصفه الشكل المتفوق الذي تُعرف فيه ثقافة ما عن نفسها"، وجب علينا تناول تمثلات الجسد في كل هذه الأجناس الثقافية، باعتبارها أنماطًا خطابية، تعكس موضعه –الجسد- في الفكر والتعبير، وبالذات في عصر الصورة.


السينما، وهي مجال حديثنا هاهنا، تتأثر –كغيرها من أنماط الخطاب الثقافية- بانعكاسات الأوضاع الاقتصادية والسياسية والإجتماعية على الجسد، وبالذات في ظل هذا الهوس الحداثي به وبهندسته ورقابته والتضحية به إلى السماء، وتفجيره، وتراسيم الأفضلية والدونية الواقعتان عليه، وجنوسته وغير ذلك.

يقول دولوز عن قيمة السينما الموضوعية، أنها "تؤسس ادراكنا لأجسادنا، بطريقة تعيد إلينا إيماننا بالعالم، وبالعقل"، بل وأكثر من ذلك، فبالجسد تغرس فينا السينما بذورها الفلسفية، "متحالفًا مع الروح و الفكرة". وبالتالي فـ"الجسد" في السينما - أي جسد- هو جسد بالضرورة "سياسي"، وهو كذلك بفضل خاصية الحركة ماديًا ورمزيًا في زمن السرد السينمائي، وماتنتجه تلك الحركة من أفكار.
الأفلام السينمائية التي سنتناول فيها تداعيات أنساق ثقافية معينة على الجسد، والتداعيات المقابلة لها هما الفيلمين اليونانيين الطويلين:
 2009"Dogtooth" ليورغوس لانثيموس، و "Attenberg" 2010 لأثينا راشيل سانغاريس، وفيهما يمكننا تتبع البنية الفنية التي أشار إليها دولوز في تناوله للجسد الإنساني سينمائيًا، فكلا الفيلمين يتناولان الآثار المترتبة على الجسد من القوى الإجتماعية والتاريخية الخارجة عنه، من خلال مجموعة من المفاوضات العنفية و/أو الخطابية التي تتم بين الجسد والآخر من ناحية، وبين الجسد والذات من ناحية أخرى.
 وهو مايدفعنا إلى تفهم إصرار المخرجين على خلق صور لجسد إنساني "غريب" في أوضاعه وأصواته وتفاصيله وحركته، بل وعلاقاته بأجساد أخرى مقابلة وكيفية إدراك علاقاته الاجتماعية، بشكل وإن كان صادمًا في بعض المواقع إلا أنه جميل سرديًا (سينمائيًا)، لما يدفع المتلقي إلى مواقع في علاقته بالجسد الإنساني عامة والشخصي تارة إلى مواقع تأمل عميق.
في فيلم "Dogtooth" اليوناني، نرى عائلة مكونة من أب وأم وإبنتين وابن، يعيشون منعزلين في بيت فخم على أطراف المدينة التي يصر المخرج على إظاهرها مقارنة بجسد الأب في الصورة على أنها كبيرة جدًا، ومتوحشة صناعيًا، وهو ما نراه مقصودًا ليتأسس بشكل أعمق لدى المتلقي ما يريد السرد ايصاله وغرسه في عقل أفراد العائلة من أن العالم الخارجي متوحش وخطير جدًا (حتى القطة تمثل لهم خطرًا كبيرًا)، حتى أن الخروج من البيت يستلزم فقط سيارة، ولا يتحقق إلا حينما يفقد المرء "نابه" (وهنا سبب التسمية).
يبدأ الفيلم بتشويه لغوي مقصود، تتبين أهميته فيما بعد في هندسة إدراك أفراد العائلة لإعطاب وتوجيه إدراكهم لإخضاعهم لسلطة الأب بشكل أكبر، وهنا تظهر مختلف ديناميات السلطة و السيطرة بداة من مفاهيم الحيز العام والخاص، والجندر والخارج والداخل، فنرى مثلًا أن اللغة لدى الفتاتين وأخاهما، تمت إعادة هندستها من خلال الأب والأم، ما أدى إلى اعطاب إدراكهم (الابن والفتاتين، ويبدو أنهما بين ال17 و 20 عامًا) للعديد من الأشياء، كالمسافة، واللذة، والذات، وحتى الموسيقى، باعتبارها ناقلًا صوتيًا، يتم تشويه إدراكهم لها بالرقص، حيث أن الأب يغير كلمات الأغاني حسب ما يرتأيه هو، وبالتالي تتغير الإستجابة لحوامل المعنى المعاد توجيهه (كلمات الأغنية).
فنجد مثلًا، أن الفتاة الكبرى أعطت نفسها إسمًا، "بروس"، في حين أنهم لم يكونوا ينادونها بغير "الأخت الكبرى"، وإذا أعدنا الإشارة إلى أن "وجود الشيء تسميته"، فغياب اسمها (كأختها وأخاها) يعني غيابها ذاتيًا، وأنها باعطاءها إسمًا لنفسها، قد منحت لذاتها حيزًا من الوجود المُقاوم منتزعًا من سلطة اللغة أولًا، وسلطة الأب مانح التسمية ومانعها، الذي شكل اللغة ثانيًا (بالتواطؤ مع الأم)، وفي المقابل نجد أن السرد الأبوي/السلطوي/البطريركي وكجزء من هندسة ادراكهم للدخال والخارج والأنا والآخر والعام والخاص، يمنح لأخاهم المتخيل الذي يستخدمه الأب كأداة سيطرة عليهم، اسمًا، يُستخدم كقناة لبث الخوف من الآخر/الخارج.
بالعودة لموقع الجسد في الفيلم، يمكننا رؤية وقوعه تحت تعصب ووحشية الرأسمالية الصناعية في الفضاء العام/الخارجي بماديتها من ناحية، وتعصب السلطة الأبوية البطريركية في المنزل/الفضاء الخاص، من ناحية أخرى، وكلا السلطتان تهندسان الأجساد في السرد (والصورة):
 أولًا - رمزيًا : يتم طمس أجزاء من الجسد ليغدو"المهبل" "لمبة إضاءة" ، ويتحول "الزومبي" إلى "وردة صفراء" في الإدراك، وماديًا من خلال تقييد العلاقة بالذات من ناحية كالجنس الذي يفقد معناه ودلالاته في مشاهد جنسية غاية في البرودة، وبالتالي فغياب وطمس دور الجسد في فكرة الولادة جاء كنتيجة طبيعية لذلك القمع اللغوي، وذلك في رد فعل العائلة على خبر "حمل" الأم. وكما أن التصرفات الشبقية غدت فاقدة لأي معنى له علاقة بالمتعة؛ كذلك الإدراك الذاتي للجسد الإنساني، في غياب مفاهيم لغوية عن الكائنات الأخرى، حيث نرى في مرحلة ما أن العائلة تتدرب على النباح كالكلاب على جاثيين أربع، ليحموا أنفسهم من وحوش العالم الخارجي المتخيلة وهي القطط، ويدربهم الأب صاحب سلطة تشكيل اللغة و الجسد والإدراك، والآخر.
الجسد الواقع تحت كل هذا القمع اللغوي، والوجودي (متمثلًا في سادية الأب)، لا يمكن له إلا أن يغدو جسدًا "غريبًا/غرائبيًا"، ولعل مشهد الرقص على أنغام الموسيقى يؤسس لتلك المقاربة، ففي حين يعزب الشاب/الإبن لحنًا رتيبًا، تصاب احدى الفاتين (بروس) بحالة من الهيستيريا في الرقص، التي لم تستطع مجاراتها فيها أختها الصغرى، وياب الجسد هاهنا بحالة من شدة الغرابة مقارنة بالموسيقى الرتيبة، وهو ما يثير لدى المتلقي في ذلك المشهد الطويل حالة من الضغط المتكون بتزايد عنف وكثافة الرقص، ولكن تلك الحالة لم تستثر أفراد العائلة إلا متأخرًا، حتى تنهار الفتاة برغم إصرارها على المتابعة، وتنهمك بنهم في أكل الحلوى. إلى إن هذا الجسد الواقع تحت سلطة قمعية إدراكية، تقمعه داخليًا/ماديًا وليس فقط خارجيًا/ماديًا فقط، حتى حينما يقرر الهرب من هذا السجن المنزلي، لا تفعل الفتاة (بروس) ذلك مباشرة ولكنها تكسر بسادية مغروسة من السلطة/الأب نابها في مشهد عنيف، مستخدمة الأوزان الرياضية، وفي مشهد يؤكد تغلغل السلطة في العقل، يجثو أفراد العائلة على أربع لينبحوا ليحموا الأب الذي خرج على قدميه باحثًا عن ابنته الهاربة.
لا يتوقف العنف الرمزي والمادي الواقع على الجسد على هذا فقط، فصناعة الصورة تؤسس للمزيد منه في الفيلم، ففي مشهد صنع سينمائيًا بدقة وحرفية عالية، حيث تتركز الكامير (عين المتلقي) على جسدي الفتاتين، يلعبان لعبة "التخدير"، فيغدو الجسد كاملًا أداة عبث، تؤدي لغيابه، وذلك لأن مفهوم الغياب والخدر معطوبان لغويًا في سرد يبدأ بمقولة : "كلمة (بحر) تعني كرسي"، من مشهده الأول. ويستمر العبث بالجسد وإدراكه، وصولًا إلى مشهد تتقمص فيه "بروس" شخصية "روكي بالبوا" من فيم روكي (4)، والذي قايضته مقابل متعة جنسية فارغة مع حارسة الأمن التي تعمل لدى الأب، وهو ما استلزم عقابًا ساديًا من الأب صاحب الحق في الأجساد كلها، أوقعه على الإثنتين: بروس وحارسة الأمن في مشهد عنيف وصادم. والمشهد السينمائي مصمم بحيث يضع المتلقي/المشاهد قريبًا جدًا من الجسد وكأنه فكرة (روكي) التي تتقمصها "بروس".

أما في فيلم "Attenberg" لأثينا رايتشل سانغاريس، فيرتبط فيه الجسد، بالنسق المديني وتطوره كفكرة، في مدينة صغيرة على ساحل البحر، تأكلها المصانع، جاعلة من حالة التضاد الفجة بين الطبيعة الجميلة في البر الأخضر بسهوله والجبال العالية والمساحات المفتوحة والبحر والسماء الزرقاوان، والمحيط الصناعي الحداثي المفرط الصلابة من حيث منازل وبيوت متطابقة في الشكل واللون، حادة الزوايا، خطّية الامتدادات، ومصانع ضخمة ذات لون رمادي أو بني أقرب للموت، هو امتداد معاكس مضامينيًا للراقبة على الجسد، فالفتاة إبنة الرجل الذي تأمل كثيرًا في ثورة يونانية خانته وخانت قناعاته بالتحرر، وأورثت مدينته القبح الصناعي الرأسمالي البرجوازي، لم ترث من أبيها الذي قارب موته أي طريقة للدفاع عن نفسها من هذا التوحس المحيط بها، فبقدر ما كان الأب في "Dogtooth" قمعيًا وسلوطيًا، فوالد هذه الفتاة يبدو يائسًا متخليًا تمامًا عن سلطته الأبوية وسلطته على جسده حتى تلك الجندرية على الإبنة، وهو مايبدو صادمًا في أحاديثهما عن الأعضاء الجنسية والإشتهاء المتبادل (من عدمه) والعلاقات الجنسية، وتابوهات علاقات الدم.
هذا الفيلم كسابقه يستثير في المتلقي نفسيًا مفهوم "الغرابة/ das Unheimliche/UnCanny" الفرويدي (نسبة لفرويد)، وذلك بدرجة تفرض تحررًا من الكليشيه السينمائي الذي موضع "الجسد الغريب" فقط في أفلام الرعب. فالجسد هاهنا غريب حتى في علاقته مع ذاته، وإدراكه لها، مثل ما تبرزه مشاهد تقليد الحيوانات حركيًا وجسديًا التي تقوم بها الفتاة في الفيلم، إستنادًا إلى مرجعية مثلتها لها الأفلام الوثائقية عن الحيوانات ورقصها. فكذلك كما يذهب كاموس وبياجيه وهيديغر في مَنطَّقةِ "الغريب"، باعتباره ما شابه أو ما إرتبط حميميًا بمشاعر غريبة"، صناعة الصورة في هذا الفيلم تلقي بالمتلقي باعتباره طرفًا سلبيًا، في حالة من التيه وغياب المعنى عن الإدراك، وليس غيابه بالمطلق، وهنا تمكن صعوبة الفيلم/السرد، وذلك بين عناصر مختلفة: الجسد، المادة، الفكرة ، التمثل، والسرد. تعيدنا استراتيجيات توظيف هذه "الغرابة" سينمائيًا، إلى ما أسماه دولوز في تأملاته عن السينما إلى فكرة "جمالية الخطأ"، و التي تلقي بظلالها على كل أنواع الفنون، (ولعل مثالها الأبرز روائيًا، آنا كارينينا)، جمالية الخطأ هذه، تنفتح على تنوع في التمثلات، بما يغني مفهوم التلقي، لأفق مفتوح لا يقوم على المسلمات والحقائق والإدراكات الجمعية الثابتة، بل يقوم المعنى فيه على الغير أكيد، والملتبس، والغير دائم، والغير مفهوم.

تسير مارينا (الإبنة) مع بيلا (صديقتها المفضلة، في فستانين متماثلين في الشكل لا اللون، بحركات تبدو غريبة وإن متعاقبة، لتؤكد لدى المتلقي سلطة العقل على الجسد حتى في أبسط حقوقه وحرياته وهي الحركة، فتغدو حركتهما غير مفهومة، وبالذات بعد وضع تعقبات الحركة تلك ضمن خلفية حادة وهي المدينة التي تتآكلها الخطوط الحادة، والموت الصناعي، وهذا التضاد بين الحركتين الحرة و المعقلنة، يصل للمتلقي وكأنه فضح لمفهوم السلطة على الجسد، بالمنطق الفوكوي.

تعيدنا مشاهد المشي الراقص المتعاقب الحر للفتاتين، إلى إرث إدوارد مويبرديج، العالم البريطاني الذي أسس لمفهوم تعاقب الصورة في الزمن ما يعطي السرد جسدًا (أنظر الصورة)، وهي الفكرة العضوية الأساس التي تقوم عليها السينما، من حيث هي أجساد ثابتة في صور متحركة زمنيًا، تعاقبيًا. 


تتواطأ الصورة مع الفكرة في الفيلم على المتلقي، فتقحمه –فعليًا- في "غرابة الجسد"، ففي المشهد حيث تعري مارينا، ظهرها، لتحرك عظمتي "لوح الكتف" لصديقتها، تقترب الصورة سريعًا من جسده، وكأن الصورة تدفع المتلقي (العين الثالثة/الرائية) إلى اقتحام ذلك الجسد الغريب، في مشهد قريب "Close Up"، ما يؤدي لإنهيار الخلفية تمامًا، سواءًا المكان، حيث توجد الفتاتان، أو حتى وجود بيلا (الفتاة الثانية) في المكان، وهنا يصبح المعنى كاملًا للغرابة، متمثلًا بالجسد، دون السياق الذي يحويه. وهو مايحقق مقولة دولوز "الصورة المؤثرة"، حيث تنفصل الصورة كاملة عن السرد المكاني و المادي و المعنوي المحيط بها، وتغدو هي وحدها المعنى. وتستمر الغرابة حتى في العلاقة الجنسية، حيث أن تلك الأخيرة، والتي تبدو مسلمة طقوسية لدى البشر، مفتوحة على عديد الغرائب في الخيالات، تغدو صدمة لجسد لا يعرف حدوده ولا تداعياته، كمشهد الجنس بين بيلا والشاب الذي رغبته، تلك الرغبة التي لم تفسر لها (وللمتلقي) لماذا لم تفصح عن وجوده في حياتها لأحد، إلا لأسباب لا تتعلق به في ذاته، بل بغيره، فهي تخاف من صديقتها بيلا أن "تسرقه" منها، في حين أنها أقرت بأنه لا يحبها. وهو ما نراه امتدادًا لخفة العلاقة بين مارينا والجسد إجمالًا، مادفعها إلى التأكد من حلم راود صديقتها عن شجرة صبار تنبت أعضاءً ذكورية، في حين أن ذلك لم يستثرها، ولم تنجه شجرتها هي في الحلم، والتي تزهر أثداءً أنثوية أن تترك عليها إنطباعًا جنوسيًا مغايرًا.
 وامعانًا في تحرير الجسد وخفته المتهافتة، يأتي موت الأب كمثال لإنهيار المعنى ككل، معنى الحضارة التي لا تتوقف أما الجسد و الروح، فتطالب إدارة المستشفى مارينا أن "تنظف" الغرفة من متعلقاته، ويناقشه "وكيل الدفن" عن إجراءات الدفن وكأنها عملية عرض سلعة وتوابيت وجرار، ويتم شحن الجسد الميت في صندوق بضائع، وكأنه لا معنى له، مادفع مارينا لأن تطلب من صديقتها بيلا ممارسة الجنس مع أبيها قبل موته، لتحقق للجسد البارد، كالمدينة الباردة حلمًا أخيرًا، لأب قال لإبنته قبل وفاته: "لم أترك لك شيئًا تدافعين به عن نفسك".




15‏/02‏/2015

كيف ساهمت تونس في تحرير “عبيد” أمريكا؟




الكاتب : احمد نظيف

نشر في : رصيف 22*

في مجال حقوق الإنسان، لا نعرف حالياً سوى تقديم دول العالم الأول نصائح إلى دول العالم الثالث. ولكن قبل أكثر من قرن، حدث أمر معاكس. نقلت تونس خبرتها في تحرير “العبيد” إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت آنذاك، قوة عالمية صاعدة.

عام 1864، كان قد مضى 18 سنة على صدور “قانون تحرير العبيد” في تونس، وكانت الولايات المتحدة تشهد حرباً أهلية بين ولايات الشمال بقيادة الرئيس أبراهام لينكولن، وولايات الجنوب الخمس، بقيادة جيفرسون ديفيس. وكانت الولايات الجنوبية تعارض حملة لينكولن الساعية إلى تحرير “العبيد”. وفي هذا السياق، حاولت الإدارة الأمريكية، حشد ما أمكن من الحجج والاستئناس بالتجارب الدولية الأخرى في قضية تحرير “العبيد”، فأرسل قنصلها في تونس، أموس بري، رسالة إلى الجنرال التونسي حسين، وكان حينذاك رئيساً للمجلس البلدي لمدينة تونس وأحد رموز المشروع الإصلاحي بقيادة الوزير خير الدين التونسي. طلب القنصل الأمريكي استفسارات عن منافع “قانون تحرير العبيد” في تونس.

رداً على الطلب الأمريكي، حرر الجنرال حسين رسالة موجزة، شرح فيها كيفية إلغاء العبودية في تونس ووصايا القرآن حول هذا الموضوع.فقام بري برفعها إلى وزير الخارجية الأمريكية وليام إيتش سيوارد الذي أوصلها بدوره إلى الرئيس أبراهام لينكولن فأعجب بها إلى درجة أنه أمر بإعادة طبع نصها بأكمله ونشره على نطاق واسع. نوقشت رسالة الجنرال حسين على نطاق واسع في الصحافة الأمريكية، وهي الآن موجودة في كتيب صغير في مكتبة جامعة هارفارد. وقد ألغي الرق في أمريكا عام 1865.

علّل الجنرال حسين قرار الحكومة التونسية بمنع العبودية معتمداً على مقاصد الشريعة الإسلامية التي تعتبر أن الأصل هو الحرية لا الاستعباد، وأن الإسلام اشترط الإحسان “للعبيد” وعدم توفر هذا الشرط يؤدي إلى “تجاوز الحدود الشرعية”. ولفت إلى أن تفشي وجود الخدم و”العبيد” يساعد على انتشار الكسل والبطالة معتبراً أن البلدان التي فيها عموم الحرية أعمر من غيرها كون نتيجة فعل الإنسان المخيّر أربح وأبرك من نتيجة فعل “العبد” المجبور.

وفي رسالته ذكر قصة معبّرة وقعت له في فرنسا: “كنت حضرت مرة في أيام الكرنفال سنة 1856 بالأوبرا الكبيرة بباريس ومعي غلام أسود، فما راعني إلا أن رأيت رجلاً أمريكانياً وثب عليه وثوب القطة على الفأرة وأراد أن يأخد ثيابه قائلاً ولسانه يتلجلج من سطوة النشوتين: ما يفعل هذا “العبد السوداني” بصالون نحن فيه؟ ومتى مكن “العبيد” من مجالسة الأسياد. فأخذت الفتى السوداني البهتة إذ لم يكن يدري ما يقول، ولا علم لماذا يجـــول ذلك الرجل ويصول، فدنوت منهما وقلت للرجل: يا حبيبي هون على نفسك، فإنما نحن بباريس ولسنا بريشموند!”.

وهنا النص الكامل لجواب الجنرال حسين:

“جواب من أمير الأمراء حسين عن مكتوب إليه في العبيد من قنصل جنرال العصبة الأمريكانية بحاضرة تونس المحمية:

الحمد لله وحده، وإليه يرجع الأمر كلّه. إلى موسيو أموس بري قنصل جنرال العصبة الأمريكانية بحاضرة تونس.

أما بعد فإنه شرفني مكتوبكم الذي مضمونه حيث كنتم بأرض كانت الحرية والعبودية بها متجاورتين وناميتين منذ مدة مديدة وصارتا الآن مشتبكتين في حرب شديدة بغاية قهر إحداهما الأخرى، ووجدتم في تاريخ تونس حوادث مهمة متعلقة بهذين المبدأين المتضادين، أردتم أن تعرفوا تأثير العبودية في بلادنا، وهل أعقبت تأسفاً من الأهلين على فقدها أو انشراحاً لذلك فطلبتم منا شرح ذلك وبأن ما أثبتت التجربة أصلحيته هل هو الخدمة الجبرية أي خدمة العبيد بدون إجرام (تجريم) الخدمة الاختيارية بأجر معلوم وأيهما أوفق بنظام الجماعة عند الدولة التونسية.

أما الجواب عما وجدتم في تاريخ بلادنا عن تحرير العبيد، ومنعنا الملك الآدمي في المستقبل بعد أن كان مباحاً فسبب ذلك هو أن دولتنا كسائر الدول الإسلامية كما تسمونها دولة تيوكراتيك في المعني أي أحكامها جامعة بين الديانة والسياسة. والشريعة الإسلامية وإن أقرت الملكية (وقلنا أقرت لأن ملك الآدمي متقدم على الشرائع الثلاث، فقد كان حكم السارق في شرع يعقوب اسرائيل الله أن يسترق سنة بدل القطع في الشريعة المحمدية) إنما أباحتها بعد حصول سبب الملك بشروط وواجبات يعسر القيام بها، فإن منها عدم الإضرار بالملوك حتى جعل الشارع الإضرار موجباً للعتق كما قال: أي مملوك مثل به فهو حر؟ ومع ذلك فلم تزل الشريعة تؤكد الوصاية بالعبيد حتى كان آخر كلام نبينا صلى الله عليه وسلم الصلاة: “وما ملكت إيمانكم” وكان يقول: “إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ولا يكلفه فوق طاقته” وكان عمر ابن الخطاب الخليفة الثاني يذهب كل يوم إلى الموالي فكل عبد وجده في عمل لا يطيقه وضع عنه منه، وكذلك كان يخرج كل يوم سبت يتفقد الدواب فإذا وجد دابة في عمل شاق خفف عنها.

ثم أن من القواعد الشرعية تشوف الشارع إلى الحرية حتى أن من أعتق جزء عبد لزمه عتق باقيه. وكان من مصارف الزكاة المحصورة في الأصناف الثمانية بنص القرآن الكريم فك الرقاب قالوا بأن يشترى من مال الزكاة عبيد فيعتقون. كما أن من لزمته كفارة يمين أو قتل أو فطر أو ظِهار فله التكفير بعتق رقبة.

فلولا أن تحرير العبيد من المصالح المهمة لما ضيقت الشريعة به على الفقراء والمساكين. ومن آثار التشوف المذكور كثرة ترغيب الشارع في العتق كقوله: أيما أمرىء مسلم أعتق امرأً مسلماً استنقذ الله بكل عضو منه عضواً منه من النار. وتلك الشروط والواجبات حيث كان القيام بها عسيراً في زمن عنفوان شباب الدين فما ظنك به في زمن هرمه لا سيما صنف السودان المباينين للبيض في الطبيعة الغريزية، فكثيراً ما يقـــع بين العبيد ومواليهم المشاجرة التي لا منشأ لها إلا التنافر الطبيعي، وذلك مما يفضي إلى مزيد الإضرار بالعبيـــد، وتجاوز الحدود الشرعية في حقهم. ولم يزل ذلك الأمر يتزايد حتى اقتضى نظر الدولة تحجير الاسترقاق من أصله لأنه لما تعذر الرفق بهم والإحسان إليهم على الوجه المطلوب شرعاً لم يبق إلا الأمر ببيعها أو بعتقها. والأول لا يحصل به الغرض المقصود لما فيه من التسلسل وعود الضرر مع المشتري فتعين الوجه الثاني.

ومن ذلك الوقت بطلت ملكية العبيد عندنا دفعة، وذلك في شهر المحرم سنة 1262 في مدة المرحوم المشير أحمد باشا باي. وأول ما خاطب به المجلس الشرعي في هذا الشأن قوله: “أما بعد فقد ثبت عندنا ثبوتاً لا ريب فيه أن غالب أهل إيالتنا في هذا العصر لا يحسن ملكية هؤلاء المماليك السودان، ولذلك اقتضى نظرنا والحالة هذه رفقاً بأولئك المساكين أن نمنع الناس من هذا المبـــــاح، وعندنا في ذلك مصالح سياسية إلخ”، والمصالح المشار لها هنا يمكن شرحها بأمور كثيرة منها مما يقوله أهل الاقتصاد السياسي في أيامنا أن البلدان التي فيها عموم الحرية وعدم الملكية أعمر من غيرها بالاستقراء. وقد رأيت خطبة لبعض الأفاضل من أهل القلم بمملكتنا كتبها في ذلك الوقت يحث بها أهل المملكة على إجابة رئيس الدولة بالقلب والقالب يقول فيها: “فيا للنفوس الزكية، والقلوب التي بالشفقة حرية، شرعكم متشوف للحرية، ورق الآدمي بلية، والرب يقدر على عكس القضية”.

وأما الجواب عن تأثير العبودية وما أعقب فقدها في الأهلين فهو أن ملك الآدمي لما لم يكن من الأمور الضرورية ولا الحاجية في المعيشة لم يصعب العدول عنه، ولا تجزع لفقده نفوس أهل مملكتنا. وكيف يتأسف المعتني بشؤون الترف والكمال في الأحوال والعوائد على تحرير عبده وهو قادر على استرقاق الأحرار بالدراهم والدينار؟ مع اعتقادهم الديني أنهم ينالون بعتق عبيدهم ثواباً من الله في الدار الآخرة. على أن ذلك وإن يصعب في أول الأمر على بعض من الناس لرؤيتهم استخدام العبيد بدون أجر أيسر لهم وأربح من استخدام غيرهم بأجر لشح نفوسهم بالعتق إيثاراً للعاجل على الآجل، إلا أن هؤلاء تسلوا من قريب لما أثبتت لهم التجربة أصلحية الخدمة الاختيارية دون الجبرية كما أثبتها العقل أيضاً.

ورأى من عجز عن استخدام الحر بالأجر ممن كانوا يستخدمون العبيد رجوعه إلى الأمر الطبيعي والسيرة المستحسنة، وهو أن يباشر الإنسان قضاء أوطاره اللازمة بنفسه ويقلل احتياجه إلى أبناء جنسه، فإن النفس إذا تعودت استخدام الغير قد يفضي بها ذلك إلى العجز عن أدنى الضروريات، والإنسان إبن عوائده ومألوفاته لا إبن طبيعته ومزاجه، وبذلك التعود تكثر شروط استمرار حياته، وما كثرت شروطه عز وجوده. وبالجملة فالناس في باب الخدمة على أربعة أصناف:

ـ إنسان يخدم نفسه بنفسه، ولاشك أن هذا يعمل ما يستطيعه في يومه ويجهد نفسه.
ـ الثاني يؤاجر نفسه لغيره طوعاً، وهذا دون الأول في نتيجة العمل حيث لا يجهد نفسه .
ـ الثالث يعمل لغيره بلا أجر، وهو مجبور، فذلك هو العبد المملوك. ولا غرو أن تكون نتيجة عمله الثاني بمراحل.
ـ الرابع الذي لا يعمل لنفسه ولا لغيره، هو العبد البطال الذي يبغضه الله تعالى. ومن هذا الصنف الأخير الناس الذين يترفعون عن خدمة أنفسهم وقضاء أوطارهم استنكافاً عن مزاحمة العبيد في أشغالهم.

وقد ينفع في هذا القسم العلاج إذا رأوا من كان أرفع منهم يتعاطى تلك الأشغال التي أنكروا مباشرتها. وأيضاً ربما نفع هذا التعاضد الكسالى إذا رأوا مع ذلك التفاتاً وترغيباً وترهيباً من رعاتهم إذ لا يجدون محيصاً عن المسير اقتداءً بمن سار. والإنسان أقرب إلى خلال الخير منه إلى خلال الشر بأصل فطرته وقوته الناطقة العاقلة لأن الشر إنما جاءه من قبل القوة الحيوانية المركبة فيه. وأما من حيث هو إنسان فهو إلى الخير وخلاله أقرب، فإذا وجد طبيباً ماهراً وداوى ما طرأ عليه من المرض فإنه يرجعه إلى أحسن تقويم، وتجتمع الأيدي ويكثر التعاون وتتوفر بذلك أسباب العمران. ومن هذا يتبين لكم السر في كون البلدان التي فيها عموم الحرية وعدم الملكية أعمر من غيرها كما أشرنا إلى ذلك آنفاً، ولا سبب لذلك إلا كون نتيجة فعل الإنسان المختار أربح وأبرك من نتيجة فعل العبد المجبور.

وعندي أن عموم الحرية وانتفاء الملكية كما يؤثر في نمو العمران يؤثر أيضاً في تهذيب خلق الإنسان. أما تأثيره في نمو العمران فظاهر إذ لا عمران إلا بعدل، والحرية نتيجة العدل. فإذا انعدمت جاء الظلم المِؤذن بخراب العمران، ونقصه بنقصها. وأما تـأثيره في تهذيب الإنسان فإن تعميم الحرية تبعده عن الأخلاق الردية من الشراسة والتكبر والتجبر ونحوها التي لا تنفك في الغالب عمن يملك العديد لما تعودوا به من الإمرة والترفع، وربما رأيتهم ينظرون الناس بالعين التي ينظرون بها عبيدهم لا سيما إذا رأوا إنسانا أسود، فما يرونه إلا كسائر الحيوانات العجم.

وكنت حضرت مرة في أيام الكرنفال سنة 1856 بالأوبرا الكبيرة بباريس ومعي غلام أسود، فما راعني إلا أن رأيت رجلاً أمريكانياً وثب عليه وثوب القطة على الفأرة وأراد أن يأخد ثيابه قائلاً ولسانه يتلجلج من سطوة النشوتين: ما يفعل هذا العبد السوداني بصالون نحن فيه؟ ومتى مكن العبيد من مجالسة الأسياد. فأخذت الفتى السوداني البهتة إذ لم يكن يدري ما يقول، ولا علم لماذا يجـــول ذلك الرجل ويصول، فدنوت منهما وقلت للرجل: يا حبيبي هون على نفسك، فإنما نحن بباريس ولسنا بريشموند! وبينما هما كذلك إذ وافاهما أحد حفظة المحل وعرفه بأنه لا فرق في حكمهـــم بين الجلود الا بالجودة وإتقان الدبغ. فالحاصل أن ذلك الأسود المسكين لم تخلصه من أظافر ذلك الرجل محرمته البيضاء ولا قوانتواته (قفازاته) الصفراء، وإنما خلصه بياض الحق وعدل الحرية. وبالجملة فالأوفق بنظام الجماعة عند الدولة التونسية هو عدم الملكية، ولا التفات لما عسى أن يستند إليه المخالف من أن بعض العبيد ندموا على خروجهم من بيوت أسيادهم وطلبوا الرجوع إليها على شروط العبودية، إذ: قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد/ وينكر الفم طعم الماء من سقم

على أن ذلك إنما كان في أول الأمر حين خرجوا جافلين كما تخرج الدواب إذا فلتت من مرابطها قبل الاستعداد إلى لوازم المعيشة والحرية. أما الآن، بعد الاستعداد، فهل ترى لهم أدنى ميل إلى العبودية؟ ندع هذا الاعتراض الساقط ونرجع إلى ما هو أهم منه فنقول: أنتم أيتها الأمة الأمريكانية إخوان الأمة التي قال فيها عمرو بن العاص صاحب نبينا صلى الله عليه وسلم أنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخبرهـم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة، وأمنعهم من ظلم الملوك. ولا عمري لأنتم كما قال أمنع الناس من ظلم الملوك حيث أنعم الله عليكم بتمام الحرية في أنفسكم، وجعل سائر أموركم السياسية والمدنية بأيديكم. والبعض من غيركم يقنع بالحقوق المدنية لحماية النفس والعرض والمال فلا يجدها! فما ضركم لو تفضلتم على عبيدكم بما لا يؤثروا هنا شوكتكم؟

شكراً لربكم على ما خولكم من تلك النعم الجليلة، ثم أنتم من التمدن والحضارة بمراحل عن أن تقتدوا بمن يدورون وعيونهم مكنبلة (كذا) على دائرة! “إنا وجدنا آباءنا على أمة” واعلموا أن الشفقة والحنانة البشرية تدعوكم لأن تنبذوا من حريتكم الزيادات التي تسوءها وتكدرها وتلقوا بها البشر على شفاه أولئك العبيد المساكين، والله يحب من عباده الرحماء فارحموا من في الأرض يرحكم من في السماء. هذا وأرجوكم أيها القنصل الجنرال أن تعتقدوا غاية تكدرنا من حروبكم هذه الواقعة بينكم توجعاً على النوع الإنساني وغاية شفقتنا على أولائك العبيد المساكين كما أرجوكم أن تعتقدوا خلوص مودتي لكم .

كتبه بيده الفانية، الفقير إلى ربه تعالى أمير الأمراء حسين رئيس المجلس البلدي في أواخر جمادى الأولى سنة 1281 هجرية الموافق لأواخر أكتوبر سنة 1864 مسيحية”.


http://raseef22.com/politics/2015/02/07/tunisias-contribution-to-liberating-american-slaves/


24‏/01‏/2015

رأي حول عدم منع الرق ابتداءا في الاسلام



الكاتب: عبدالخالق مرزوقي


الإسلام دين واقعي ليس مثالي، وهو لبشر وليس لملائكة
لهذا لم يتم الأمر إلا بما يستطيعه الناس، وحسب واقعهم واستطاعتهم، والواقع والإستطاعة هي واقع واستطاعة الفرد 

والمجتمع على حد سواء. 

ومن ضمن امثلة الواقع والإستطاعة وشروطهما ، درجة وعي المجتمع وتطوره الديني، الثقافي، الفكري، الإقتصادي، والسياسي امثلة ذلك تدرج منع شرب الخمر، كان سبحانه وتعالي يستطيع 
انزال نص واحد ، يحرمها بشكل صريح ، لكن حكمته تعالى ومعرفته بخلقه، اقتضت التدرج، هذا ايضا نلحظه في ذكر اقسام
المستحقين للزكاة ، حيث تم النص عليها ، والنص على اقسام
مستحقيها ، لكن لم يتم النص على انهم يستحقونها في كل زمن
وحال، بل ترك للسلطة المنظمة للزكاة تقدير ذلك،  ومقدار نصيب 
كل مستحق من الاقسام .

 لذا حين جاء الإسلام لم يأمر بالرق بل وجده كواقع في المجتمع والثقافة الإجتماعية، ليس في الجزيرة العربية وحدها ، بل هي ثقافة تشمل كل شعوب العالم في زمن ظهور الإسلام،  واستمرت إلى  عقود قليلة جدا، إلى أن تطور الفكر الإنساني والقانوني لمنعه
وإن كان تم استبدال الرق والإستعباد الفردي، بعملية استعمار الشعوب والدول .

ولا نجد في نصوص الدين سواء كقرآن أو سنه، امرا به أو تشجيعا عليه، بل تعاملت معه كما يدل سياقها كآمر واقع بحاجة للتعامل معه وحل اشكالاته العديدة.

لم يمنعه ابتداء لأن الواقع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي
لم يكن قادرا على تقبل واستيعاب هذا، من ناحية هو سلوك اجتماعي وثقافي مقبول في عصره متوارث لقرون .

ومن ناحية اخرى هو عصب الحياة الاقتصادية، سواء كتجارة

أو زراعة أو رعي، حيث كان الاعتماد عليه فيهم امر اساسي


ومن جهة ثالثة منعه ابتداء كان سيتسبب في مشكلة اكبر اجتماعيا وامنية واقتصادية في الجزيرة العربية، لأن اعتاق عشرات الألوف رجالا ونساء مرة واحدة دون ضمان مأوى وسبل العيش والسكن لفئة تمثل اكبر نسبة من السكان حينها ، سيحولهم إلى كارثة اجتماعية وامنية على المجتمع ويضعف استقراره.


فالحل الواقعي والاسلم لجميع الأطراف وللمجتمع، كان هو توسيع ابواب العتق، وتضييق ابواب الاسترقاق، ومن لديه حلفية بسيطة

في الشريعة والفقه يعلم هذا. 

الخطيئة حدثت حين حول الحكام ابتداء من بني امية الحروب إلى توسع امبراطوري، لاهداف سياسية واقتصادية، خاصة بالسلطة والدولة الناشئة والعلاقات داخلها، وليس بهدف الفتوحات كما سميت رسميا

واصبح توزيع السبي والاراضي والأموال ممارسة لكسب الولاء وزيادة النفوذ وتقليل المعارضة حينها، وهي تتعارض مع اهداف 

التشريع،  مما فاقم المشكلة بدلا من اتجاهها للتقلص تمهيدا لإنهائها

06‏/01‏/2015

في الإحتقان المذهبي والتسامح



عبدالخالق مرزوقي
نشر في صحيفة التقرير

أحببت أن أتمهل قليلًا في الحديث عما جرى من حادث إرهابي في الدالوة بالأحساء
رغبة في انتظار أن تهدأ النفوس وبحثًا عن أسباب ما حدث، وليس مجرد التعليق 
عليه أو استنكاره، فلا أجد أن هذه الجريمة تنفصل عما يجري في المنطقة وبدأت 
تصل تداعياته إلى الداخل بعد شهور من اقترابها من الحدود سواء الشمالية أو الجنوبية


نعلم جميعًا أن الاحتقان المذهبي يبلغ أوجه الآن ليس في السعودية فقط؛ بل في كل 

العالم الإسلامي، وهذا الاحتقان أسبابه سياسية في المقام الأول وليست دينية كما 
يحاول بعض الأطراف تصويره، سواء في الداخل أو الخارج. فالخلافات الدينية الموجودة بين الطرفين منذ قرون، ولم يستجد في الموضوع الديني ما يجعل هذه الخلافات تشتعل في هذه السنوات.

وهذا لا ينفي بأي حال من الأحوال وجود خطاب ديني تكفيري تحريضي متطرف 

ضد الآخر، ولا ينفي آثاره، وهو موجود لدى الطرفين بنسبية علينا الإقرار بها
 وأتحدث هنا على المستوى الإقليمي، وهو يعكس نفسه بقوة على المستوى المحلي 
ولا أعتقد أننا قادرون على عزل أنفسنا تمامًا عما يجري في محيطنا العربي 
والإسلامي كما يتصور بعضنا. ولمزيد من المصارحة تمامًا هنا، فالقضية تحتاج
 منا صراحة في الحديث وشفافية، وعلينا أن نسمي الأمور بأسمائها.

فلا يمكن منع غالبية السنة السعوديين أو في أي بلد عربي آخر من التعاطف مع 

السنة في سوريا والعراق وغيرها ضد ما يجري ضدهم أو مساندتهم، أكثر من 
التعاطف مع غيرهم من الأقليات أو الطوائف الأخرى. وكذلك لا يمكن منع الشيعة السعوديين أو غيرهم في البلدان الأخرى من التعاطف مع الشيعة في البحرين أ
و العراق مثلًا أو النصيريين في سوريا بصفتهم حلفاء.

سواء كانت المساندة علنية بالرأي أو بالصمت السلبي، واعتبار وكأن شيئًا لم 

يحدث هناك، وهو تعاطف ومساندة من الطرفين، جزء ضئيل منه إنساني والجزء

الأكبر منه بسبب الانتماء لنفس المذهب.

وهذا من الأمور المسكوت عنها، ومن القضايا التي لم يفتح النقاش فيها بجدية، أعني موقف كل طرف تجاه القضايا الإقليمية، رغم أن هذا التناقض بين الغالبية العظمى 

من أتباع المذهبين ظاهر تمامًا.

هل هذا عام لدى جميع أتباع المذهبين؟ بالطبع لا، وهو يظهر أكثر ما يظهر لدى من

 يقدم هويته المذهبية كجزء من انتمائه السياسي أو الفكري، بل ظهر أيضًا لدى بعض
 من يقدم نفسه كعلماني أو ليبرالي أو قريب من أفكار اليسار.

هل هذا مثالي وطبيعي؟ أيضًا الإجابة هي بلا. لكنه، مفهوم تمامًا وواقعي، بالنظر لمستوى الوعي والثقافة السائدة والخلفية التاريخية التي تشكل نظرة كل طرف للآخر وهيمنه النظرة الدينية المذهبية على الصراع السياسي الإقليمي. ولا أرى ذلك يمكن 

أن يكون مهددًا للوحدة الوطنية أو أن يشكل استفزازًا للطرف الآخر يصل لحد إثارة احتقان مذهبي كالموجود حاليا، إذا ظل ضمن حدود معينة.

لكن، الاحتقان والمشكلة المذهبية تفاقمت؛ لأن تعاطف كل طرف مع ما يراه من 

مظلوميه لمن يشترك معه في المذهب، ضاعفه أن المواقف لأتباع كل مذهب ذهبت
 لمدى أكبر، وهو تأييد ومساندة المنتمي للمذهب سواء كان مظلومًا أم ظالمًا، قتيلًا 
أم قاتلًا، والإنكار أو التجاهل في الحد الأدنى لمعاناة الطرف الآخر في القضية بناء على التصنيف المذهبي.

فالسنة عمومًا لا يرون معاناة الشيعة وبقية الأقليات في العراق قبل 2003، والشيعة لا يرون معاناة السنة بعد 2003. وكذلك في سوريا يحدث ذات الأمر، وهما أهم ساحتين تشكلان بؤرتين للاحتقان الموجود حاليًا.

هنا تحول الأمر من مجرد تعاطف إلى فعل لا أخلاقي ولا إنساني بتأييد إلحاق الأذى بالآخر، أو مجرد الصمت والتجاهل وكأن الإنسان لا يرى ما يحدث من دماء بريئة 

تسفك من الطرفين.

وهذا الاصطفاف الخارجي أصبح داخليًا أيضًا في القضايا السياسية الخارجية

 وتفاقم بسبب تورط رجال الدين في إلباس هذا الصراع لباسًا دينيًا مذهبيًا، فرأينا 
الفتاوى والتحريض من الطرفين، ومن مراجع دينية كنا نحسبها متعقلة، وأعتقد أن الجميع قرأ أو سمع تلك الفتاوى من رجال دين في الطرفين.

خاصة حين يتكرر على المسامع في خطب الجمعة الدعاء على الشيعة بمسمى “الروافض”، ونرى التحريض ضدهم في بعض القنوات ووسائل التواصل، ومن 

أسماء غالبًا معروفة وحتى التكفير أحيانًا. وكذلك، كلنا نشاهد القنوات المقابلة وهي 
تشتم الصحابة وأم المؤمنين وتكفر السنة وتنزع عنهم الإيمان تحت مسمى النواصب والدعوات في المناسبات الدينية للثأر من قتلة الحسين مع إلباس الخصم السياسي 
لباس قتلة الحسين.

وتحريًا للدقة، فإن ما يجري لا يمكن تحميله للمنتسبين للمذهبين عمومًا؛ بل يتحمله المسؤولون عن الخطاب الديني بالدرجة الأولى، وما يسمى بالنخب في الطرفين في

 طول العالم الإسلامي وعرضه، وعدم وجود قوانين رادعة.

فقبل الإرهاب في الدالوة، رأينا تحريضًا ضد الشيعة السعوديين لم يقف أمامه أحد بجدية. وفي المقابل رأينا أن هناك من يصف من يقتل من يحملون السلاح ضد الدولة في العوامية بالشهداء والمناضلين، ويصف قوات الأمن بمرتزقة آل سعود.

ووسائل التواصل مليئة لمن يبحث عن نماذج ولم نرَ إدانة علنية لمن يصفهم بذلك أو براءة علنية منهم أو من خطاب نمر النمر مثلًا؛ ونتيجة لهذا الاصطفاف، أصبح كل طرف يدافع عن متطرفيه في وجه الطرف الآخر.

ثم يأتي الجميع بعد الدالوة ليتحدث عن وجود الاحتقان وأسبابه، وضرورة تبني 

خطاب مختلف، يركز على الوحدة الوطنية، معتدل ومتسامح، كان هذا ضروريًا ومطلوبًا، والحدث كبير لاشك، لكن ستستمر هذه الدعوات أم ستنسى مع أول 
اختلاف حول قضية سياسية.

ولي وقفه مع هذه الدعوة للوحدة والتسامح، فلست ضدها أبدًا، وأحترم جزءًا كبيرًا 

من المنادين بها رغم أن بعضهم ينادي بالتسامح مع الآخر وهو في ذات الوقت يهاجم ويحرض ضد المختلفين معه فكريًا في ذات المذهب. خطاب دعوة التسامح يضمر 
من ناحية نوعًا من السلطة على الآخر، حتى وإن كان الداعون له لا يعنون ذلك 
أو لم يرد في أذهانهم.

ومن جهة أخرى، فإن هذا الخطاب يقف عند العموميات ولا يدخل إلى التفاصيل

ما هي القاعدة التي ننطلق منها؟ فالتسامح ليس مجرد دعوى تطلق؛ بل يسبقه تأسيس نظري فلسفي وديني وفكري وقانوني؛ لذا، قبل أن نصل للتسامح يجب غربلة الكثير
 من المفاهيم المقيمة حول الدين، وعقلنه التدين، وتأسيس نظري وعملي لحق 
الاختلاف والتعددية بكافة أشكالها الدينية والسياسية والاجتماعية؛ وإلا فسنكون كمن يحرث في البحر. وهذا يجب أن يسبق أولًا بالحرية التي تسمح بالتفكير في كل ذلك وممارسته.

وإلا سنكون أمام تصادم أهلي اجتماعي بين الحقوق والحريات، ونقع في قضايا أكبر كمثال صريح، الشيعة يطالبون بالمزيد من الحقوق والحرية في ممارسه شعائرهم وطقوسهم الدينية علنًا، كعاشوراء وبالطريقة التي يريدون.

ويعتبر أغلبهم أنها شعائر دينية، رغم أنها طقوس وليست شعائر. وفي الطرف الآخر

يتم اعتبار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيضًا شعيرة دينية، رغم أنه بالطريقة الرسمية المنفذة الآن ليس كذلك. فماذا سيحدث لو تم منح كل طرف الحق والحرية في القيام بما يعتبره شعيرة لديه، وبالطريقة التي يريدها هو؟

ماذا يقول لنا أصحاب شعار التسامح هنا؟ في الحقيقة هم لا يقولون شيئًا؛ لأنهم يقفون

عند مجرد الدعوة، ولا يبحثون عن ضرورة التأسيس الفكري والتبيئة الثقافية للعديد 

من المفاهيم التي يجب تحديدها وترسيخها، ثم البناء عليها لاحقًا لإقامة التسامح المفترض.

واستطرادًا لهذا الموضوع، الكثير يتحدث عن كتاب جون لوك "رسالة في التسامح" بكثير من التعظيم والتبجيل، من باب الاستشهاد بالتسامح في أوروبا، وهو كتاب مهم 

لا شك وأحدث تأثيرًا كبيرًا في زمنه وبعده.

رغم أن جون لوك ذاته استثنى الكاثوليك من دعوى التسامح؛ لأنهم كانوا يعتبرون في ذلك الزمن في إنجلترا يدينون بالولاء لسلطة أجنبية هي سلطة (البابا) -عملاء للخارج بمفهوم الحاضر- كذلك استثنى جون لوك الملحدين من دعوته للتسامح.

أوروبا التي تحارب فيها الكاثوليك والبروتستانت لم يصلوا للتعايش والتسامح 

إلا بتحقيق عدة أمور سبقت ذلك، أهمها تنحية الكنيسة عن المشاركة المباشرة حينًا والضمنية في أحيان أخرى في إدارة الدولة، أو الحكم باسمها.

أيضًا، التأسيس الفكري للدولة الحديثة وفكرة المواطنة والدستور وفصل السلطات

 وكذلك عملية الإصلاح الدينية التي نحت جانبًا الكثير من الخرافات والقوانين التي 
كانت تقدم بصفتها جزءًا من الدين. بمعنى أنه كانت هناك عملية تغيير كاملة شاملة 
لكل مناحي الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية والإقتصادية.

فهل تلقى عملية الدعوة للتسامح لدينا صدى حقيقيًا بدون ذلك كله، بمعنى أن أقبل 

كل ما لديك وتقبل كل ما لدي نظريًا وعمليًا، مع حرية الممارسة العلنية وفق ما يرى
 كل طرف. أجزم أن أتباع المذهبين لن يقبلوا بهذا كقاعدة للتسامح، على الأقل الآن ولسنوات قادمة، وكما ذكرت في البداية لابد من المصارحة، فمثلًا مسألة تكرار 
الحديث عن “النواصب” والمناداة المستمرة للثأر من قتلة الحسين والتجييش لذلك 
خاصة في المناسبات الدينية، واعتبار كل رأي مختلف مع الرواية الشيعية للدين
أو التاريخ الإسلامي أنه معاد لآل البيت، أو تكفير منكر الولاية والعصمة، هل 
تدخل ضمن الأمور التي على المنتمي للمذهب السني قبولها نظريًا، واعتبار أن 
تكفيره أو اعتباره معاديًا لآل البيت أو على الأقل نفي الإيمان عنه مسألة يسمح بها؟

مع العلم أن هذا الخطاب -وبمباركة المراجع- يقدم للشيعي الذى يعيش اليوم عن 

آخر يفترض وجوده اليوم، وليس عن عدو لآل البيت وجد في زمن ما. ورغم عدم
 وجود نواصب معروفين في عصرنا، ولا أعلم ممن سيؤخذ ثأر الحسين ممن 
يُجَيش للأخذ بثأره، في الاتجاه السني أيضًا هناك تكرار للحديث عن مسمى 
الروافض والإساءة للشيعة وتكفيرهم -أيضًا بمباركة رجال الدين- وإسقاط المسمى 
على كل الشيعة، سواء في خطب الجمعة أو في الكتب والمحاضرات الدينية.

ابن تيمية ذاته كان يفرق بين التشيع والرفض ولا يكفر الشيعة، فيما الخطاب الديني الحالي لا يفرق، بل يقدم لعامة الناس أن التشيع هو ذاته الرفض، ويدعو عليهم في 

كل خطبة جمعة. فهل على الشيعي أيضًا أن يقبل هذا تحت مسمى التسامح؟

كذلك، نحن لسنا أمام رؤيتين مختلفتين للدين والتاريخ والشخصيات والأحداث فقط

 بل رؤيتين متضادتين متصادمتين منذ يوم السقيفة لليوم، فمن يراهم طرف أفضل 
الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم هم في رؤية الطرف الآخر بين أن يكونوا 
مرتدين أو منافقين أو مغتصبين للسلطة!

ولا أغفل أنه أيضًا مع الدعوة للتسامح تتم إحالتنا لضرورة وجود قوانين لتجريم التحريض الطائفي، وهي مطلوبة ووجودها ضروري بلا شك، لكن هنا أيضًا 

أمامنا وقفة أخرى، فما هي المرجعية الفكرية والقانونية التي نعود لها في هذه 
القوانين؟ كيف لا نجد أنفسنا أمام قمع وتقييد لحرية الرأي والنقد باسم التحريض
 خاصة أن فلسفة إعداد القوانين تقوم على قاعدة التضييق لا قاعدة الحرية، خاصة 
أن الكثير ممن لا يروقهم النقد للمسائل الدينية أو الفكر الديني والممارسات المتعلقة
به أو النقد الثقافي والسياسي، سيدفعون باتجاه توسيع هذه القوانين كي تغلق أي 
نافذة حرية تفتح في هذا المجال.


http://altagreer.com/%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D9%84%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%B2%D9%88%D9%82%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B0%D9%8
7/

02‏/11‏/2014

الحسين الذى مازال يستشهد كل يوم




هذا الموضوع ليس للحديث عن اسشهاد الحسين رضي الله عنه كحدث
بل عن القضية التي خرج من اجلها الحسين , والتي اراها مغيبة على
المستوى العملي في مجال التعامل بيننا كبشر

وقائمة الذين ما زالوا يستشهدون كل يوم طويلة قبل الإمام الحسين

رضي الله عنه وبعده

الحسين رضي الله عنه خرج من اجل ترسيخ عدة امور اهمها
عدم السكوت والخضوع للظلم وتكريس الأمر الواقع , والنطق بالحق
مهما كانت النتيجة , وكذلك غاندي الذى مضى في مسيرته المقاومة

السلمية. والهدف في الحالتين واحد

الآن كلنا نحزن لإستشهاد الحسين , وكلن بطريقته لكن من منا يستلهم

المبادئ التي استشهد الحسين من اجلها اتحدث هنا بحثا عن واقع عملي
على الصعيد الشخصي أولا وقبل أي شئ آخر

من منا يرفض الظلم منه تجاه الآخرين ؟ وهؤلاء الآخرين قد يبدأون

من الإخوة والأبناء، من ينطق بالحق ولو كان في ذلك مضرة عليه،أو
حتى تفويت مصلحة له؟ هل ننصف الآخرين من انفسنا ؟
هل اغلبنا لديه استعداد للوقوف ليس في وجه حاكم ظالم
بل اقل من ذلك , في وجه مدير ظالم ؟
هل بيننا من يقدم الحق على السلامة ؟
جميعنا نشاهد مظالم من افراد تجاه افراد سواء قريبين
أو لا نعرفهم , ونتصرف غالبا وكأن الأمر لا يعنينا

ألسنا جميعا , أو اغلبنا على الأقل نخذل كل من يستشهدون أو يعتقلون

من اجل قضايا انسانية عادلة منذ الإمام الحسين لليوم على الصعيد

العملي البسيط رغم أننا نتحدث عن انتصارنا لهم سواء كأشخاص

أو كقيم ومبادئ والسلام .