16‏/08‏/2025

أرجوك اعتن بأمي



عبدالخالق مرزوقي

هذه رواية عن الحضور المكثف في الغياب.
عن الانسان الذي لا نراه الا عبر دوره الاجتماعي، ونكتفي حين
وجوده بأدائه لذلك الدور ونغيب كل تفاصيله كإنسان له ذات مستقلة.

كلما تعمقت في الرواية، فقدت قدرتي على استكمال القراءة بحيادية 
واصبت بالاضطراب، لدي أم، تكبر في العمر، واعتدت حين اعود إلى 
المنزل الاقتراب من سريرها وهي نائمة، للتأكد انها نائمة فقط، لذا 
طريقة السرد، وتركيز الرواية على التفاصيل الدقيقة لحياة انسان في
دور أم جعلني ادمج تفاصيل حياة كل الأمهات ومنهم أمي، في الرواية.

السرد جعلني أرى الإنسان داخل دور أو مفهوم الأم، ورغم أن بناء 
الرواية وسردها أخفى صوت الأم المباشر، وجعلنا نراها عبر أصوات
الآخرين، الأبناء، الزوج، أخت الزوج، ليعزز تكثيف ذلك الحضور في 
لحظة غيابها. 

تكثيف حضورها عبر أصوات الآخرين في السرد، ظهر وكأنه محاولات 
مركزة لاستبقاء ذلك الحضور، خوفا من نهائية الغياب المادي. وكان 
التركيز على تفاصيل حياة الأم اليومية، مؤثرا إلى المدى الذى جعلني 
اشعر بالخوف من فقد أمي في مكان ما، وبالحاجة إلى الخروج إلى 
الشارع معهم بحثا عنها.

هناك سؤال وجهه إليهم الصيدلي: "كيف حدث أن فقدتم أمكم؟" 
ووجدتني اعيد طرح السؤال من خارج الرواية: كيف يحدث أن نفقد 
انسان ما؟ ثم اجبت الصيدلي: حين نتوقف عن رؤية الإنسان فيه، حين 
نغيب كل ما هو بشري في ذاته لصالح الدور الاجتماعي.

سؤال آخر سأله الزوج حين عاد إلى المنزل وحيدا: "هل انت في البيت؟" 
هذا السؤال هو ذاته، الذى اسأله منذ سنوات، حين اعود إلى المنزل 
ولا أرى أمي فيه لأن خروجها نادر، ولم اعتد على عدم وجودها.

من العبارات الأخرى في الرواية، تذكر الابنة لقول أمها، حين ألحت 
عليها أن تأخذ شجيرة وتعيد غرسها في فناء منزلها: "إنني أريدك أن 
تأخذيها لكي تتذكريني كلما قطفت الثمار منها بعد أن أموت."

إن العبارة عن الإرث الذى يغرسونه فينا؟، وينتظرون أن يثمر؟
في حضورهم أو غيابهم.

عبارة أخرى من الرواية: "لماذا نعتقد أن أمنا أصبحت أما في مستهل 
حياتها؟ لم تتسن لأمنا الفرصة لتحقيق أحلام شبابها، وواجهة بمفردها
كل ما فرضته عليها تلك المرحلة، من فقر وحزن ويأس، وواجهت حظها 
البائس في الحياة وعانت بصمت، ولكنها حاولت أن تتخطى المصاعب 
وتعيش حياتها إلى أقصى الحدود، ومنحت أولادها نفسها جسدا وروحا
ترى لماذا لم أفكر في أحلام أمي؟". 

 كانت (كيونج سوك شين) في هذه العبارة، تتحدث عن أمي بالتحديد.
ولهذا هذه الرواية ستبقى معي، سترافقني لزمن طويل، ولن استطيع 
أن اتخلص من أثرها. وهذه قيمة الأدب العظيمة حين يكتب الإنسان.



01‏/05‏/2025

ما يقوله المؤلف ولا يكتبه

 "كان لصوص بغداد في العصر العباسي حكماء وفلاسفة. كان من أشهرهم أبو عثمان الخياط القائل :

 ما سرقت جارا وإن كان عدوا لي ولا سرقت كريماً ولا امرأة ولا بيتا ليس فيه رجل ولا قابلت غادرا بغدره. ومن تلاميذه ابن حمدي العيّار. كان لا يسرق أصحاب البضائع الصغيرة التي تكون قيمتها دون الألف درهم. و من شربت ماء من بيته أو ألقيت عليه السلام و رد عليك ، فلا يحق لك أن تسرقه أو تؤذيه و لو كنت لصاً. عند وفاة كبير اللصوص في العهد العباسي (أدهم بن عسقلة) 

…ترك وصية لأتباعه اللصوص ومما جاء فيها : لاتسرقوا إمرأة ، ولاجارا ، ولا نبيلا ، ولا فقيرا ، وإذا سرقتم بيتاً فاسرقو نصفه وأتركوا النصف الآخر ليعتاش عليه أهله ولاتكونوا مع الأنذال.

من كتاب بهجة النفوس و الأحداق فيما تميز به.   القوم من الآداب و الأخلاق ..!"

تعليق: 

دائما يستهويني الخطاب والنصوص المضمرة غير المكتوبة، وغير المباشر داخل الكتابة.

مثل هذه القصص في تاريخنا، يستدل بها من جهتين، أو تحكي سياقين.

الأول المباشر والرسمي - والرسمي هنا بمعنى أنها القصة المدونة والمتداولة والتي تقع في دائرة الصدق  من مدح  لأخلاق اللصوص وكرمهم وعفة  نفوسهم.

القصة الأخرى غير المدونة، وغير الرسمية، التي يستدل عليها من القصة المدونة، أن الفقر والسرقة كانا منتشرين، واللصوص معروفين علنا ويتناقل الناس أخبارهم وحكاياتهم، ويعرفونم بالإسم، وهذا يعني في زمن القصة أن هيبة السلطة وقوتها وعدالتها متزعزعة أو هي أيضا فاسدة. 

وربما هذا ما أراد المؤلف قوله بطريقة غير مباشرة، مراهنا على من يقرأ ما يوجد خلف المكتوب.

خاصة حين يبدأ المؤلف القصة بالتنويه أن اللصوص في ذلك الزمن كانوا حكماء وفلاسفة 

فهو هنا يخبرنا أنهم قوم من كرام الناس، لديهم ادبهم وأخلاقهم وحكمتهم وليسوا مجرمين. ولم يسلكوا هذا الطريق لضعف نفوسهم ولكن اضطروا إليه.

لماذا ذهبوا إلى خذا والمسلك وهم قوم كرام 

هذا هو السؤال الذى ريد ربما المؤلف أن نسأله.    يفتح أفق التفكير إلى ما يتجاوز مجرد حكاية.  عابرة، إلى شهادة ربما على مرحلة، أو إدانة لها.    دون أن يعرض الكاتب ذاته للأذى اذا كتب بشكل مباشر.

20‏/10‏/2024

عن كتاب: "إن أخذ الموت منك شيئا رده إليه"












عبدالخالق مرزوقي

- كيف نتغلب على الموت، كيف نمنعه من الإنتصار علينا؟ 

 كبشر، منذ اختبرناه، عبر من نحب، ما زلنا نحاول عدم

 الإستسلام أمام حقيقته، ولاننا نعلم أنه حقيقة في واقعنا

المادي، كما قال تعالى: " قل إن الموت الذي تفرون منه 

فإنه ملاقيكم"،  نقلنا معركتنا معه الى ساحات اخرى.

ابتكرنا الرموز والرمزيات، وابتكرنا اللغة، لكي نميت عبرها

 الموت، ولا أتحدث عن مجرد الكلام.

 ادرك ذلك اسلافنا الأول، منذ اول من بدأ في الرسم والنقش

 على الاحجار وفي الكهوف حتى يستمر ما هو فوق الموت

حياً عبرنا.

وهذا ما حدث، نجحوا في مخاتلة موتهم، حين نتذكر حياتهم

لا موتهم، عبر قراءة ما تركوا.


وهذا ما فعلته "نايا ماريا ايت"، في كتاب: "إن اخذ الموت  منك شيئا رده اليه"

فقامت عبر الكتاب برد ما هو ميت في الانسان، الى الموت

 والاحتفاظ بكل ما هو حي، داخل الحياة، فعلى عكس

ما يبدو، هذا ليس كتابا عن لمحاولة التشافي بعد الخسارة

 أمامه، بل لمنعه من الاقتراب من الجزء الذى يبقى حيا فينا

 يؤيد ذلك اقتباسها التالي من سقراط: " حين يأتي الموت

 لإنسان، يحدث أن يموت الجزء الميت منه، بينما الجزء 

الخالد يبتعد ويختفي، سليما وسرمديا، يتجنبه الموت". 

ألم يهزم سقراط الموت بمثل هذه العبارات، ويجعله يتجنب

أن يميت ما هو خالد فيه؟ 


13‏/09‏/2024

بين مفهومي "الفتح" و"الإستعمار"، قراءة ثالثة

 

توسع إمبراطورية ناشئة


قرأت مقالين في نشرة ثمانية، معنونين ب " كيف يختلف الفتح الإسلامي عن الاستعمار" للدكتور خالد البكر ثم تعقيب الأستاذ حسين إسماعيل المعنون ب " لماذا نحاول تطهير ماضينا؟"، وهما يتناولان موضوعا طرق أكثر من مرة، وأحببت المشاركة برأي ثالث، أراه يختلف عن الرأيين السابقين.

في البدأ، وقبل الحديث عن المفهومين، لابد من بيان نقطتين أراهما مهمتين جدا.

الأولى هي أنه من الملاحظ دائما أنه يتم التعامل مع الكثير من المفاهيم، ومنها مفهومي "الفتح" و "الإستعمار" و كأن المعنى والدلالات التي يشير إليها كل مفهوم فيهما، ثابتين، متجاوزين لزمن تشكل المفهوم وعملية إنتاجه -  وإنتاج المفاهيم عملية لها سياق وليست حدث - ويتم استبعاد أثر عوامل الزمن والتاريخ والبيئة والثقافة ومنها الثقافة الاجتماعية والسياسية، والطريقة التي تفعل بها هذه العوامل، فتغير دلالة المعنى، أي عملية انتاج التفسير، وإن بقي استخدام إسم المفهوم ثابتا. وهذا خطأ منهجي كبير، يقودنا دائما إلى نتائج خاطئة. 

النقطة الثانية، هي استبعاد العلوم الإنسانية الحديثة وما قدمته لنا، خاصة علم الاجتماع بفروعه ومناهجه، مثل علم الاجتماع السياسي وعلم الاجتماع الثقافي، وعلم اجتماع الجماعات، وفي إعادة قراءة الأحداث والسياقات التي تقود إلى تشكل وقائع جديدة، تعيد تشكيل المفاهيم والمعاني والدلالات، حين قراءة ودراسة تاريخنا الإسلامي.

إهمال هاذين الأمرين، يجعلان قراءتنا لتاريخنا ناقصة، وجزئية، ومن الصعب جدا البناء عليها، لتكوين صورة اكثر شمولا ووضوحا لهذا التاريخ.


لنبدأ:

 لا بد مسبقاً أن نفرق بين الإسلام، وبين تاريخ المسلمين، أي حول ما يسمى بـ (الإسلام التاريخي) ونقرأ تلك التجربة التاريخية، قراءة تحاول ان تكون موضوعية ومنهجية، بعيدا عن تلك الهالة التي اعتدنا أن نسبغها على تاريخنا من جهة، ومبتعدين أيضا عن تبني رؤى تحمل في خلفيتها نماذج لقراءات استشراقية، تحاول محاكمة الماضي، وفق مفاهيم وقيم الحاضر، غالبا لتدينه، وحينا باعتقاد صحة هذه القراءة، التي تستبعد البعد الثقافي والتاريخي من قرائتها.

 فإعادة قراءة التجربة التاريخية، يستلزم مغادرة الزمن النفسي، وشعورنا الوجداني تجاه الماضي، والتعامل معه ودراسته بموضوعية، وغير مكتفين بالروايات الرسمية وتاريخ المؤرخ، وخطابات السلطة، ومن يقيم حولها ويؤرخ لها، بل نبحث أيضا في الدينامكيات، والخلفيات، والمسكوت عنه، والمهمش والمتروك، وربط ما قبل بما بعد.

 كنتيجة طبيعية تحدث في كل الأمم والمجتمعات، بفعل غياب المؤسسين، وأثر الزمن والأحداث التاريخية المفصلية، والتغير الإجتماعي والثقافي، والتغيير السياسي، ودخول شخصيات جديدة إلى المشهد، أن تحدث تغيرات في بنيه المجتمع والسلطة وثقافة الحكم، والمجتمع الإسلامي ليس استثناء من ذلك.

فتحولت الدولة من خلافة في عهد الخلفاء الأربعة الراشدين رضي الله عنهم، إلى مسار وسياق تاريخي آخر يبتعد نسبيا عن (إسلام النص)، ويقترب من مسار وتجربة الحكم في النظم السياسية والاجتماعية والثقافية التي كانت سائدة في ذلك الزمن، فتحولت الدولة لدى المسلمين إلى إمبراطورية لا تختلف كثيراً في النوع، عن أي امبراطورية سابقة عليها في العالم أو لاحقة، وإن كانت هناك فوارق في الدرجة بالتأكيد. فالحاكم تحول إلى امبراطور وإن بقي يسمى بالخليفة، لكن دلالة المفهوم اختلفت ما بين عهد الخلفاء الراشدين، وما بعدهم. 

ولو عدنا للتاريخ الإسلامي، وأردنا وضع حد فاصل بين المبادئ في الحكم والسياسة ووسائل تجسيدها التاريخية كان انضمام فئات جديدة للسلطة في الدولة، وتوليها مهام رئيسة فيها، أعني من اتفق على تسميتهم بـ (مسلمة الفتح) والذين كانت ما زالت تشوب ممارساتهم السياسية والثقافية الكثير من الثقافة التي كانت سائدة في عصر الجاهلية وعلينا أن نعترف بموضوعية، بأن الإرث الجاهلي اجتماعيا وثقافيا لم يتم محوه تماما، ولم يكن المسلمون متساوين في مستوى التحرر منه، كما دلت عليه بعض الوقائع والأحداث، حتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما دل الحديثين: "إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ"، "دَعُوها فإنَّها مُنتنةٌ".

وهنا لا أتحدث عن أفراد، لكن الحديث يتجه نحو ذهنية وثقافة كانت سائدة لقرون، وصراعات وطموحات قوى سياسية واجتماعية واقتصادية، تتنافس فيما بينها على المواقع والنفوذ.

فإذا كان ذلك مؤثرا على مستوى إعادة فهم وتفسير وتأويل النصوص، والفقه، والتشريع، والتدين سواء الفردي أو الاجتماعي، كما رأينا  في الفقه أثر عودة المكون الثقافي الجاهلي، ليكون فاعلاً في المجتمع الإسلامي، بعد الخلفاء الأربعة، وفي عمليتي إنتاج وتفسير النصوص، فتراجع الفقه حضاريّاً وثقافيّاً، تجاه المرأة وغير المسلم، على سبيل المثال عن النصوص التي وردت في (صحيفة المدينة)، التي كتبت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كدستور للتعايش بين كافة سكان المدينة (يثرب)، بغضّ النظر عن الدين، وينظر للجميع نظرة متقدمة حضاريّاً كمواطنين، أي فقه التعامل مع الآخر المختلف. تراجع الفقه بعدها تحت وطأة الزهو الإمبراطوري، والشعور بالتفوق الأخلاقي، وفرط القوة والسطوة على الآخر، ليفتي بمضايقة غير المسلمين في الطرقات، وتضييقها عليهم وإلزامهم بلباس معين تمييزاً لهم، بشكل يشبه بعض ما فعلته الدول الاستعمارية في القرون الأخيرة، بمواطني الدول المُستَعمَرة، من تمييز ديني وعرقي. لذا من الطبيعي أن يكون كل ذلك مؤثرا على بنيه وذهنية وسلوك الدولة في الإسلام.

فبعد ترسخ موقع السلطة في الدولة الأموية، والبحث عن مزيد من الاستقرار، تحولت إلى التوسع، واميل إلى استخدام هذا المفهوم أكثر من مفهوم الفتح، الذى أراه ينطبق على فترة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، حيث كانت الحروب دفاعية، إما لصد عدوان أو منعه استباقيا، أو لمواجهة سلطة منعت وحاربت دخول الإسلام إلى شعبها، ومن أجل تمكين الناس من التعرف على الإسلام، كما حدث ضد الفرس والروم حينها أو للحفاظ على وحدة الدولة كما حدث في حروب الردة. أو مفهوم الاستعمار الحديث، وهو في حقيقته احتلال استيطاني للسلب والقهر، فيما ما فعله المسلمين لم يكن كذلك.

وكان ذلك التوسع حينها سياق سياسي تاريخي طبيعي، لأي امبراطورية ناشئة، ترى فيما حولها من محيط، مجال حيوي لها. ولم يكن مدانا سواء سياسيا أو اخلاقيا، كما يحاول من يتبنى إلصاق مفهوم الإستعمار الحديث بتلك الحقبة من الزمن.

وهذا التوسع وفق ما اقرأ لم تكن تستهدف منه السلطة والدولة الإسلامية حينها نشر الإسلام فقط، كما يقول المؤرخ بل هناك عدة اهداف، أولها بسط السلطة وضم شعوب وأراضي جديدة للإمبراطورية الإسلامية الناشئة، وجعل شعوبها جزء من عقيدة وثقافة الإسلام. ثانيا زيادة موارد الدولة، والتي زاد انفاقها بعد إنشاء الدواوين والوزارات وزيادة تمدن حواضر الدولة، وزيادة نفقات الخلفاء وامور الدولة، لذا اتجه التوسع إلى المناطق الخصبة في الغالب. 

كذلك إيجاد مناصب واموال وسبايا جديدة داخل الدولة الإسلامية، يمكن منحها وتوزيعها على المحيط القريب من الخلفاء، المؤثر على الدولة واستقرارها سياسيّاً، اجتماعيّاً، دينيّاً، عسكريّاً. وتحييد وإسكات بعض الطامعين في السلطة عبر ذلك.

وأنوّه هنا بعبقرية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كرجل دولة، سابق لثقافة زمنه، أثناء ممارسته للحكم، لأنه كابن للمجتمع القرشي وعائلاته، وقارئ لتلك الذهنية، أدرك ذلك المنزع، نحو السلطة والمال. لذا بحكمة وتفكير بعيد المدى، منع توزيع الأراضي المفتوحة في عهده، خاصة الزراعية خارج الجزيرة العربية، ومنع استرقاق أهلها وتوزيعهم على الجنود الفاتحين، وجعل الأراضي تابعة لبيت المال، كوقف لجميع المسلمين، منعاً لاحتكارها من قبل الجنود الفاتحين، وهم جنود وليسوا مزارعين، رغم اعتراض بعض الصحابة وقتها، والإضطرار إلى اللجوء للتحكيم بينه وبينهم، وكانت مقولته الشهيرة: "... ومن لمن سيأتي بعدكم"

كذلك وهذا كان هدف مهم جدا من وجهة نظري، فإن دفع آلاف المسلمين للمعارك الخارجية، فيه ضمان لعدم استغلال المعارضات السياسية لهم، التي كانت ناشطة جدا وقتها، وتعبئتهم ضد الحاكم أو السلطة، خاصة في عهد الدولة الأموية ورأينا في زمن تولي (الحجاج) لولاية العراق، أن من أول قراراته كان منح الناس العطايا ثم توجيههم بما يشبه أمر التعبئة العسكري إلى الانضمام للجيوش المقاتلة على حدود الدولة الإسلامية، مع توعد من يتخلف منهم. وكانت هذه إحدى أهم استراتيجياته لإخماد الاضطرابات والثورات في العراق، في فترة 

الدولة الأموية.


عبدالخالق مرزوقي.


18‏/05‏/2024

عن كتاب: امرأة سريعة العطب





"حبيبي قلل من خطايا الأسئلة المرهقة، واسمعني"
"هذه أنا، وهذا وجعي"


هذه العبارات الأولى من الكتاب، إضافة إلى ما كتب على الغلاف الخلفي، جعلت
 لدي وهم، أنني أمام كتاب يتحدث عن المرأة - كما كتب في العنوان - كذات، وعن
 حكاية النساء مع الوجع.

لكنني وجدت أن الكتاب، يمارس لعبة ماكرة، أجاد الكثير من الكتاب الرجال لعبها
 وهي أن تتحدث أو تكتب عن المرأة - وكنت افضل استخدام كلمة انثى في العنوان
 بدلا من امرأة، لأنها تعبر عن مضمون الكتاب- بلسانها، والقول أنك ككاتب، تعبر
 عن حبها، معاناتها، وجعها. واللعب على عواطف المرأة بهذا القول، وطريقة 
الصياغة والتعبير الظاهر، وكان هذا ينجح في كسب تعاطف وميل النساء لمن 
يفعل ذلك، كما فعل نزار قباني رحمه الله في أغلب قصائده.

لكن حين تحليل خطاب نصوص الكتاب، وما يضمره من خلفية افكار وثقافة
 رأيت أنه يقدم رؤية رجعية عن المرأة، حيث تتمثل في انثى مستلبة لرجل
 وليس معاناة المرأة.

انثى لا يوجد لديها ما تقدمه من خلال كامل نص الكتاب، إلا توسلاتها، وإعلان
 خضوعها، من أجل أن تشعر بأنها محبوبة، وموجودة في حياة رجل ما.

رجل لا وجود ظاهر له، خلال كامل نصوص الكتاب، إلا الوجود المضمر، كسيد
 مطلوب، مرغوب، مشتهى، لا ينال، تتم مطاردته، من قبل أنثى، خلال كامل 
صفحات الكتاب، ليمنحها الاعتراف بوجودها، الذى لا ترى هي أنه يتحقق
 إلا عبر قبوله هو كرجل لهذا الوجود.

عبدالخالق مرزوقي.

04‏/05‏/2024

خيوط المعازيب والتنوع الثقافي


خيوط المعازيب والتنوع الثقافي




في احد لقاءاته، سئل الممثل الأمريكي دنزل واشنطن، حول اختياره لمخرج امريكي من ذوي 
البشرة السمراء، لإخراج احد الأعمال، وهل هو انحاز للون البشرة، أجاب بأن الأمر لا يتعلق 
باللون بل بالثقافة.

 ثم أسهب في الإجابة، بأن مارتن سكورسيزي أخرج فيلم Good Fellas، وستيفن سبيلبرغ 
اخرج قائمة تشاندلر Schindler's List، ولو أخرج كل منهما فيلم الآخر، لقدمه بصورة جيدة
لكن سيبقى هناك جزء مفقود، وهو  الخلفية الثقافية التي يمتلكها كل منهما عن بيئته، وهي جزء 
أساسي في بيئة وشخصية وخصائص الفيلم الذى قدمه كل منهما.

اربط هذه المقدمة، بمسلسل خيوط المعازيب، الذى تم الإحتفاء به، والتفاعل معه كثيرا في 
المنطقة الشرقية أكثر بكثير من خارجها، وهذا هو منطلق هذا الحديث.

اذا اعتبرنا المشاهد في المنطقة الشرقية عامة، وفي الأحساء بشكل خاص، ذاتا خاصة، ويشكل
 مجموع المشاهدين الأكثر إلتصاقا ببيئة العمل، ذات عامة لها خصائص محددة، وإذا كان تعريف 
الذات الشائع هو بأنها تكوين معرفي منظم، للتقيمات والتطورات الخاصة بذات الفرد والتي تعتبر 
تعريفاً نفسياً لذاته.

فإن تلك الذات، ربما للمرة الأولى، تجد نفسها مصوره في عمل فني محلي - بهذه الكثافة – ليس
 ذلك فقط بل أيضا عبر المرآة الخاصة بها، والتي قدمتها بشكل يعكس تصوراتها وخلفياتها هي
وليس عبر (المركز) الذى كان يقدم تلك الذات، بمستويات متفاوتة، لكنه افتقد القدرة الثقافية
والمعرفة بخصائص البيئة والبنيات الاجتماعية، التي تجعلها متجسدة فعليا في عيني المشاهد
خاصة ابن المنطقة، رغم أنه هو كمركز، قدم ذاته هو، بشكل أكثر قرب من الثقافة والبيئة، وهذا 
طبيعي تماما، ولذا كان هناك هذا الإحتفاء بالعمل في المنطقة فهو احتفاء بالذات بذاتها.

لم يكن ذلك فقط ما قدمه خيوط المعازيب، على أهميته، لكن ذلك يشكل جسر أو معبر إلى بعد
آخر، وهو بعد ثقافي مهم، وليس فني فقط، فبلد بحجم المملكة العربية السعودية كمساحة، وتنوعها
الجغرافي، بدون شك يخلق تنوع ثقافي، مهم، ومن المهم أن يبرز، فإذا كانت الثقافة في أحد أهم 
تعريفاتها هي مجمل السمات المميزة، الروحية والمادية والفكرية والعاطفية، التي يتصف بها 
مجتمع أو مجموعة اجتماعية وأنها تشمل االفنون والآداب وطرق الحياة وأساليب العيش، وأنظمة
القيم والتقاليد والمعتقدات. فإن هذه المساحة الجغرافية الهائلة بالتأكيد تحتوي على تنوع يشمل كل
ذلك، وهذا التنوع والحجم، يجعل أبناء كل منطقة بحكم الخلفية الثقافية والإجتماعية التي يحملونها
هم الأقدر على تقديمها، بتفاصيلها الخاصة، إلى المجتمع العام.

لذا ما أنجزه خيوط المعازيب يجب البناء عليه فنيا وثقافيا، ومراكمته، في أعمال اخرى، تقدم كل
البيئات الإجتماعية والثقافية المحلية، في أعمال فنية وثقافية، عبر الهيئات المختلفة، وعبر مرآة أبناء
البيئة انفسهم بخصائصهم ولهجاتهم وعاداتهم. من شأن ذلك أن يعزز التنوع الثقافي والإجتماعي، في
المجتمع العام من ناحية، وكذلك يعزز شعور الإنتماء والحضور والمشاركة لدى الذوات المختلفة 
ضمن الإطار العام وكلا الأمرين مهمين جدا لتعزيز التماسك الاجتماعي.

اشبه ذلك بتركيب لعبة البازل، حيث تقوم اللعبة على تركيب القطع المختلفة معا، لصنع صورة 
كبرى، جميلة بتوعها وتجانسها.

 

23‏/07‏/2023

قراءة غير فنية في فيلم اوبنهايمر


 

الفيلم جميل كحوار وصورة وموسيقى، لكن لن اتحدث عن تفاصيل

 الفيلم الفنية، فهذا ليس مجالي


في القسم الأول من الفيلم اغرمت بالحوار، كان يحمل

ابعاد ثقافية وفكرية عميقة، وكنت اتمنى لو منح هذا

القسم وقت اطول من وقته. 


في القسم الثاني كان التركيز على العمل العلمي والتفاصيل 

العلمية والمعلومات حول صناعة القنبلة، لكن تلك التفاصيل 

كانت قليلة ومختصرة. 


القسم الثالث بدأ من عملية تجربة القنبلة، ومن ثم ردود الأفعال 

التي تلك ذلك، الملاحظ في هذا القسم أنه تناول عملية اطلاقها

 الفعلي في هيروشيما وناجازاكي بصورة مقتضبة وسريعة، وبطريقة 

لا تؤثر سلبيا على عملية استقبال المشاهد الأمريكي للحدث بل 

قدمها كعملية يفخر العلماء والجنود والسياسيين بأنهم كانوا جزءا 

منها. 


فلم نرى مشاهد حقيقية لعملية إلقاء القنبلة، ولم نرى مشاهد 

للضحايا، أو لآثار القنبلة، بل لم نرى قطرة دم خلال الفيلم، ومر رقم

 الضحايا كمجرد عملية احصاء لإعدادهم، ولم نرى عملية تعاطف 

انساني معهم، بل كان هم السياسيين هو أنها ستساهم في عملية 

سرعة إنهاء الحرب وعودة الجنود لأهاليهم. 


يحاول الفيلم تقريبك من شخصية اوبنهايمر، واستمالتك نحوه، عن 

طريق التركيز على الإنسان، والعقل العلمي لديه، وقدمه بشكل 

محايد فلم يظهره كصاحب حس اخلاقي تجاه ما يقدم عليه، بل 

اظهره وبقية العلماء المساهمين معه، كجنود يساهمون من خلال 

العلم في خدمة الأمة. 


ويجعل ما صنعه مجرد (تقدم علمي) ضروري، عليك أن تكون محايدا

 أمامه، و(متفهم) لنتيجته، ولا تمارس الإدانة الأخلاقية للنتيجة، وكان

 دور عملية اخفاء وتغييب أي وجود للضحايا خلال الفيلم، أن يساعد 

في عملية تجنب حكمك على النتيجة ( صنع القنبلة)  اخلاقيا. خاصة

 أن تلك العملية بالنسبة للمشاهد الأمريكي تعتبر مصدر فخر، واحدى

 منجزات الحرب، والرد الطبيعي على (بل هاربر)، لذا تجنب كريستوفر

 نولان أن يتصادم مع ذلك التاريخ لدى الشعب الأمريكي ويقدمه بصورة

 سلبية، قد تؤثر على الفيلم اعلاميا وفي ذهنية المشاهد. 


لكن كمشاهد محايد، من الصعب حين ترى الصورة الأكبر من الفيلم

 اعني أنك امام عملية صنع سلاح قتل في استخدامه الأول ما يزيد 

عن 100 ألف انسان، على مراحل، ألا تقفز امامك الأسئلة. 


واهمها سؤال المبدأ الأخلاقي في مواجهة التقدم العلمي حين يحدث

 بينهما تصادم، خاصة أن التقدم العلمي لا يستطيع إلا أن يكون أداة 

في يد سلطة تفوقه وتستخدمه، وتوجه نتائجه لخدمة اهدافها

 المخطط لها مسبقا، وهذا ما لمح له الفيلم، في بعض حواراته حين

 اخبر الجنود العلماء أن دورهم انتهى، وبدأ دورهم هم وحدهم

في استخدام ما انجزه العلماء. 


لكن من جهة اخرى هناك سؤال آخر، ماذا لو غلبنا المبدأ الأخلاقي

لكن سبقنا من لا يحمل مبادئ اخلاقية وصنع ذات السلاح

 واستخدمه ضدنا، أي ماذا لو سبق هتلر مشروع مانهاتن وصنع 

قنبلته اولا، وألقاها على لندن وموسكو وبقية مدن الحلفاء خلال 

الحرب العالمية الثانية، وانتهت الحرب العالمية بانتصار النازية 

وسيطرتها على العالم. 


 ألن يعد ذلك ضعف وتفريط وفشل من الدولة في استغلال التقدم

 العلمي في حفظ وحماية شعبها وحياته، وهو واجب كل سلطة 

وقائد تجاه شعبه. 


وهل سيقوم أي شعب بتغليب المبدأ الأخلاقي في هذه الحالة

على مصلحته وحياته وحفظ بلده. 


10‏/06‏/2023

 اكتشاف السائد ثقافيا من خلال كلمات الأغاني           

                            

"منت فاهم يا اغلي من مر بعيوني...عاشقك سلّم امره للغرام"

الآثار التي تتركها أي ثقافة سائدة في مجتمع ما أو ثقافة ما، تتبدى 
غالبا في فنونها وآدابها، والشعر من اكثر انواع الفنون الأدبية الذى 
تظهر فيها تلك الآثار، خاصة أن الشاعر يكتب وهو يحمل مخزونه
 اللاواعي من الفكر والثقافة اللذان شكلا وعيه ولغته الشعرية.

من ذلك أن السائد لدينا كرجال هو عدم (اعلان) التسليم والإستسلام 
للمرأة، حتى وإن كان ذلك قد حدث بالفعل، لا اعلم إن كان هذا 
خاص بنا، اعني امر خاص باثثقافة العربية أم هو السائد ثقافيا بين 
رجال العالم.

جئت بهذه الأبيات في اغنية عباس ابراهيم، لأنها استوقفتني، للتفكير 
في هذا الأمر فالشاعر هنا، في لاوعيه الثقافي، يرفض التسليم للمرأة
لأن اللاوعي يربط ذلك التسليم بهزيمته كرجل أمام المرأة، ويقتضي 
ذلك لاحقا التسليم بسطوتها في العلاقة لذا اختار ألا يعلن تسليمه لها في
شعره، واعلن أنه يسلم امره للغرام، وليس لها كإمرأة وبهذا يمنعها من 
لذة الشعور بالسطوة عليه، وبما يحيل إليه ذلك لاحقا من اظهار قوة 
وتحكم في العلاقة.

وهناك ابيات من قصائد اخرى، في هذا السياق، يمكن الإستشهاد بها
تظهر جزء مهما من ثقافتنا كرجال في التعامل مع المرأة، اعني البيت
 التالي من أغنية يا غالي الأثمان التي غناها محمد عبده:

"اشبهه بالّلي عسيفٍ من الخيل . . . تلعب وانا حبل الرّسَن في يديّا"

كذلك البيت التالي من اغنية عيونك آخر آمالي لعبادي الجوهر:

"وابيك تكوني فوق الناس وابي ماينحني راسي"

فالثفاقة السائدة لدينا كرجال، لا تمانع ابدا، بل يستهويها أن يكون لدى
المرأة قوة استقلالية، سطوة، تمرد، حرية، لكنها مشترطة بعدم حتى 
محاولة ممارستها مباشرة علينا كطرف في هذه العلاقة، وبأن نستمر 
في الشعور بالهيمنة في علاقتنا بإمرأة ما بغض النظرعن وجود الهيمنة 
فعليا من عدمها فالأهم هو الشعور بها.

لكن ايضا وجدت ما يضاد هذه الأبيات، مثلا في قصيدة احمد شوقي:

" مضناك جفاه مرقده .. و بكاه و رحم عوّده
....
....
ويقول تكاد تجنّ به .. فأقول وأوشك أعبده
مولاي و روحي فى يده .. قد ضيعها ، سلمت يده"

تفسيري ذلك, اعني اختلاف تعبير شوقي، واعلانه ذلك التسليم، هو 
امتزاج عدة ثقافات في خلفية شوقي الفكرية، فهو من اصول غير عربية
يقال كردية وشركسية من جهة ويونانية من جهة اخرى، كذلك دراسته 
في فرنسا، وتأثره بالشعراء في الفرنسية، ايضا عيشه فترة في اسبانيا 
خلال عملية نفيه، لذا في لاوعيه الثقافي لم تبقى الثقافة العربية 
السائدة هي وحدها المهيمنة.

عبدالخالق مرزوقي.

03‏/02‏/2023

المرأة بين نزار ودرويش

 القصيدة قبل أن تكتب شعرا، هي تعبير عن كيفية رؤية الشاعر

 لذاته، وللآخر، والعالم، وذلك التعبير وتلك الرؤية يستمدان مواردهما

 من وعي وفكر وثقافة الشاعر، وكيفية تشكلها.


 وفي مجال هذه الرؤية ومعناها، لو وضعت بين خياري شعر 

محمود درويش ونزار قباني، سأختار الإنحياز لشعر درويش 

مع الإعتراف، بأن جزء مني كرجل شرقي، يهوى الخطاب الذى 

يحمله شعر نزار. 


خطاب شعر نزار، هو يحمل صوتا واحد في التعبير عن الحب

هو صوت الرجل، الذى يهيمن، ويفرض طريقة الحب وسير العلاقة

 وشكلها، مقصيا صوت المرأة من خطابه، رغم أن كلمة المرأة تتردد

 كثيرا في شعره، لكن تتموضع في موقع المستقبِل للخطاب، وليس

 لها أن تكون مرسلة له، أو لصوتها وجود كبير، كقصيدة ( إني خيرتك

 فاختاري)، أو قصيدة ( قلي ولو كذبا). فهو في القصيدة الأولى في

 الحقيقة لا يخيرها، بل يفرض على المرأة شكلا من الحب يريده 

هو كرجل، أو أن تُقصى.


وهو أنه في الحقيقة، كما ارى لا يخاطب المرأة بل يخاطب الأنثى

 في المرأة فقط، وكان ذكيا لأنه ادرك أن هذا الخطاب يستهوي

 الكثير من النساء، وكذلك يحبه الأغلب من الرجال، فكما كتبت 

سعاد الصباح في قصيدة كن صديقي: (غير أن الشرقي لا يهوى

 إلا ادوار البطولة).


فيما نرى في شعر محمود درويش عمقا انسانيا اكبر، وتتعدد

 الأصوات داخل القصيدة، وتبادلها بين الرجل والمرأة، كما في

 هذه القصائد ( في الإنتظار) و (انتظرها). كما لا يخجل حين 

يقوم بتبديل الادوار، من اظهار تبادل القوة والضعف بين الطرفين

 في التعبير عن مشاعرهما، وذواتهما كما في قصيدة( يطير الحمام):

لأني أحبّك (يجرحني الماء)

والطرقات إلى البحر تجرحني

والفراشة تجرحني

وأذان النهار على ضوء زنديك يجرحني

لأني أحبّك يجرحني الظلّ تحت المصابيح

يجرحني طائرٌ في السماء البعيدة

عطر البنفسج يجرحني

أوّل البحر يجرحني....آخر البحر يجرحني

ليتني لا أحبّك...... يا ليتني لا أحبّ

ليشفى الرخام

إلى أين تأخذني يا حبيبيَ من والديَّ

ومن شجري، من سريري الصغير

ومن ضجري، من مراياي،َ من قمري

من خزانة عمري ومن سهري... من ثيابي، ومن خَفَري؟

إلى أين تأخذني يا حبيبي إلى أين

تُشعل في أُذنيَّ البراري

تُحَمِّلُني موجتين، وتكسر ضلعين.. تشربني ثم توقدني

ثم تتركني في طريق الهواء إليك...حرامٌ... حرامُ

يطير الحمامُ...... يَحُطُّ الحمام.


عبدالخالق مرزوقي. 


07‏/12‏/2022

قراءة في تضامن الجماهير العربية خلال المونديال

 قراءة في تضامن الجماهير العربية خلال المونديال

عبدالخالق مرزوقي

ليست المرة الأولى، التي تشارك فيها المنتخبات العربية في بطولة كأس العالم، أو تحقق انتصارات ونتائج جيدة فيها، لكن ما حدث من مجمل الجماهير العربية في هذه البطولة استثنائي، وبعيدا عن محاولة تفسير  هذا التضامن والمساندة الكبيرة من الجماهير العربية لقطر والمنتخبات العربية المشاركة في البطولة، برده إلى اسباب ايديولوجية أو قومية.

ارى أن ما حدث، يجد تفسيره في مجال آخر، فما حدث في اعتقادي.      هو شعور جمعي يسبق أي ايديولوجيا أو قومية، واقوى منهما واكثر  اصالة، هو الشعور بأن من في الملعب يمثل جزءا اصيلا من الذات  وانتصاره هو انتصار لذات الجماعة، على آخر يتعالى ويريد فرض.   نموذجه وهويته وهيمنته، عليها، من خارجها. 

‏‎‎اعلم انه تشبيه بعيد، والسياق مختلف، لكن ارى هناك تقاطعات، بين ما حدث في كأس العالم هذه بالنسبة للعرب، بما جرى من تجمع القبائل العربية قبل معركة ذي قار.

فما هي هذه التقاطعات، اهمها من وجهة نظري، هو رد محاولة التعالي والنظرة السلبية، التي قام الإعلام الأوروبي تحديدا وبعض الجهات الرياضية تجاه تنظيم قطر لكأس العالم، وتم النظر إلى ذلك وكأن هذه المنطقة من العالم، أقل من، ولا تستحق تنظيم حدث عالمي كهذا الحدث وتزايد ذلك في المرحلة التي سبقت افتتاح البطولة، و هي بالمناسبة ذات النظرة التي تنظر بها ذات الجهات الغربية تجاه مشاريع الكبرى الأخرى في المنطقة كمشروع نيوم على سبيل المثال، وقد قرأت الشعوب العربية ذلك كإستهداف للمنطقة وليس لدولة فيها. 

الثاني هو محاولة الإعلام الاوروبي وبعض المؤسسات الرياضية فيه، وكذلك دعم بعض المنتخبات المشاركة لمحاولة فرض نموذج للهوية   ونمط ثقافي معين، خارج عن الذات العربية والإسلامية ومبادئها، عليها.

وهنا من الطبيعي أن تكون هناك ردود فعل معاكسة في الإتجاه، يقوم بها الوعي الجمعي العربي والإسلامي، لمحاولة صد ما يقرأه كإستهداف، وهنا   لا يهم كثيرا إن كان هناك استهداف حقيقي أم لا، المهم هو ما يقرأه ومن ثم يقره ويُعَرفه الوعي الجمعي كإستهداف، ويتصرف على انه حقيقة. 

ثم جاءت النتائج الإيجابية للمنتخبات العربية، لتشكل وقودا دافعا. لتحقيق المزيد من التضامن والمساندة الجماعية، لان الوعي الجمعي.   تبنى تلك النتائج على أنها رد عملي، على أن الذات والجماعة قادرة.     على البرهنة إلى الآخر، والقول له أنها قادرة على كسر تعاليه وغروره.

وفي مثل هذه الحالات من الوعي الجمعي، تجاه الشعور بالإستهداف، والحاجة للتضامن جماعيا، في محاولة صده، فإن الفروقات والتمايزات. بين الأفراد والإتجاهات داخل الجماعة الكبيرة الواحدة، يقوم الوعي الجمعي، بتضييقها وتصغير حجمها، لصالح زيادة وتكبير مساحة المشترك العام، لتحقيق اكبر قدرة وفعالية ممكنة من التضامن والمساندة. 

12‏/02‏/2022

ضرورة وجود نص متعالي لتصور العالم

 الطريقة التي نتلقى بها النصوص، من العالم الخارجي

والعملية التي يتم بها بناء المعرفة والتمثيل الذهني لتلك

 للنصوص، داخل عقولنا، وهو ما ينتج عنه ما يسمى

 بالصورة الذهنية، وتصورنا للعالم عموما. 


يجعل من شبه المستحيل القول أننا نعيش في عالم

 واحد، مُتَفَق على تعريفه، ومنح معنى واحد لمفاهيمه. 


ومن هنا اهمية وجود نص أصلي متعالي، متجاوز لطرق

 بنائنا للمفاهيم، يعرف ويحدد المبادئ الأولية في العالم

 ويشكل مرجعية، تردعنا عن التصرف، وكأن ما نبنيه

 من مفاهيم عن العالم هو حقيقة العالم. 


عبدالخالق

02‏/10‏/2021

لعبة شهريار المستمرة ضد وعي المرأة



"جاءت شهرزاد لتقاوم الرجل بسلاح اللغة، فحولته إلى (مستمع) 
وهي ( مبدعة)، وادخلته في لعبة المجاز وشبكته في نص مفتوح
نص تقوم فيه الحبكة على الإنتشار والتداخل والتبدل والتنوع
وتاه الرجل في هذا السحر الجديد، قامت هذه اللعبة المجازية على 
تدجين المتوحش وذلك بإخضاع الرجل وترويضه لمدة ألف يوم
ويوم، وهذه مدة تعادل الزمن الطبيعي لفترة الحمل والرضاعة
وبذا تكون المرأة قد أدخلت الرجل البالغ ( المتوحش) في رحم
مجازي، وفي حضانة مجازية، وجعلته يعتمد عليها في رضاعة 
ليلية، يتطلع إليها وينتظرها، فصار عالة على المرأة، مثل طفل
 مع أمه، حتى تدجن ولانت سطوته".


النص السابق من كتاب: المرأة واللغة، للدكتور عبدالله الغذامي
وهو يصور ويصادق على (السردية الشائعة)، لإنتصار شهرزاد 
على شهريار، عبر انهاء ممارسته ل متعته في الممارسة كل 
ليلة مع إمرأة ثم قتلها، كما يحكي كتاب (ألف ليلة وليلة).


فهل فعلا انتصرت شهرزاد على شهريار ومنعته من هذه المتعة؟ 
أم هناك طرق اخرى يمكن اعادة فهم (لعبة شهريار) عبرها
وتخفيها السردية الشائعة التي نُقِلَت لنا؟ وعبر اعادة القراءة
تلك، نستطيع فهم استمرار لعبة شهريار في العصر الحديث.


من مضمرات القصة، والتي ربما هي جزء من لعبة شهريار
والتي يمكن العثور عليها، حين التحليل بخلفية جندرية، هي 
أنها كقصة في خطابها المعلن تقول بإنتصار شهرزاد (المرأة) 
لكن في مضمرها ترسخ أن على المرأة أن تبذل جهدا دائما 
ومتواصلا، لكي تكون مصدرا لمتعة الرجل وأن انتصارها المفترض
الذى تروجه السردية الشائعة، هو انتصار قال به وروجه الرجل
وهو انتصار لا يتحقق لها كشهرزاد، ولكل النساء، إلا باستمرارها 
في بذل الجهد لتكون مصدرا لمتعة الرجل، كل وقت، كما يرسخ 
خطاب القصة المضمر، وبالتالي عليها دائما أن تكون تحت ضغط 
أن تكتسب مهارات أرضائه، وأن تبادر، بكل ما تملك من قدرة 
وذكاء وحيلة، وكل وسيلة قادرة على امتلاكها، مادية أو معنوية.

ولا يتم الإعتراف بإنتصارها إلا حين يقر الرجل أنه في حال 
استمتاع، وهو اقرار وقتي، فسرعان ما يطلب المزيد من 
المتعة، اما هي فيكفي أن يقول لها أنها انتصرت عليه وتحررت
فهل شهرزاد انتصرت في الحقيقة؟  رغم أن صلب دورها في
القصة لم يتغير، سواء كانت شهرزاد ألف ليلة وليلة أو المرأة 
الحالية في (خطاب الرجل) لتحريرها،  وهو تحقيق المتعة
 لشهريار، التي استمر يحققها رغم تغير الأدوات والوسائل
لكن لعبته مستمرة، بخطابات ماكرة، تحاول مراوغة وعيها
فتقدم لها كامرأة حديثة تبحث عن تحرر من سلطة خطاب
هيمنة، خطابية تحررية، لكن بمضمون لا يختلف بل ربما
مطابق لرغبة لشهريار القديم، الذى ما زال يستخدمها لتحقيق
متعته، فسوق عروض الأزياء والتصاميم ومقاسات العارضات
ومواسم الموضة الي يحددها جميعا الرجل، والإعلانات للسلع 
التي تستهدف الرجل وعن طريق استخدام المرأة كسلعة لتسويق 
السلع والخدمات، من اعداد وتصميم واخراج الرجل ومن اجله 
والإنتشار المهول لعمليات التجميل وملابس النساء اثناء الألعاب
الرياضية، بما في ذلك الأولمبياد التي هي اقصر بكثير واكثر 
ضيقا من ملابس الرجال في ذات الألعاب، واندية الإستربتيز
ومواقع المواعدة الحديثة وتشريع الجنس كمهنة قانونيا وغيرها
جميعها تقدم من أجل الرجل كمستهلك ومشتري نهائي، حتى
في السلع الخاصة بالمرأة، لكنه يقدمها في خطابة للمرأة الحديثة
 كجزء من الحرية، ومن تحررها، ويجعلها تقتنع بهذا المفهوم
 فيما المضمون هو جزء من لعبته القديمة المستمرة في
 استخدامها كمتعة.


 لذا التحرر الحقيقي يكون في تحررها من أسر سلطة تلك
 اللعبة، ومن جعل خطابه تجاهها هو المحدد لمفاهيمها 
وقيمها تجاه ذاتها، وبتقديمها خطاب مضاد، يعيد تعريف 
ذاتها، ويضع معاني جديدة للمفاهيم. 

فلا يمكن أن تكون حرا، حين تكون مستمرا في استخدام 
لغة، مفاهيم، وخطاب لست مساهما فيها، وانتج من
اجل الهيمنة عليك. 


*عبدالخالق مرزوقي




14‏/11‏/2020

عرض كتاب: الجماعة واللاوعي

 

اسم الكتاب: الجماعة واللاوعي






المؤلف: ديديه أنزيو
المترجم: د. سعاد حرب
الناشر: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع 


    هو من اهم الكتب التي وضعت، حول الواقع النفسي للجماعات الإنسانية
    ويمكن اعتباره عملا أساسا في البحث في مادة التحليل النفسي الجماعي
    يركز المؤلف على مفهوم " الخيال الجماعي"، فللجماعة نفسيتها الخاصة
    المختلفة في ظل بعض الشروط، وفي بعض الأحيان، عن نفسية الأفراد 
    الذين يؤلفونها أو الذين يعارضونها، ومن اجل توضيح هذه النفسية، ينطلق 
    المؤلف من المماثلة بين الجماعة والحلم، فهي تقوده إلى وصف وتحديد 
    موقع العديد من السياقات الهوامية التي تشكل خلفية حياة الجماعات: 
    الهوام الجماعي، الجماعة – الفم، هوامات الكسر، الجماعة – الآلة
    المقاومة المفارقة المدمرة للذات، الإختلاجات الناتجة عن الصورة 
    الأبوية أو عن الأنا الأعلى.



    تعليق: يستمد الكتاب قوته من كون الدكتور (ديديه أنزيو)، متخصص في 
    هذا المجال واستمد مادة الكتاب، من دراسات ميدانية، مباشرة، على 
    الجماعات سواء جماعات مكونة بشكل مسبق، كجماعة إدارة احد المصانع 
    الصغيرة أو جماعات تم تكوينها، وتحفيزها، من بيئات تنظيمية وخلفيات 
    ثقافية مختلفة، لغرض الدراسة والبحث.



اقتباسات من الكتاب

- "الجماعة غلاف، يضبط الأفراد معا، ومن الممكن أن نجد، طالما هذا 
الغلاف غير متشكل، تراكما بشريا، وليس جماعة.
ما هي طبيعة هذا الغلاف؟ يشدد علماء الاجتماع الذين درسوا الجماعات 
والإداريون الذين ساسوها، والمؤسسون الذين خلقوها، يشددون على 
شبكة القوانين الضمنية والظاهرة، والعادات المتبعة، والطقوس والأفعال
والوقائع، والتي تمتلك قيمة مرجعية، وعلى تخصيص الأماكن داخل 
الجماعة، وعلى خصوصية اللغة المتبادلة بين الأعضاء، والمعروفة 
منهم فقط. 
"إن غلافا حياً.... هو غشاء ذو وجهين، يتجه الأول نحو الواقع الخارجي 
الجسماني والإجتماعي، لا سيما نحو جماعات أخرى متشابهة أو مختلفة 
أو متناقضة، فيما يخص نسق قواعدها، وبهذا الوجه تُشَيٌد الجماعة سداً 
حامياً ضد الخارج، يعمل، إذا امكن، كراشح للطاقات التي يجب استقبالها 
وللمعلومات التي يجب تلقيها، ويتجه الوجه الآخر نحو الواقع الداخلي 
لأعضاء الجماعة، .... وبوجهه الداخلي، يسمح الغلاف الجماعي بإنشاء 
حالة نفسية متعدية الفردية، والتي اقترح تسميتها ب "ذات الجماعة"
فللجماعة ذات خاصة، وهذه الذات خيالية، وتؤسس الواقع الخيالي 
للجماعات.


"بإمكان جماعة أن تجد غلافها النفسي في أنا مثالية مشتركة، وهذه 
 هي ظاهرة الوهم الجماعي."
"تأويل الصمت: يعبر الصمت الجماعي المستمر أو المتكرر، عادة 
عن قلق اضطهادي، أمام ظرف الجماعة التي تعاش كأم سيئة، يُحمَل 
التأويل عندئذ على وجود خوف غير معترف به في ذهن المشاركين
خوف من الكسر.



    تعليق: نلاحظ هذه الظاهرة، اعني ظاهرة الصمت، في العديد من اللقاءات

    الملتقيات، الإجتماعات، ورش العمل، بغض النظر عن نوعها، رسمية 

    غير رسمية، أو مكان انعقادها، وتشمل مروحة واسعة، من اللقاءات

    العائلية في مكان محدد، إلى الإجتماعات التي تعقد داخل منظمات الأعمال

    أو غيرها، حيث يكون فرد ما، يقود الجماعة، أو يديرها، مشكلا "صورة

    الأب"، فيما يبقى اعضاء الجماعة، غير مشاركين بفعالية، ما لم يتم حثهم

     وحتى في تلك الحال، وكلما قلت سلطة الفرد، فإن تلك المشاركات

     تبدو وكانها تستبطن حالة نفسية دفاعية.


"الجماعة هي المشاركة في التمثلات، وفي المشاعر والإرادات، وفي
 الجماعات كما عند الأفراد، على التمثلات، أي الإدراكات الحسية والأفكار
 أن تراقب المشاعر وأن تأمر الإرادات.

"يتم سلوك جماعة ما على مستويين، الأول هو المهمة المشتركة، والثاني
في مستوى الإنفعالات المشتركة، يكون المستوى الأول عقلياً وواعياً، إذ 
لكل إذ لكل جماعة مهمة تتلقاها سواء من التنظيم الذى ترتبط به
أو تنوطه هي بنفسها، فيما المستوى الثاني يتميز بغلبة السيرورات 
النفسية "الأولية"... يسميها (بيون Bion) "افتراضات القاعدة"، وهذه
الحالات الشعورية قديمة، ونجدها في شكلها الصافي في الذهان، ومنها: 
التبعية: تطلب الجماعة، عندما تعمل على هذا الإفتراض، من الزعيم
أن يحميها، ولا يمكن أن تدوم من غير أزمات، إلا إذا قبل القائد الدور 
والسلطات التي تعينها له الجماعة، وإذا قبل الواجبات التي تنتج عنهما. 

     تعليق: الزعيم هنا، يُقصَد بها من يقود أي جماعة اجتماعية، بغض النظر 
     عن نوعها سواء كنا نتحدث عن عائلة معينة، أو إدارة في منظمة، إلى 
      قيادة دولة كاملة، وعندما يعمل اعضاء تلك الجماعة بذهنية التبعية
      فإن اعضائها يضمرون ذهنية تُعَرِف عن ذاتها، بعدم الفعالية 
      والقصور، وغير قادرة على المبادرة، وهنا فخ، قد يقع فيه من 
      يقود الجماعة، بطريقة لا واعيه، حين يقبل، أن ينساق ضمنيا
      لتلك المخاوف، والتي تلقيها الجماعة عليه، وتكلفه بها، فيتحول اذا 
      كان الحديث عن إدارة في منظمة اعمال، أو جماعة خاصة، لها 
      تنظيمها الخاص، داخل المجتمع العام، مثلا كجمعية معدة لغرض ما
      أو كنقابة أو حزب، إلى لعب دور زعيم قبيلة بدائية تضم "اتباع"، امام
      زعماء قبائل اخرى، اكثر منه لعب لدور قيادة "اعضاء مسؤولين" في 
      جماعة ما.

"المعركة - الهرب : يشكل رفض افتراض التبعية، من قبل المرشد، خطرا 
على الجماعة، إذ تعتقد حينئذ أنها غير قادرة على البقاء على قيد الحياة، وفي 
مواجهة هذا الخطر، يجتمع المشتركون بوجه عام إما للصراع أو الهرب..
 ..لقد أرادت الجماعة أن تبرهن أنها غير قادرة على أن تدير شؤونها لوحدها" 


     تعليق: هنا عندما يرفض من يدير الجماعة، رغبتها في التبعية، ولا تجد 
     من تلقي عليه بمخاوفها، لتتخلص منها، ترتد داخليا، إلى ذاتها كجماعة
     وتتحول إما إلى الصراع، بين اعضائها، حول الأدوار والمسؤوليات 
     خاصة في اللقاءات تضم جميع أو غالب اعضائها، أو هربهم من تحمل 
     تلك الأدوار وفي الحالتين، يشكل ذلك نداءا خفيا، لمن يقودها، كي 
     يتخلى عن رفضه لتبعيتها وقصورها.


التزاوج: يؤدي موقف المعركة - الهرب، في بعض الأحيان إلى تكوين 
جماعات تحتية أو أزواج. 

    تعليق: يُقصَد بالجماعات التحتية أو الأزواج هنا، انقسام الجماعة الواحدة
    إلى جماعات ضمنية مختلفة، واصغر عددا، داخل الجماعة الأصلية
     وتحاول كل جماعة تحتية، أن تجد "أب" جديد، من بينها، بديلا عن قائد
 
     الجماعة الكبرى، كي تلقي عليه تبعيتها وهواماتها.



"الجماعة تهديد أولي للفرد، لقد قادتنا تجارب، إلى تحديد فكرة أن 
الجماعة هي تهديد أولي للفرد، والحال، لا يوجد الكائن الإنساني 
إلا إذ شعر بوحدته وحدة جسده ووحدة نفسيته"

"الجماعة فم، الهوامية الشفوية في الجماعة"



     تعليق: عبارة الجماعة فم، تشرحها عبارتي المؤلف في ذات الفقرة: 

     "الجماعة تغذينا"، و"الجماعة تأكلنا"، وتغذينا هنا تشمل كل انواع 

     التغذية، المخاوف، الخيالات، الهوامات، الأنا المشتركة، الرغبة في 

     التبعية، وكذلك فهي كجماعة تأكلنا كأفراد، تلغي ذواتنا، وتدمجها

     في "أناها" المتخيل المشترك، أو المتوهم .


    "أليس كل تكوين (Formation) هو تشويه (Deformation) بنموذج 
     مفروض من الخارج؟ أليس استلاباً للفرد؟ ... ألا يحاول هذا التكوين 
     قولبة نمط المرء، ونمط من العلاقات الإنسانية المحدد سلفاً؟ 

ما يجب أن نتعلمه من أحد ما – وهذا ما ينطوي عليه التكوين – لا نمتلكه
إلا بعد أن نكون قد استقلينا عنه، بعد أن نقتل رمزياً سطوة صورته، وفي 
نفس الوقت صورة سطوته"

   تعليق: هنا المعنى يدور حول أنه يجب أن نتوقف عن الحديث، بلسان 
   المعلم ولغته - أيا كان من نتعلم منه، ونوع المعرفة - أن تقتل ذات المعلم
   داخلنا، ونبدأ في التحدث بلساننا نحن، ولغتنا، بدون ذلك سنبقى متلقين 
    سلبيين، واقصى ما سنصل إليه، هو استمرار تدوير لغة المعلم وذاته. 


    "هناك صراع ضد الندرة – في الجماعات – إذ يخشى كل واحد، أن يكون 
    "فضله"، يجب أن يزيلها الآخرون، "فم لا نفع منه"، من هنا تصمت افواه 
     كثيرة، عند بداية الجماعة، لأنها تشعر أنها غير مفيدة، وأنها إذا تكلمت 
     فسيلفت ذلك انتباه المنافسين " المبيدين" نحوها" 

"يعمل، إنتاج الوهم في الجماعات، بواسطة سيرورة اخراج مماثلة أيضا
 لتلك التي تعمل في الحلم،...فالحلم شأنه شأن العارض، هو تكوين لتسوية
 بيت الرغبات اللاواعية وأولويات الدفاع، التي تكون لا واعية بشكل عام" 
- "في كل لقاء بين اثنين أو عدة كائنات، إما تنطوي الذات الإنسانية على 
نفسها لحماية هويتها المهددة، وهواماتها الشخصية اللاواعية، وإما تضع 
في الأمام احد هذه الهوامات لتجعل الآخر أو الآخرين، يدخلون في لعبتها" 
- "ما هو الهوام الفردي؟ انه سيناريو خيالي، يلعب بين عدة اشخاص
 وتكون الذات حاضرة، بوجه عام كمشاهدة وليس كفاعله" 



17‏/07‏/2020

كتاب: المقدس والعادي



الكتاب: المقدس والعادي







المؤلف: مارسيا إلياد
كتب الكتاب عام 1956
المترجم: د. عادل العوا
الناشر: صحارى للصحافة النشر-2000
عدد الصفحات: 152



       __________________________________________________
تعليق: كتب الدكتور عادل العوا مقدمة طويلة (21 صفحة)، ووضع لها عنوان: (نحو علم الأديان)، لتتحول إلى أشبه بكتاب تمهيدي مصغر عن علم الأديان عموما، وليس عن كتاب مارسيا إلياد فقط، وأعتقد أن القارئ غير المتعجل الذى يبحث عن اكبر قدر ممكن من الإلمام، بأفكار الكتاب، سيجد هذه المقدمة ممتازة وضرورية للفهم، رغم أنك ربما لا تتفق مع بعض ما ورد فيها بحكم خلفيتك الفكرية كقارئ عربي
          __________________________________________________


من مقدمة المترجم: 


التدين موقف أساسي من مواقف القيم الإنسانية التي لا مندوحة للثقافة من أن تستجلي عبره جانبا رئيسيا من جوانب وجود الإنسان، وتطوره خلال الحقب والعصور، وقد تطور اهتمام الناس بالدين من الإيمان الساذج إلى الإيمان الواعي، ثم البحث في ظاهرة التدين بحثا اعتقاديا بادئ ذي بدء، ثم تطور هذا البحث بتطور العلوم الإنسانية وتمايزها حتى ظهر في إطار هذه العلوم، علم الأديان أو تاريخ الأديان المقارن أو تاريخ الأديان.


يعرف (إ. رويستون بيك) تاريخ الأديان بقوله: "إنه دراسة علمية وموضوعية تتناول ديانات العالم الماضية والحاضرة، وهذه الدراسة تتوخى دراسة الأديان في ذاتها واكتشاف ما يقوم بينها من نقاط تشابه واختلاف، واستخلاص تشابه واختلاف واستخلاص مفهوم الدين بشكل عام، وعلى هذا فإن "علم الأديان" بحث وسط يقوم 
بين التاريخ من جهة وبين علم النفس وعلم الاجتماع من جهة أخرى. 



- في العصر الحديث رفض بعض الباحثين إفساح المجال للدين، واستعاض بعضهم عنه في الواقع بعبادة علمانية، (عبادة كائن أعلى، أو عبادة الشخصية السياسية) أو استعاضوا عن الدين بفلسفة اجتماعية سياسية أو عرقية صُعِدَت ورقي بها إلى رتبة عقيدة آمره قاهرة لا تُمس.


- وقد بات في حكم المقرر، أن الدين قد لازم نشأة الحضارة، وبدا على انه خصلة من الخصال التي تميز الفكر الإنساني، حتى أن من العسير على ما يبدو، أن نفترض وجود مجتمع غابر خلو من الدين، إلا إذا اعتبرناه متسما -وأعضاءه – بالبلاهة والعجز أما دراسة الدين فيمكن أن تنطلق من أحدى وجهي نظر، هما: وجهة النظر الاعتقادية ووجهة النظر العلمية، والتاريخية، يقول (فان درلو): "إن ما هو موضوع في نظر الدين نفسه يصبح هو المحمول في دراسة علم الأديان، فالله هو الذى يعمل في نظر الدين بالنسبة إلى الإنسان، أما العلم فإنه لا يعرف إلا عمل الإنسان بالنسبة إلى الله وأن العلم ليعجز عن الكلام على عمل الله.


- بحسب (ميسلن) تعريف الدين لا يمكن أن يكون إلا تعريفا تقريبيا، تعريفا لا يطابق موضوعه، لأن كلمة دين تشتمل على وقائع جد متباينة، وينجم عن إضمار أي ميتافيزيقيا في تعريف الدين تزييف كل بحث علمي في هذا المجال، لذا يجب الانطلاق من التجربة الإنسانية، تجربة الإنسان عن المقدس.


- يقول (هايدجر) كما نعجز عن معرفة حلم الحالم، إلا بالكلام الذى يعرب به عنه الحالم في حال يقظته، كذلك فإننا لا نعرف المقدس، إلا من خلال الإنسان الذى يعرب عنه وبديهي أن الإنسان إنما يعرب عن المقدس بمفاهيم وأساطير ورموز، لا يشعر بها "الإنسان الديني" إلا باعتبار إنها سبيل من سبل الكلام والتقريب والإشارة، تتفاوت مواءمتها لموضوعها، إنها ليست إلا كتابات إنسانية، تنقل واقعا يظل بذاته خفيا عن الإنسان إلى حد كبير أو صغير ولكن الإنسان يود برغم ذلك أن يربط به عمله، وعلى هذا يمكننا تعريف المقدس على انه علاقة. 


- وينجم عن ذلك أن من الواجب أن نميز في كل فعل ديني، مرحلتين: إدراك الإنسان للمقدس باعتبار المقدس واقعا موضوعيا ومتعاليا، من خلال تجربة عقلية وانفعالية شعرية أو رمزية، من جهة، ومن جهة أخرى تعبير الإنسان عن هذا الواقع إذ يجعله أمرا
محايثا للإنسان، ذلك أن هذا التعبير الذى يصوغه الإنسان في لغات شتى لا يقتصر على وصف المقدس، والمقدس موضوع خارجي عن الإنسان، بل يشهد في الوقت ذاته على علاقة قائمة بين الإنسان وبين شيء آخر، والإنسان يعني أن بامتلاكه الخاص لذلك الشيء يحور حياته ذاتها، وعلى هذا ندرك أن كل معرفة للمقدس هي تجربة تتناول قدرة اعلى من نظام الأشياء الطبيعي، وهذه القدرة تحول كل ما تتجلى فيه.


- لا نستطيع إدراك المقدس إلا حيثما نلقاه، في وجود الإنسان ذاته، إن في وسعنا أن نحدد تخومه بتحليلات من النمط اللغوي والتاريخي والاجتماعي، وإذ ذاك ندرس مختلف اللقاءات التي تمت خلال التاريخ بين الإنسان وبين المقدس، ولكن ما ندركه عندئذ وعبر الأجوبة التي اضطلع بها الإنسان، لتهدئة القلق في شرط وجوده، ولتخفيف مرارتها، إنما هو المقدس - المعاش – وهو مقدس امتلكه الإنسان في زمان معطى ومكان معين، والذى ينتج التعبير عنه، أكثر ما ينتج، عن الثقافة الأصلية للإنسان الديني. 

- كل حياة دينية هي بالدرجة الأولى عبارة عن تنظيم علاقات البشر بعضهم ببعض، كما هي تنظيم علاقاتهم جميعا بقوى عليا، قوى المقدس.


- اللاهوت مقال الإنسان عن الله، وموضوعه هو الوصول إلى ذات ديانة معينة، تعتبر ذاتها أنها وحدها الديانة الحقيقية الصحيحة، ولهذا فإن اللاهوت يطرح قواعد الاستدلال ويصف موضوع الإيمان، ويتصوره تصورا عقليا، ويسعى إلى تحديد أخلاق متسقة مع ما يعتبره الحقيقة، .... الدراسات اللاهوتية تجيب عن السؤال الآتي: ماذا ينبغي علينا أن نعتقد؟ ولم ينبغي علينا أن نؤمن؟ أما علم الأديان فإنه يعنى بكل ما آمن به البشر.

- لقد حاول كثيرون، وفي مقدمتهم الثلاثي المتنافر، (ماركس) (نيتشه) (فرويد) سلخ القداسة عن الوجود الإنساني، بإظهار آراءهم في نشأة الظاهرة الدينية، وإماطة اللثام عن ميرتها وتطورها ووظيفتها، ومن البديهي أن سيطرة الإنسان المتزايدة باطراد على قوى الكون، وترعرع العلوم الإنسانية في عصرنا، يدخلان تعديلا كبيرا على النظرة الحاضرة إلى الظاهرة الدينية، بيد أن المقدس مازال، برغم ذلك، ماثلا في الوجود الإنساني، ولئن جاز سلخ الصبغة الدينية في عصور الأزمات، فإن انسلاخها لا يبدو أنه حاسم ونهائي. 

- من شان أي مجتمع إنساني أن ينجب بحركيته ذاتها، مقدسا جديدا، يدعم أعماله ويبررها، تماما بقدر ما يمثل هذا المقدس عالم الإنسان ذاته.

- معرفة الدين ودراسته تتيحان للإنسان أن يفهم العالم والكون، ولكن دراسة الأديان وتاريخها تتيحان للفكر البشري أن يفهم الإنسان.


مقدمة المؤلف: 

كتب هذا الكتاب الصغير سنة 1956، وهذا الكتاب يستهدف بتأليفه سواد الجمهور باعتبار أنه مدخل عام لدراسة الحوادث الدينية دراسة فنومنولوجية وتاريخية، مثل كتابنا قد يثير بعض اللبس، ذلك أن محاولتنا تقديم سلوك الإنسان الديني بفهم وتعاطف وتقديم الإنسان في المجتمعات التقليدية والشرقية، أنها محاولة لا تخلوا من خطر، فقد يتعرض استعدادنا للانفتاح والترحيب إلى أن يُحكم عليه بأنه تعبير عن حنين خفي لوضع الإنسان التقليدي الغابر، وهذا امر بعيد عن المؤلف، إنما كان مقصدنا أن نساعد القارئ على ألا يدرك المعنى العميق لوجود ديني من النمط التقليدي وحسب، بل على أن نيسر له أيضا سبيل الاعتراف بهذا الوجود، من حيث انه قرار إنساني، وعلى أن يقدر جماله، يقدر نبله.



ثمة مسألة لم نعالجها إلا تلميحا، إلى أي مدى يمكن أن يصبح ال "عادي" هو ذاته "مقدساً"، إلى أي مدى يمكن أن يكون وجود، يعتبر وجودا زمنيا بصورة جذرية، يكون بدون (الله) وبدون (آلهة)، منطلق نمط جديد من أنماط "الدين"، ..... وبعبارة أخرى، إن زوال الديانات لا ينطوي البتة على زوال "التدين"


         ___________________________________________________
تعليق: ما يعنيه مارسيا إلياد بالمقدس هنا، وفي كل فقرات الكتاب، هو كل ما يضفي عليه الإنسان قداسه ما، أو معناها، بغض النظر عن كنهه، فالحديث لايتناول بالضرورة (الله) سبحانه، كما تعرفه الأديان السماوية، ولا ظاهرة التأليه بل ظاهرة التقديس، وبين الأمرين فرق كبير.
       ____________________________________________________


اقتباسات من الكتاب




عندما يتجلى المقدس:

- المقدس يتجلى دوما على انه واقع من نظام آخر، غير نظام الوقائع "الطبيعية"، وفي وسع الكلام أن يعبر بسذاجة عن الروعة، عن الجلالة، عن الفتنة السرية، بحدود مستمدة من المجال الطبيعي، أو من مجال الحياة الروحية العادية للإنسان، ولكن هذه المفردات المشبهة تنجم، بوجه الدقة، عن عجز الإنسان عن الإعراب عن المغاير إطلاقا: إن الكلام يضطر إلى استخدام حدود مستمدة من التجربة الطبيعية للإنسان، عندما يود الإيحاء بكل ما يتجاوز هذه التجربة بالذات.

- إنما يعرف الإنسان المقدس لأن المقدس يتجلى، يظهر ظهور شيء يغاير الشيء العادي مغايرة تامة.

- الحجر المقدس والشجرة المقدسة لا يعبدان على أنهما حجر وشجرة، بل إنهما موضع عبادة بوجه الدقة لأن القداسة تتجلى فيهما، لأنهما "يُظهران" شيئا لم يبق هو حجرا ولا شجرة، بل هو القداسة، هو المغاير إطلاقاً، القداسة إذ تظهر في شيء من الأشياء، يغدو شيئا مغايرا، لما كان عليه مع بقائه هو هو.

- إنسان المجتمعات الغابرة ينزع إلى أن يحيا اكثر ما يحيا في المقدس، يحيا على صلة حميمية مع الأشياء التي اضفى القداسة عليها.





المقدس والتاريخ: 


- من البديهي أن يتعذر نمو الرمزيات وعبادة (الأرض – الأم) وعبادة الخصب البشري والزراعي وتقديس المرأة... إلخ، ويكون من الممتنع تأليف منظومة دينية ذات دقائق غنية إلا باكتشاف الزراعة، وكذلك من الطبيعي أن مجتمع ما قبل الزراعة - مجتمع الصيادين – لم يكن في وسعه أن يشعر بتقديس (الأرض-الأم) على الطريقة ذاتها ولا بالشدة ذاتها، وإنما ينشأ اختلاف التجربة عن الاختلاف في الاقتصاد وفي الثقافة وفي التنظيم الاجتماعي وبكلمة واحدة في (التاريخ) 




التجانس المكاني وتجلي القداسة:



- يرى الإنسان الديني أن المكان غير متجانس، فهو يحتوي على انقطاعات، على كسور هناك أجزاء من المكان تختلف كيفيا عن سواها، يقول الرب إلى (موسى): "لا تقترب إلى ههنا، اخلع حذائك من رجليك لأن الموضع الذى أنت واقف عليه أرض مقدسة" (سفر الخروج، الإصحاح 5:3) هناك إذن مكان مقدس، ومن ثَم قوي، ذو دلالة، وهناك امكنه أخرى غير مقدسة ومن ثَم بدون بنيه ولا قوام، أي بكلمة واحدة أمكنة لا شكل لها،... لذا فإن الإنسان الديني قد جهد ليضع نفسه في "مركز العالم"، ولابد من تأسيس "العالم" من أجل الحياة فيه...، وإن اكتشاف نقطة ثابتة هي "المركز"، أو إضفاءها يعدل (خلق العالم).


- نورد مثلا يظهر بداهة عدم تجانس المكان عند الإنسان الديني، كنيسة من الكنائس في مدينة حديثة، فالإنسان المؤمن يرى أن هذه الكنيسة تشترك في مكان آخر هو الشارع الذى توجد فيه، ولكن الباب الذى يفتح على داخل الكنيسة يمثل انقطاعا في المكان، وتدل العتبة التي تفصل المكانين في الوقت ذاته على البون بين عالمين، العادي والديني، إن العتبة هي بآن واحد حد، جبهة تميز تعارض عالمَين، وهي المكان العجيب المفارق الذى يلتقي فيه هذان العالمان وحيث يمكن أن يلتقي يحدث الانتقال من العالم العادي إلى العالم المقدس.

______________________________________________________



تعليق: ربما كمسلمين لا نستشعر عمق هذا المعنى، في العبارات السابقة، كما يستشعره المسيحي المتدين، لأن التجربة الدينية المعاشه، تختلف في السياقين، لأن الدين تقريبا تمت تنحيته عن الحياة العامة هناك، وحصر في المدن داخل أماكن محددة لذا يستشعر المسيحي المتدين الفرق بين هذين العالمين، فيما في السياق الإسلامي يختلف الشعور لأن الدين مازال موجودا في المجال العام، وكذلك لأن التردد على المسجد 5 مرات يوميا لأجل الصلوات، يقلص الشعور بالفجوة بين العالمين، وربما الحالة النفسية، التي أصابت الأفراد المعتادين على الصلوات في المسجد يوميا، وفي كل الفروض، خلال مدة منع الصلاة في المساجد خلال جائحة كورونا، تقدم لنا لمحة عن ذلك الشعور، والحنين، عن تجربة الوجود في مكان (المسجد) يمثل في ذهنية الإنسان المتدين (عالم مغير) له قداسه اكثر من الأماكن العادية. 

______________________________________________________



الاضطلاع " بخلق العالم":



- .... الفارق الجذري الذى نلقاه بين السلوكين، السلوك التقليدي "المتدين"، والسلوك الحديث، بإزاء المسكن الإنساني، ومن النافل أن نسهب في الإلحاح على قيمة المسكن في المجتمعات الصناعية ووظيفته، .... ولقد ذكر أحد المهندسين المعماريين، أن البيت "آلة للسكن" إنه إذن آلة من جملة الآلات، التي لا تحصى، والتي تنتجها بالجملة المجتمعات الصناعية، ولابد للبيت المثالي في العالم الحديث من أن يكون أول ما يكون، وظائفياً أي أن يتيح للسكان أن يعملوا ويستريحوا، ومن الممكن إبدال آلة السكن على نحو مضطرد كما يبدل كما يبدل المرء دراجة أو براداً أو سيارة.


- النمط الثاني من نظرية تكون العالم، هو نمط أعقد، ... فالبيت شانه شان المدينة والحرم، يُقَدَس جزئيا أو كليا، بواسطة رمزية أو شعائرية متصلة بنظرية تكون العالم ولذا فإن الإقامة في مكان، أو بناء قرية بل مجرد بناء بيت، يمثل قرارا خطيرا، لأنه يطرح قضية وجود الإنسان ذاته، إن الأمر يتناول بوجه الإجمال أن يخلق الإنسان "عالمه" وأن يضطلع بمسؤولية الحفاظ عليه وتجديده، وأن المرء لا يبدل مسكنه بدون أسى، إذ ليس من اليسير عليه هجر عالمه، والمسكن ليس موضوعاً ليس آلة للسكن، بل إنه الكون الذى بناه الإنسان لنفسه، بتقليده "الآلهة" في خلقها النموذجي، تقليده تَكَوُن العالم، وكل بناء، كل افتتاح مسكن جديد، يعدل بنوع ما بدءا جديدا، يعدل حياة جديدة وكل بدء يكرر البدء الأولي، الذى ظهر فيه "الكون" للمرة الأولى، وأن الأعياد والأفراح التي تواكب سكنى منزل جديد، لا تزال تحتفظ حتى في المجتمعات الحديثة، التي سلخت عنها القداسة إلى حد كبير، تحتفظ بذكرى الاحتفالات الصاخبة التي كانت في الماضي.


- كل عالم هو من خلق آلهة، فهو إما أن تخلقه خلقا مباشرا، وإما أن يكون قد قُدِس على نحو غير مباشر، أي نُظِم "تنظيما كونياً"، من جراء تكرار البشر على نحو شعائري عمل (الخلق) الأنموذجي، بعبارة أخرى لا يستطيع الإنسان الديني إلا أن يحيا في عالم مقدس، وهذه الضرورة الدينية تعبر عن ظمأ ديني لا يُروى، والإنسان الديني ظمآن للوجود، وإن فزعه من (الاختلاط) الذى يحيط بعالمه المأهول، يقابل فزعه من العدم.




______________________________________________________

تعليق: "كل عالم هو من خلق آلهة"، الخلق هنا لا يُفهَم فقط بمعناه المباشر بطبيعة الحال بل أيضا يأتي بمعنى (منح المعنى) للعالم، وكذلك ( إيجاد الروابط والعلاقات بين الأشياء فيه)، أيضا تاتي بمعنى (ايجاد القوانين فيه)، ولا اتحدث عن القوانين الفيزيائية في الكون بالضرورة، بل ايضا ما (يضفي) عليه الذهن البشري صفة القانون الإلهي، وإن لم يكن كذلك. 
______________________________________________________



الزمان المقدس والأساطير:



- الزمان كالمكان ليس في نظر الإنسان الديني متجانسا ولا متصلا، فهناك فترات من (الزمان) المقدس، زمان الأعياد، وهناك من ناحية أخرى الزمان غير المقدس أو العادي الديمومة الزمنية العادية التي تجري فيها الأفعال الخالية من الدلالة الدينية، وبين هذين النوعين من الزمان يوجد بالطبع انقطاع، بيد أن بوسع الإنسان الديني "الانتقال" بدون خطر من الديمومة الزمنية العادية إلى الزمان المقدس.


- ثمة فارق أساسي بين صفتي الزمان المذكورتين، يلفت نظرنا بادئ ذي بدء: عن الزمان المقدس يقبل من حيث طبيعته ذاتها، القلب، أي أنه بالمعنى الصحيح (زمان أسطوري) أولي غدا حاضرا، فكل عيد ديني، كل زمان شعائري، يتألف من إعادة إنجاز حالي لحادث مقدس، كان قد حدث في ماض أسطوري (في البدء) وأن المشاركة الدينية في عيد من الأعياد تستلزم الخروج من الديمومة الزمنية "العادية"، بغية إعادة التكامل مع الزمان الأسطوري، الذى يتكرر إنجازه الحالي بالعيد ذاته، ..... يرفض أن يحيا فقط فيما يسمى بألفاظ حديثة باسم "الحاضر التاريخي"، فهو يجهد للحاق ب زمان مقدس يمكن تشبيهه من بعض أوجه الاعتبار بال "سرمديه".


- ربما كان من الأعسر أن نذكر بصورة دقيقة، وبكلمات معدودة، ما هو (الزمان) في نظر الإنسان اللا متدين في المجتمعات الحديثة.


- (العيد) ليس "احتفالا بذكرى" حادث أسطوري، وإذن ديني، بل العيد هو إعادة تحقيقه في الحاضر الحالي.


- الإنسان الديني بل اكثر الناس اتساما أنه "ابتدائي"، لا يرفض "التقدم"، من حيث المبدأ، إنه يقبله، ولكنه يقبله وهو يضفي عليه أصلا وبعدا إلهيين. 


- الحنين إلى "الأصول" هو إذن حنين ديني، فالإنسان يرغب في أن يجد من جديد حضور الآلهة حضورا ناشطان وهو يرغب كذلك في أن يحيا في (العالم) الغض النقي "القوي"، العالم مثلما خرج من بين يدي (الخالق).

______________________________________________________

تعليق: العيد هنا، يأتي بمعنى كل ما اعتادت المجتمعات المتدينة - بغض النظر إن كان الدين في هذه الحالة سماوي أو أرضي وضعه البشر، وينطبق هذا ايضا على ما هو ليس دينا في الحقيقة، ولا يسمى كذلك، بل ما هو في حكمه كبعض الفلسفات الشرقية مثل الكونفوشية - على منحه معنى ديني وعلى الإحتفاء به، عبر أداء الشعائر والطقوس المعطاه أو المبتكره، التي تجعل المتدين ذهنيا يربط ويوحد بين زمن الحدث الذى اطلق تلك الشعائر والطقوس، وبين يومه الحاضر.  
______________________________________________________





قداسة (الطبيعة) والدين الكوني:


- يرى الإنسان الديني أن (الطبيعة) ليست بوجه من الوجوه "طبيعية" حصرا، إنها دائما مثقلة بقيمة دينية، وهذا جلي ما دام الكون خلقا إلهيا، وليست قداسته مستمدة من الآلهة فحسب، بل إن الآلهة فعلت اكثر من ذلك: غنها أظهرت ضروب المقدس المختلفة في بنيه (العالم) وبنيه الظواهر الكونية ذاتها.


- إن مجرد تأمل قبة السماء يكفي لبدء تجربة دينية، إن الكون – وهو اثر إلهي انموذجي – "مبني" على نحو أن يحفز وجود (السماء) ذاتها الحس الديني بالتعالي الإلهي ويطلقه.