21‏/07‏/2014

دماؤهم وعارنا



ماذا يمكن أن يقول الإنسان امام الدماء وهي تروي ارض فلسطين

نعم هي ارض فلسطين . لكن القضية ابدا ليست قضية فلسطينية
كما يُلَبِس ما يفترض أنه اعلامنا على عقولنا منذ عقود . هي ليست
قضية فلسطينية هي قضيتنا جميعا ، عربا ومسلمين وقضية كل حر
في العالم مهما كان دينه وفكره . هذه القضية هي من تصنفنا وليس
نحن من يصنفها . نحن من خناها منذ أوقفت الجيوش التي كان يقال
أنها جيوش عربية في ١٩٤٨ الحرب بعضها بحجه " ماكو اوامر"
وبعضها بسبب الأسلحة الفاسدة وبعضها كان يقودها ضباط دولة بلفور.
نحن العبء على القضية وليست هي عبء علينا كما يحاول بعض
من ينسبون لنا من سياسيين واعلاميين تصوير الأمر لنا . بل هؤلاء
هم العبء علينا وعلى القضية . نقدم بضع كلمات وبعض ادعية ونعود
إلى أسرتنا، نخدع ضمائرنا بأننا نصرنا القضية .

نناشد العالم التدخل ونكتفي نحن بالدعاء وبعضه همسا، كي لا نتهم
بأننا نناصر حماس الإخوانية فيما لا يخجل بعضنا من ايجاد التبريرات
للصهيونية، نتهم الغرب بالانحياز لاسرائيل ونغلق نحن الحدود حتى 
في وجه الأدوية 

نناشد العالم التدخل فيما بعضنا مشغول بالتدخل ضد ارادة الشعوب
العربية ويدعم الفاسدين كي يزيدوا فسادا

نناشد العالم التدخل وبعضنا مشغول بالبحث بين لاجئينا في المخيمات
عن القاصرات لتحقيق فتوحاته ونصره نزواته

نناشد العالم التدخل وبعضنا مشغول بملاحقة النساء لتغطية وجوههن
في الأسواق ، فيما نساؤنا تعتقل وتغتصب وتقتل في فلسطين وسوريا 
والعراق وغيرها

لم نعد نريد تطبيق نصوص الدين في نصرة المظلوم ، أو الإعلان
العالمي لحقوق الإنسان، بل نريد على الأقل حمية "الجاهلية "



11‏/07‏/2014

حديث حول القدر والمشيئه


الكاتب: عبدالخالق مرزوقي

في موضوع القدر والمشيئة اميل للرأي الذى يقول لا جبر مطلق
ولا تفويض مطلق بل للانسان مشيئة وللخالق مشيئة ولا تعارض بين
الاثنتين

الانسان مخير فيما فيه خيار. ومسير جبرا فيما ليس فيه خيار
الانسان مخير مثلا بين الابقاء على حياته او الانتحار. الايمان
أو عدمه . لكن ليس مخيرا مثلا بين الموت او الخلود
وفي الحالين خيارك هو خاضع لإرادة الله سبحانه .

- ماذا إذا شاء المخلوق الكفر ؟؟
له أن يكفر لان كفره مشيئته هو، هو مخير فيه.
لكن هذا التخيير منحة له من الله، وليس فرضا لمشيئته
هو على مشيئة الله

الله لا يفرض عليك الكفر. بل يمنحك حق مخالفته والكفر
لكنك لا تفعل ذلك رغما عنه، فتحقيق ارادتك موقوف على مشيئته
هو سبحانه في تحقيق تلك الإرادة وتسهيلها من عدمه

آيه " وماتشاؤون إلا أن يشاء الله "
كيف نفهمها اذن ؟

المشيئة مشيئتين. مشيئة للخالق ومشيئة للمخلوق
كما ذكرت سابقا ومشيئة المخلوق منحة من الله واراده منه
وليست جبرا أو فرضا من المخلوق للخالق عليها

بمعنى أنك حين نكفر. فانت تطبق ارادتك ومشيئتك وتعصي الله
لكن عصيانك لله ليس رغما عنه وعن مشيئته بل هو من منحك ابتداءا
هذا الحق في الفعل. رغم أن لا يحب الكفر منك
يؤيد هذا ورود هذه النصوص في القرآن مثلا :
سورة التكوير:
" لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ - وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ "

المدثر:
"‏‏فَمَن شَاء ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ"
الإنسان:
" إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاءون
إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما"
فالله لا يريد منا الكفر ولا يحبه منا . لكنه لم يفرض علينا الإيمان
ولو فرض علينا الايمان لما استطاع احد أن يكفر
ولو كان يريد منا الكفر ويحبه، لما كان له أن يحاسبنا عليه.

لأن هذا يتناقض مع عدله المطلق يؤيد هذا آيات عديدة منها :
الزمر : "إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ"
البقرة : "والله لا يحب الفساد "

ومن المعروف أن هناك نوعين من الإرادة لله سبحانه. ارادة كونية
قدرية ترافقها المشيئة وهما تتعلقان بكل ما يشاء الله وجوده وفعله
وإحداثه في الكون كما في قوله تعالى : " إنما أمره إذا أراد شيئا أن
يقول له كن فيكون" ومن ذلك وجود الكفر والفساد

وإرادة شرعية تتعلق بما يأمر الله به عباده مما يحبه ويرضاه، وهي
المذكورة في مثل قوله تعالى : "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر"

16‏/06‏/2014

أسئلة الوجود والهُويّة سعوديًّا


عبدالخالق المرزوقي
نشر في صحيفة التقرير :


الأجيال الحالية في السعودية تعيش عصرها الوجودي وقلقه كما عاشتها أوروبا
منذ عقود دون أن يكون ذلك علنيًّا أو يُعرف الكثير عنه أو يدرس من قبل
المتخصصين. لدينا قلقٌ وأسئلةٌ مهمةٌ تدور وسط الجيل الجديد وأزمة هُويّة
كل ما يدور حولنا من نقاشات في وسائل التواصل الاجتماعي تخبرنا بهذا
الوجودية هي تيار فلسفي يؤمن بالحرية في التفكير دون قيود، ولا يحتاج
لموجّه، وتحوي داخلها على عدد من الاتجاهات والأفكار المتباينة. وكما
أنتجت الأسئلة في أوروبا وجوديتين ملحدة كان أبرز ممثليها جان بول سارتر
ومؤمنة كان أبرز وجوهها الفيلسوف الألماني كارل ياسبرز . فإن ذات الأسئلة
لدينا تتجه لإنتاج تيارين ليسا بالضرورة مطابقين لما أنتجتهما في أوروبا.
وأعتقد أن الحديث -مع العلم أنه أغلب الحديث والنقاش محليّا ما زال يدور في
وسائل التواصل الاجتماعي ولم يتحول لنقاش عام ضمن الإعلام التقليدي
أو العالم المفترَض أن يتناول مثل هذه القضايا- عن وجود الإلحاد في العالم
العربي عامّة والسعودية خاصة في الفترة الحالية، ولا أصفه بالظاهرة؛ فهناك
مبالغات إعلامية أو الشك والتساؤل وهما الكلمتان المناسبتان أكثر من كلمة إلحاد
كما أرى أمرًا طبيعيًّا جدًّا نتيجة لوجود عوامل عديدة. فنحن كمجتمع سعودي
خاصة نمرّ بمرحلة انتقال كبرى بين عصرين وثقافتين مختلفين، ننتقل من
عصر تلقين وخطاب سياسي وثقافي وديني واحد ومليء بالآباء في الثقافة
والفكر والدين، وتديّن عاطفي لا يحترم العقل.

وبعد التغيرات التي فرضت علينا وتسارعها في السنوات الأخيرة بفعل
التكنولوجيا وانفتاح الجميع على العالم وكل الأفكار المطروحة في العالم فإن
الأجيال الشابة تجد نفسها متروكة لتواجه أسئلتها لوحدها نتيجة لضعف
الأطروحات والخطابات الفكرية والدينية وضعف وقلة الحصيلة الفكرية لدى
حامليها وعدم تقديمها ما يقنع أحدًا، صاحبَ ذلك وترافقَ معه الخروج الكامل
من مرحلة دينية اعتمدت على العاطفة الدينية وإثارة المشاعر والبكائيات
لترسيخ تدين اجتماعي وانغلاق فكريّ لم يعد قادرًا على مواجهة الأسئلة المثارة
حتى من داخل المجموعات التي ما زالت متمسّكة به كما هو، وتقديم إجابات
تستند على ثقافة جديدة تقوم على عقل ومنطق مقبول من شرائح جديدة. وجدَ
ذلك الخطاب نفسه عاجزًا أمامها؛ فكيف سيكون حاله كلما تقدمنا نحو المستقبل
حين يواجه المزيد من التحديات الفكرية والمزيد من الانفتاح الفكري والاجتماعي
على السواء والذي لا يمكن منعه أو منع الوصول إليه ولا منع تأثيره؟

إضافةً لسبب يضاعف أسئلة المرحلة التي نمرّ بها، وهو أنّنا نعيش مرحلة هزيمة حضارية كعرب على كافة المستويات الثقافية، السياسية، الإقتصادية، العلمية…
نعم عمرها طويل، لكنّنا الآن لم نعد قادرين على إخفائها أو تجميلها بتسميتها
بغير اسمها. نحن في مرحلة انكشاف كامل، علينا الاعتراف بهذا. وساهمت
الثورات العربية في توضيح هذا الانكشاف وتعريته وتعرية ما يسمّى “النخب”
في كل المجالات دون استثناء أمامنا. وفي مثل هذه الأوضاع، تكثر التساؤلات
والشكوك حول كل شيء: الله، الدين، الهوية، الثقافة، الحياة، الوطن، وغيرها.
وهذا ليس خاصًّا بنا كعرب أو مسلمين؛ بل هو أمر طبيعي تمرّ به كل
المجتمعات في حال انتقالها من مرحلة ثقافية لأخرى أو حال مواجهتها لهزيمتها
أمام حضارات أخرى.

القضية، أعتقدُ، ليست الوقوف أمام بعض الأسئلة التي تطرح وتجاهلها
أو استنكارها أو اتهام مَن يطرحها حتى لو كان السؤال من نوع وجود الخالق
من عدمه، بل علينا فهم وتفهّم أسباب ودوافع طرح تلك الأسئلة وكثرة الآراء
المتواجهة مع الدين حاليًا. نحن في حراك فكري حقيقيّ، قد ينتج وقد لا ينتج
ثورات ثقافية، لكنه بالتأكيد يحرّك التغيير، يقودنا للأمام. الثورة حالة جذريّة
تزيل كل ما تمر به، ولا أعتقد أن المجتمع جاهز لهذا أو حتى متّجه إليه؛ نحن
نتغير، لكن ببطء، وبحاجة لزيادة سرعة التغيير والحراك وتداولية واعية
ومدركة تواكب مجتمعها وتتغير معه. الحراك وتداول الأسئلة الفكرية في العقود
الماضية كان على مستوى (النخب).

لكن حاليًا الحراك على مستويات أوسع وقاعدته أكثر شبابًا. وهم قادمون من
خلفيات متنوعة، وكلّ ما كان الانفتاح أكثر اتساعًا كان الحراك كذلك، وزيادة
الحراك تزيد الانفتاح وهكذا هي علاقة طردية. المعضلة هي أن مؤسسات الدولة 

الرسمية لن يرضيها أيّ حراك هي غير مسوقة له ليس هذا فقط، بل تريد أن يكون
مقيدًا بأجندتها هي، وهي من تحدّد مجاله ومداه، وهذا يمكن أن يحدث في البدايات

بالنسبة للحراك داخل المؤسسات الرسمية. لكنّ خارجها وعبر وسائل التواصل
هي لن تكون قادرة على التحكم به. وحين يسير المجتمع للسياسية، تبدأ التغيرات
داخله بالظهور على الأرض وستضطر هي لزيادة سرعتها لمواكبته، وتغيير استراتيجيتها وخطابها سواء السياسي أو الديني، وأمام المؤسسات الرسمية
السياسية، الثقافية، الدينية.

القضية المهمّة كما أرى هي كيفية امتلاك الحرية والانفتاح لتقبل طرح تلك
الأسئلة من ناحية، وامتلاك القدرة على تقديم إجابات مقنعة لطارحيها من جهة
أخرى، وأن يكون بمقدور طارح الأسئلة والمجيبين عليها امتلاك الأدوات العلمية 

الفكرية التي تمكّنهم من النقاش والإقناع لبعضهم، وهذا يتطلب عملًا كبيرًا جدًّا
وتأسيسيًّا لتغيير بنيه كاملة سياسية، ثقافية، دينية… عمرها عقود من الزمن
والتأسيس لبناء جديد على أسس جديدة.


http://altagreer.com/%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AD%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%B2%D9%88%D9%82%D9%8A-%D8%A3%D8%B3%D8%A6%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%88%D8%AF-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%8
7/

05‏/05‏/2014

ماذا يعني أن تكون عروبيا في 2014


عبدالخالق مرزوقي

نشر في موقع المقال


بعد انطلاق الربيع العربي برز لساحة الفعل الثوري والسياسي على الارض 

مجموعات من الشباب ميزتهم عدة خصائص اهمها انهم :

مدنيون ، مثقفون ، من اتجاهات سياسية مختلفة ، يأتون للسياسة بدون خبرة عملية 

مسبقة بها ، لديهم ما يشبه القطيعة مع الاحزاب والقوى السياسية التقليدية، حتى 
المنتمين لحركات سياسية تقليدية منهم لديهم توجهات واراء مختلفة عن قيادات 
حركاتهم

كانت الميادين في دول الربيع العربي بكل ما جرى فيها هي مكان بداية تشكل 

تجربتهم الحقيقية في مجالها السياسي . اتحدث عن الأغلب هنا ، فهناك من لديه 
تجارب بسيطة من قيادات الشباب داخل منظمات وجمعيات المجتمع المدني 
خاصة

في الدول التي لم تقم فيها الثورات كانت ايضا هناك اجيال جديدة من الشباب بدأت

 تظهر اهتماما بما يجري في الساحات الأخرى وتتابع عبر القنوات التلفزيونية 
وتتشارك معها عبر وسائل التواصل الاجتماعي في كل تفاصيل ويوميات الثورات
 ما عدا العمل الميداني الثوري

امتداد ساحات الربيع العربي - الفعلية والمتخيلة - وتوزعها على رقعة جغرافية 

كبيرة شملت مختلف أرجاء العالم العربي وحجم ما جرى من أحداث ساهم في 
خلق شعور بتشارك "هم عام واحد "خاصة بين الأجيال الشابة . وانتشار الحديث
 عن قيم ومفردات محددة كالحرية ، الديموقراطية ، حقوق الإنسان، التعددية، 
العدالة الاجتماعية .

ساركز حديثي هنا على "المشاعر" العروبية التي بدأت تأخذ مكانها بين نسبة

من الشباب العربي خاصة في وسائل التواصل الاجتماعي. وهي تلتقي في 
خطوطها العامة مع ذات الشعور في كل البلدان العربية تقريبا

الميزة الأولى التي نلحضها هي قطيعة الجزء الأكبر من حاملي العروبة الجديدة 

مع الحركة القومية واحزابها وتياراتها وخطابها . ما عدا مجموعات قليلة أتت 
برؤية ايديلوجية قومية مسبقة واستثنى الدكتور عزمي بشارة من تلك القطيعة 
لاسباب تتعلق بخطابه ورؤيته الديموقراطية، الحقوقية المتقدمة على ما عداها

هذه القطيعة تحرر حاملي هذا الهم العروبي من ارث ثقيل ومن عقود من خطاب 

قومجي شعبوي بائس وغير واقعي. فلم تعد الوطنية او كما كان يسميها القوميون 
" الدولة القطرية " في موقع تنازع مع " الدولة القومية " ، بل اصبحت الدولة 
الوطنية وأهمية وجودها وتقدمها وديموقراطيتها والهم المحلي منطلقا وقاعدة 
سواء على مستوى الفعل أو الرؤية لمشاركة بقيه البلدان همومها

كذلك لم تعد العروبة شأنا سياسيا فقط أو بالأحرى لم تعد تعرف نفسها على أساس الموضوع السياسي فقط ، بل اخذ الجانب الثقافي دورا كبيرا في هذا . حتى انه 

قد يصح أن نعتبر جزءا كبيرا من العروبيين الجدد اقرب ليكونوا دعاة لعروبة 
ذات "هوية ثقافية" ورؤية سياسية أولا منها لقومية سياسية وهذا له ميزتين
كبيرتين


أولهما أنه جذب شرائح جديدة لهذه الرؤية منهم جزء من شباب الإسلاميين 

الذين كان سابقيهم يقفون بالضد من شعار " القومية " . وأيضا جذب جزءا
كبيرا من الشباب الذي يميل لشعارات الليبرالية أو اليسار الميزة الثانية أن 
تقديم دور البعد الثقافي للهوية يفتح مجالا للتعدد والاختلاف في الرؤى واطارا
قادرا على استيعاب جزء كبير الاختلافات التفصيلية 

النقطة الثانية المهمة في هذا المنطلق العروبي أن يرتكز على قيم مشتركة 

تجمع ولا تفرق وينطلق منها ويشترك فيها الجميع كالحرية، الديموقراطية
التعددية حقوق الإنسان، العدالة الإجتماعية ، حكم القانون. وهذا ما جعل لهذا 
الخطاب جاذبية لأنه ينطلق من رؤية انسانية عامة جاذبة للشباب المثقف 
الحامل للهم العام بأنواعه

ما هي عروبة المستقبل ؟

لأن البعد الثقافي للهوية العربية اصبح يحتل حيزا اكبر، عكس الحركة القومية 

وهذا احد اكبر خطاياها فإن الرؤية المستقبلية للعروبة – من وجه نظر 
خاصة – يجب أن ترتكز على عدة أمور اهمها وبدون ترتيب :
- هوية عربية ثقافية جامعة , تبتعد عن عنصرية القومية وخطابها
- جعل القيم الإنسانية العامة واسس الحياة الديموقراطية كالحرية، التعددية

 حقوق الإنسان، حكم القانون، العدالة الإجتماعية، التداول السلمي للسلطة. 
مقدمة على ما عداها من تفاصيل في الخطاب العام وفي الممارسة
- استيعاب الهويات الخاصة للمجموعات بأنواعها وعناوينها ضمن النسيج 

العام
- اعتبار الهويات الخاصة بأنواعها الدينية، القومية، السياسية، الثقافية اثراء
للنسيج العام لا كمهدد له
- عدم اغفال البعد الوطني واعتباره أولوية ونقطة انطلاق، لا كمعرقل 

أو متصادم مع العروبة
- الإحتفاظ بتفاصيل وخصائص كل مجتمع ووطن عربي في كل مجالاتها
- ابتكار رؤية سياسية يحملها هذا التيار تبتعد كثيرا عن الخطاب القومجي 

الوحدوي الإندماجي وتبحث عن صيغة حديثة
- تحافظ على الهوية الخاصة بكل بلد من جهة وتنطلق منها لتحقيق نوع من 

التكامل في حده الأدنى والإتحاد غير الإندماجي في حده الأعلى من جهة اخرى.


http://www.almqaal.com/?p=337
8

24‏/03‏/2014

هذه الأرض , تلك النجوم , هذه الأشجار



للشاعر التركي ( أورخان ولي )
ترجمة : جمال جمعة


ولد أورخان ولي كانيك في استنبول عام 1914 أي في نفس الفترة التي وقعت  
فيها تركيا حكم اعدامها بدخولها الحرب العالمية الأولى جنبا الى جنب مع الألمان
وحينما اعلنت الجمهورية التركية عام 1923 على يد مصطفى كمال اتا تورك كان الشاعر في التاسعة يتعلم الأبجدية العربية في المدارس قبل أن يبدلها أتا تورك 
باللاتينية معلنا فيها القطيعة مع ماضي الأمة التركية الشرقي-الاسلامي .

هذه القطيعة مع الماضي استحوذت على الأجيال التالية التي تربت في ظل ثورة
 التجديد القومية الأتاتوركية ومن ضمنها ذهنية الشاعر الذى حاول خلق تقاليد 
حداثية جديدة في الشعر التركي المعاصر يدا بيد مع اثنين من زملائه (أوكتاي 
رفعت , مليح جودت أندي) فشكلوا تيارا تجديديا متشابها الى حد ما الا انهم
انفصلوا بعد تبلور شخصياتهم .

نشر اورخان أولى قصائده عام 1936 ثم تلاها بخمس مجموعات شعرية كان 
أولها غريب) عززها بمجموعة مقالات يوضح فيها خطة الشعري الجديد الذى 
نجح في) بلورته كشاعر تركي , لكن موته المبكر عام 1950 جعل شهرته تذهب
 الى شاعر آخر أقل موهبة منه ( ناظم حكمت) .

تنم اشعاره عن بساطة آسرة وعاطفة كبيرة , عاطفة قروي مستوحد ( غريب) 
في مدينة لا يعرفه بها أحد , عاطفة طفولية لكن ليست ساذجة تنطوي على حب
 كبير للحياة واحتفاءاتها حتى في أشد لحظاتها حزنا , ربما آلامها التي لا تحتمل 
هي التي أودت مبكرا بحياة انسان كأورخان وهو في السادسة والثلاثين من عمره
 بنزيف في الدماغ


حين اسير في الشارع

حين أسير في الشارع
ألاحظ أنني أبتسم لنفسي
أفكر بأن الناس سيعتقدون أنني جننت
ولذلك ابتسم .


أن تكون حزينا
لعلي سأغضب
على من أحبهم
اذا لم يكن هذا الحب
قد علمني
أن أكون حزينا .


حشرات
لا تفكر
تمن فقط
هكذا تفعل الحشرات ايضا.


رائعتي
لست معتادا على كتابة قصيدة
حين أكون عاشقا
لكنني فعلتها على أية حال
وكتبت رائعتي الحقة
حين عرفت أني احبها
اكثر من أي شئ آخر
لذلك سأتلوا هذي القصيدة
عليها أولا .


ظلي
تعب أنا وضجر من التجوال معه
على أطراف اصابهي لسنين عديدة
دعنا الآن نعش قليلا في هذه الدنيا
منفصلين ,كل واحد لوحده .


قصيدة الوحدة
أنتم يا من لا تعيشون وحيدين ,
لن تعرفوا كم سيكون الهدوء مرعبا ,
كيف يتكلم الانسان مع نفسه ,
كم من المرات عليه أن يهرع الى المرآة
ولا كيف يتوق المرء لانسان آخر ,
عن ذلك لا شئ تعرفون .


امتلاء

عندنا بحر ملئ بضوء الشمس
عندنا أشجار ملأى بالأوراق
الصباح والمساء يجيئان ويذهبان
ونحن نذهب ونجئ بين البحر والأشجار
مليئين بالفراغ .


الأيام الجميلة

الأيام الجميلة دمرتني
في يوم كهذا
استقلي من عملي في مكتب العاطلين ,
في يوم كهذا ابتدأت ادخن ,
في يوم كهذا أصبحت عاشقا ,
في يوم كهذا كنت دائما أنسى
أن اجلب الملح والخبز الى البيت
ودائما في هكذا أيام
كان مرض الشعر يعتورني
الأيام الجميلة دمرتني .


هنالك شئ مريب

أيبدوا البحر بهذا الجمال كل يوم ؟
اتبدو السماء بهذه الروعة دائما ؟
كلا , وحق الله , كلا !
هنالك شئ غامض في هذا كله
لا استطيع أن أوضح
أتسمعون صوتي
حين أبكي في قصائدي ؟
أبامكانكم أن تلامسوا دمعي
بأياديكم ؟

لم اكن أعرف أن الأغاني بهذا الجمال ,
وأن الكلمات لا تكفي
قبل أن يصيبني هذا الألم


اعرف أن هنالك مكانا ما
يمكن أن يقول الانسان فيه كل شئ
اشعر أني قريب منه
لكنني لا استطيع أن أوضح .


الحانة
ما دمت لم أعد عاشقا
لماذا علي اذن أن أمر
على الحانة
حيث كنت اسكر كل مساء
مفكرا بها .


مسافر

بالأمس أصابني الضجر طوال اليوم
فدخنت علبتي سجائر
جربت أن اكتب دون جدوى
عزفت على الكمان لأول مرة في حياتي
ثم خرجت اتنزه
تطلعت الى لاعبي النرد
غنيت اغنية على لحن مغلوط
وقنصت الذباب في لعبة ثقاب
واخيرا , لا سمح الله
وصلت الى هنا.


وهم

تحررت من حبي القديم
الآن كل النساء جميلات
قميصي جديد
تحممت
وحلقت ذقني
فقد حل السلام
ها هو الربيع
والشمس مشرقة
خرجت الى الشارع
الناس سعداء ومرتاحون
ونا ايضا مرتاح وسعيد.


الحسون

أيتها الجميلة , لست
بجمال طائر الحسون الذى
يدور محلقا فوق الفخ
الذى نصبته في صباي
على أعلى غصن
في شجرة الخوخ في حديقتنا.


سفر
ليس في بالي أن اسافر
لكنني اذا فعلتها , على كل حال
سأذهب رأسا الى استنبول
ترى ما الذى ستفعله
حين تراني في القطار الذاهب الى
مدينة بيبك
لكنني , كما قلت
ليس في بالي أن اسافر!


قصائد حول السفر

حينما يسافر الانسان
تتحدث النجوم
وذلك الذى تقوله
اكثره حزين.

في الليالي , حينما يكون المرء سكران
فالنغم الذى يصفره نغم سعيد
لكن النغم نفسه لن يكون سعيدا
عند نافذة قطار.

رحلة

شجرة الصفصاف جميلة
لكنني أود أن اكون جدولا
على أن اكون شجرة صفصاف
حين يصل قطارنا لآخر المحطات .

حمامة القصيدة

زمان مضى ولم اسمع
هديل الحمام على النافذة
اهنالك سفر آخر؟
هذا ما اهجسه في داخلي
ما معنى رائحة الطحلب هذه؟
صراخ النوارس في الفضاء
هذا ما معناه؟
ينبغي أن يكون لهذا معنى واحدا :
سفر.


وطن الآباء

أي شئ لم نفعله لهذا الوطن !
بعضنا مات
والبعض الآخر يدبج الخطابات.


مجانا

مجانا نحن نعيش , مجانا
الهواء مجانا , الغيوم مجانا
الأنهار والجبال مجانا
وعندما لا يقود المرء سيارة
فالأمطار والوحول مجانا
وعندما نمر على السينما
فشباك الصور مجانا
لا الجبن ولا الخبز
بل الماء مجانا
الحرية تدفع سعرها برأسك
لكن العبودية مجانا
مجانا نحن نعيش مجانا.


كتابة على القبر 1

لا شئ في العالم آلمه
مثلما آلمه مسمار رجله
وما تذمر مرة من أنه خلق قبيحا
حتى اسم الله لم يكن يلفظه
الا اذا أوجعه حذاؤه
ما كان لأحد أن يقول
أنه كان غشاشا
مسكين سليمان أفندي


كتابة على القبر 2

لم تكن مسألة بالنسبة اليه
ذات ليلة نام
ولم يستيقظ بعدها ثانية
جلبوه وحملوه خارجا
غسلوه وصلوا عليه
ثم دفنوه
وحين عرف دائنوه أنه قد مات
تنازلوا عن ديونهم …..
أما من طرف المسكين
فلم يكن احد يدين له بشئ.


كتابة على القبر 3

وضعوا بندقيته في المستودع
واعطوا ثيابه لواحد آخر.
لا مزيد من كسر الخبز في كيسه
ولا آثار شفاه على قربته.

يالها من عاصفة !
حتى هو قد ذهب
ولن يعود اسمه الى الأبد ,
كل ما تبقى منه , في هذه الدنيا , سطران
كتبهما على جدران المقهى :
( الموت امر الله
ليت الفراق لم يكن )


مثلنا نحن البشر

ماذا تشتهي الدبابات
في احلامها ؟
وما الذى تفكر فيه الطائرة
حين تكون وحيدة؟
أتغني أقنعة الغاز
حين تكون مع بعضها
تحت ضوء القمر؟
وهل تشعر البندقية بالحنان
مثلنا نحن البشر؟

12‏/02‏/2014

القرآن الكريم واختلاف الثقافات : جدلية التأويل الإسلامي والغربي للقرآن


أنغليكا نويفيرت
ترجمة: يوسف حجازي
عن " قنطرة "


ينبغي للمختصين بالدراسات العربية الترجمة بين الثقافات وذلك بسبب اختلاف التقاليد الأوروبية والإسلامية في فهم القرآن، كما ترى استاذة الدراسات العربية في جامعة برلين الحرّة أنغليكا نويفيرت.

كلما ازداد تقارب المسلمين وغير المسلمين في أوروبا، ازدادت الحاجة المُلِحّة لتوفـُّر دراية راسخة بالقرآن لدى القارئ الغربي. لذلك تقف دراسات اللغة العربية التي تعالج وثائق الثقافة العربية الأدبية باعتبارها دراسات في النصوص، تقف إزاء مهامٍ جديدةٍ لعمل الترجمة الثقافية، لأنَّ النصوص ما زالت تحدِّد مجالاتٍ واسعةً من الوعي الجماعي.

ينطبق هذا بشكلٍ خاصٍ على القرآن الذي لطالما يتم استخدامه في الشرق كما في الغرب كشاهدٍ ملكٍ من أجل اتخاذ القرارات السياسية. كما أنَّ للبحوث الأساسية في القرآن أهميةً في نطاق النقاش الراهن حول الأسئلة السياسية المتعلقة بالهوية. مثل: ما مدى اغتراب القرآن عن أوروبا أو ما مدى أوروبيته في الواقع؟ وهل يمكن للقرآن أنْ يكون نصًا مهمًا ومرجعيًا لغير المسلمين وللمسلمين على السواء؟ ما زالت هناك بديهية شبه مطلقة في اعتبار القرآن حصرًا "نصًا إسلاميًا". إنما هذا ليس صحيحًا من الناحية التاريخية، حيث لم يتوجَّه إعلانه الشفوي من قِبَلِ النبي محمدٍ إلى المسلمين الذين لم يكونوا موجودين بعد في زمن ظهور القرآن، بل توجَّه إلى جمعٍ من المستمعين يمكن تسميتهم بـ "متعلمي الفترة الأخيرة من العصر الكلاسيكي القديم".

كان هناك نقاشٌ عابرٌ لحدود الأديان حول مسائل كونية في أواخر العصر الكلاسيكي القديم، مثل مسألة صورة الله أو الحياة بعد الموت أو معنى التضحية. وقد وسمت هذه النقاشات الدائرة بين مختلف الثقافات واللغات والجماعات الدينية القرآن بميسمها بوضوح، حيث يتناول نفس المسائل التي جرى نقاشها آنذاك ضمن اليهودية والمسيحية أيضًا. إضافة إلى ذلك، يتبع القرآنُ بشكلٍ جليٍّ من خلال تشريعه الديني تقاليد نصوص الكـُتبِ المقدّسة لدى هاتين الديانتين، حيث لا يُعتبر القرآن نصًا دنيويًا بل وحيًا من عند الله.

صوتٌ جديدٌ في نقاشات أواخر العصر الكلاسيكي القديم

الباحثة في علوم الدين والمختصة في الدراسات العربية والمديرة السابقة لمعهد الدراسات الشرقية التابع للجمعية الألمانية الشرقية في بيروت، البروفسوره أنغليكا نويفيرت، ترأس اليوم المشروع البحثي الذي يحمل عنوان "نصوص القرآن" Corpus Coranicum.. أسمع البلاغ القرآني صوته الجديد في نقاشات أواخر العصر الكلاسيكي القديم من خلال إجاباته الجديدة على المسائل الكونية – وهذا لا يختلف عن التقاليد المتزامنة لليهود والمسيحيين. وتـُمكن مقارنة القرآن بالعهد الجديد، لأن كليهما يستأنف الإنجيل العبري باعتباره نصوصًا تفسيرية لأواخر العصر الكلاسيكي القديم متعدد الثقافات. أي أنَّ القرآن جزءٌ من تلك الحقبة التي يحلو اليوم المطالبة بتسميتها بالزمن التكويني لأوروبا اللاحقة. بيد أنه لا يكفي إيضاح أسباب كون القرآن نصًا قريبًا من الأوروبيين. فثمة رغبة ملحّة أخرى على الدراسات العربية إنجازها وتتمثـَّل في إدماج دراسات القرآن بتقاليد الإسلام في التعليم الغربي. القرآن في الإسلام جزءٌ لا يتجزأ من تقليد في مجال التأويل مستمرٌ منذ قرونٍ عديدةٍ، لكن هذا التقليد لم يُراعى في أوروبا حتى الآن إلا بشكلٍ انتقائيٍ.

ومع أن البحوث الغربية تهتم بالنتائج وبالخلفيات السياسية الاجتماعية للتأويل الإسلامي للقرآن، إلا أنه لا يتمُّ فحص أدواته بجديةٍ من حيث قدرتها على مواكبة العلوم القرآنية العصرية. وتتبع البحوث الغربية للقرآن من حيث الأدوات تقاليد مذهب التأويل الأوروبي حصرًا، من هنا يجري تأويل القرآن في الشرق والغرب بناءً على شروط نظامَيّ مقاربةٍ مختلفين للغاية.

وإذا أرادنا تحديد سمات هذا الاختلافات، فلا بدَّ أولاً من ملاحظة أنَّ تقدير قيمة البنية المتوارثة للنص في الشرق والغرب متباينٌ تمامًا. فأهمية القرآن للمسلمين تفوق أهمية العهد القديم والعهد الجديد لليهود وللمسيحيين بأشواط. يمتلك القرآن باعتباره "تجسيدًا" صوتيًا حاضرًا في الطقوس الدينية الإسلامية نفوذًا لا تمكن مقارنتها إلا بحضور كلمة الله المتجسّدة في المسيح. أي أنَّ القرآن يتخطى في إظهاره المادي الصوتي طبيعته كنصٍ مكتوب.

إذن، ليس الكتاب المقدس والقرآن ما ينبغي وضعهما موضع التوازي، بل تجسُّد كلمةُ الله في يسوع المسيح في المسيحية و كلامُ الله الذي "تجسَّد في القرآن". ولذا من غير المستغرب أنْ يُعتبر الشكل النهائي للنص هو الأهمّ عمومًا في الإسلام. يكمن هدف تفسير القرآن لدى الإسلام التقليدي في فحص شكل النص هذا على كل الاحتمالات التي يمكن تصوُّرها للتأويل، ولكن ليس آخرًا في إلقاء الضوء على أبعاده الجمالية أيضًا. ويساهم الحرص على سلامة النص في الوقت نفسه على الحفاظ على الطابع القدسي للقرآن. تختلف علوم الأدب واللغة في الغرب عن هذا اختلافًا تامًا، حيث أخذت هذه العلوم بعلمنة النصوص الدينية منذ أن فرض الأسلوبُ التاريخي النقدي نفسَه في القرن التاسع عشر.


بحوثٌ نقديةٌ في القرآن ذات توجُّه تاريخي

"اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ / خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ": إعلان النبوّة عبر الوحي الأول الذي نزل على محمد. ضمن هذا التقليد الذي حوَّل النصوص الدينية إلى نصوصٍ تاريخيةٍ من خلال تطبيقه في المقام الأول على الإنجيل نشأت أيضًا بحوثُ القرآن النقدية في الغرب. وكانت تسترشد بوجهةٍ تاريخيةٍ منذ البداية، ولكنها كانت بذلك تتعرَّض باستمرارٍ أيضًا إلى خطر الخطأ في تقدير القرآن واعتباره مجرّد إعادة صياغةٍ لنصوص الكتاب المقدّس القديمة. وهذا الخطر ما زال قائمًا حتى يومنا هذا.

يمكننا النظر على سبيل المثال إلى الآيات الأولى من سورة العلق، حيث يفسِّر التقليد الإسلامي هذه الآيات باعتبارها إشارةً إلى حدثٍ مفصليٍ في حياة محمد. بحسب الرواية أصبح محمدٌ نبيًا عندما ألحّ عليه الملاك جبريل بأنْ يقرأ. ويرى التأويل الإسلامي في صيغة الأمر "اقرأ" إشارةً إلى مشهد الوحي. وبعد خمس آياتٍ تعالج سورة العلق موضوع الإخلال بالصلاة. هذا الموضوع لا يتفق مع مشهد رفعَ محمدٍ إلى مقام النبوة ولا يجري الالتفات إليه. غير أن بحوث القرآن النقدية ترى في الآية الأولى نمطـًا شائعًا في الكتاب المقدس باللغة العبرية هو: "عليك التلاوة". وهو بالنسبة لها دعوةٌ لجميع المؤمنين لتسبيح الله من خلال التلاوة. وبحسب هذه المقاربة تواصل السورة بعدها بنوعين من النصوص النموذجية في القرآن: الأول شكوى من الطغيان والثاني سلسلة من الأسئلة الاستنكارية تتناول إفساد الطاغي للصلاة.

أي أنَّ السورة بحسب هذه القراءة ليست أكثر من واحدةٍ من شهاداتٍ كثيرةٍ عن ضرورة إيصال الرسالة الإلهية، ولكن أيضًا عن صعوبة ذلك. وتسمح قراءتها بهذه الطريقة بمقارنتها بالسِّور الأخرى وبالتالي بتحديد موقعها في الترتيب الزمني ضمن مجمل إعلان القرآن [نزوله]. إلا أنَّ هذا لا يقع ضمن نطاق اهتمام القراءة الإسلامية التي تفهم الوحي القرآني باعتباره استمراريةً لا تعكس تطوُّرًا تاريخيًا حتى وإنْ ارتبطت بعضُ آياتٍ بوقائع من حياة النبي.

المراجع إذًا مختلفة، فأبحاث القرآن الغربية تستند على قواعد القرآن الهيكلية وتدرُسه بأسلوبٍ مُسبقٍ جرى وضعه لقراءة العهد القديم والجديد في سبيل وضع الإعلان عن السِّور في إطاره التاريخي الديني. أما التقليد الإسلامي فيشرح الآيات بشكلٍ منفصلٍ استنادًا إلى مواقف من سيرة الرسول في سبيل شرح حدث الوحي المفصلي بالطريقة التي يتم فهمه بها عند النظر إليه بنظرة استرجاعية.


فرادة القرآن

وعلى الرغم من هذه القراءات المختلفة تسعى أبحاث القرآن الجادة في الشرق والغرب بلا ريب للتوصُّل إلى أمرٍ مُشابهٍ ألا وهو تجلـِّي المعنى الكامل للنص. ويجري الحديث في الإسلام عن "عدم إمكانية تقليد القرآن"، وعن "فرادته" الأدبية والدينية. بينما تبحث بحوث القرآن التاريخية بدورها عن ميزةٍ فريدةٍ من نوعها يُحددها التاريخ. وهي تتحدث عن كون القرآن "غير مسبوق"، وعن الابتكار الذي أتى به إلى ثقافة النقاش في أواخر العصر الكلاسيكي القديم. كلا النهجين يمكن أنْ يكمِّلا بعضهما بعضًا. وخطوط الحدود بينهما بالذات، التي وقع الخطأ في فهمها حتى الآن واعتـُبرت فاصلةً بين ثقافتين، لا بدَّ بعد من اكتشافها في المستقبل باعتبارها حقلاً للأبحاث.

ستتمكن التقاليد الدينية الإسلامية من عرض نفسها عبر مسلمين في العديد من الجامعات الألمانية عِبر مؤسسات للاهوت [للفقه] الإسلامي جرى إنشاؤها حديثًا، وستشمل في الحوار حول المداخل إلى الإسلام أيضًا مثقفين أوروبيين. في إطار التحضير لهذا ينبغي لعلوم النصوص مثل علوم الدراسات العربية أن تـُعنى "بترجمة" القرآن وشرحه للجمهور الغربي. فالقرآن في آخر المطاف ليس شيئًا "غريبًا"، بل مرتبطًا بتلك التقاليد التي كان لها دورٌ أساسيٌ أيضًا في نشوء الثقافات الدينية الأوروبية. ولأنَّ القرآن قد أدرَج نفسَه في تقاليد الكتاب المقدّس لا يسعُ غير المسلم أنْ لا يبالي به. بل بالأحرى يستحق الاعتراف به أخيرًا مثل حال التقاليد البيزنطية واليهودية باعتباره إرثًا لأوروبا من أواخر العصر الكلاسيكي القديم.

27‏/09‏/2013

الحق في قتل الجسد: الزومبي جسد/نص ما بعد كولونيالي



عن موقع : جدلية 
عبد البياري

الجسدُ البَشري يُشحنُ بدلالاتٍ متغيرةٍ وغَير مستقرةٍ، على مَدى تاريخِه
في جَانِبيه المُطلق/ المَعنوي والنِسبي/ المَادي؛ كَما في دلالةِ زمنيةِ أَكل
التُفاحةِ من شجرةِ المَعرفة.وبالتَالي فَالنتيجةُ منذُ تِلك اللحظةِ الوجوديةِ
الهًامة والمُعبرة في الوَعي الإِنساني أَنتجت الحاجة لـ"ترويض الجسد
الإنساني" –في اللغةِ والخطابِ والمادةِ-، وبَاتَ ذلكَ "الترويضُ" أَساسياً
فِي الحفاظِ على المُواجهاتِ وبينةِ الأَدوار الإجتماعيةِ والعلاقاتِ الإجتماعية
وعَلاقاتِ القُوى والسيطرة، بل وحتى إنتاج المعرفة (أنظر دور الجسد في
زمنية دفن قابيل لهابيل، و"الحجاب" وتحويراته في الأديان التوحيدية
وطقوس القرابين في الأديان الوضعية والثقافات البدائية،وطهارة الجسد
في الطقوس التعبدية، وكلها تمظهرات لـ"ترويض الجسد")، بِإعتِبار
الجَسد يتوَّسط العَلاقةَ بين هُوية الفردِ الذَاتية بمختلفِ تمظهراتها والهُوية
الإجتمَاعية من نَاحية، ومابينَ الذات/الأَنا والهُوية الفَردية بمختلف
صِراعاتها، من ناحيةٍ أُخرى.
الجَسد هُو "حَامل" للقِيمة (فَردياً ومُجتمعياً)، حيثُ تُدمج تِلكَ القِيمة فِي تَحليلِ الجَسد كَظاهرةٍ مَاديةٍ تُشكل وتَتشَكل بِفعلِ قُوى المُجتمع وآَليات الخِطاب. وَلذا فَمع الحَداثة والثَورةِ الصِناعية حَدث تغَيير في هَدف الخِطاب (بِاعتبار "الخطاب" فِئة مِن المَباديء التَحتِية المُستبطَّنة، المُدمَجة في شَبكةِ دلالاتٍ تُؤسسُ وتُنتجُ وتُكرس و/ أو تُضعفُ العَلاقات بين القَول والفِعل أوالفِكرةِ والإِنتاجِ أوالذَاتِ و المَوضُوع). حيثُ أَفسحَ الجَسدُ المُكون مِن لحمٍ ودمٍ الطريقَ أَمامَ العَقلِ بوَصفه مَركز الإِنشغالِ والإهتمامِ الحَداثي الأَسمى. (أنظر عمليات نقلِ الأَعضاء وزِراعتها والإِستِنساخ والهَندسةِ الوِراثيةِ و غَيرها). وعليه باتَ الجَسدُ الإِنساني مُعرضاً بِشكلٍ أَكثرَ تَكثفًا للعُنفِ الحَداثيِ، إذ لا تَبدأُ صِناعةُ العُنف بالتَسميةِ، وإِنما تَتكاثفُ بمُمارساتِ التَصنيف، التِي تَحتوي "التسميةَ" كفرعٍ مِنها. فَالعُنف –صِناعةً و مُمارسةً- هُو فِي أَساسِ كلِ نظامٍ إجتماعيٍ، أَي أَنهُ فِي أَساسِ كُل إسمٍ، والمَجازُ الأَساسيُ المُكون للعُنفِ، كَمُحاولةٍ أَدّاتيةٍ لفَرضِ "النِظام" يَحتوي حَالتَينِ كَيانيَتينِ:

الأُولى أَن المَجموعات البَشرية المُختلفة تَعيش حَالةً ماقَبل إِجتماعية، أو كَما إصطُلحَ على تَسمِيته (حالةً طبيعيةً)، يَجب نَقلُها إلى الحَالةِ الثانيةِ وهِي الحَالة الإِجتماعية. وَفي الانتِقالِ بينَ الكَيانِينِ جَرى تَرتيبُ الوُجودِ كَكلٍ، مِن خلالِ هَندسةٍ حديةٍ لثُنائيةٍ أنيقةٍ تُعيدُ صِياغةَ الوُجودِ الإِنسانيِ فِي مُعسكَرينِّ غيرِ قَابلينِ للتَعايشُ المُتشاركِ (إما/ أو)، فبَاتت الحَالةُ الأُولى (الطَبيعِية) بشِقَيها الفَردِي والجَمعِي تُفهم كحَالةِ عُنفٍ، وبالتَالي وَلكي تَتوائم تِلك الحالةُ مَع ما هُو "أَرقى حضاريًا" (!)، بَات توجيهُ العُنفِ واستحواذِه بِأشكالهِ المُمأسسة والدلالية ضَرورياً لِحمايةِ "قداسة المُجتمع".
فَنجدُ أَن المُقدسَ الحدَاثِي قد أَعادَ إِنتاجَ نَفسِه في العَديدِ منَ الصُورِ، بهندسةٍ ذاتيةٍ، وأُخرى مُقابلةٍ للآخر المُدنس. فَأزاحَ ذَاتهُ مِن نطاقِ الدِينيِ إلى الحَيزِ الإِجتمَاعي (أنظر مثالاً لتَغيرِ لونِ بَشرةِ السَيدِ المَسيح فيِ أِفريقِيا)، ذلكَ الحَيز الإِجتمَاعِي المُكوِن لعَلاقَاتِ الإِنتاج والمِلكيةِ الخَاصة والمُتكَون من خِلالِهما، فنرَى أَن إنشاءَ المَصانعِ جَرى محايِثاً لإِنشاءِ دُورِ صِناعةِ العُنفِ والمُقدس. (أُنظر كَيفَ استغلَ الإِسبان "المُقدس" في ثَقافات حَضاراتِ أَمريكا اللاَتيِنية لتقديمِ الرَجُلِ الأَبيض وكَأنهُ بشعره الأصفر المشابه لأشعةِ الشَمسِ، وعَيناهُ الزَرقاوانِ المُشابَهان للون المَوجِ، ابنُ إلهِ الشَمس/ رَسولُ الشَمسِ، ليُبررَ نهبَ ثرواتِ تِلكَ الشُعوبِ وأَيديها العاملة لصَالحِ إِسبانيا).

الزومبي:

فِي أَكثرِ الصُور تَعبيرًا عن وَضعيةِ الجَسدِ الإِنساني فِي العَلاقةِ الإِجتماعيةِ العُنفية وعَلاقات القُوى النَاتجةِ من تَلاقحِ الإِجتماعِي والمُقدس، يَظهرُ لَنا "الزُومبِي" مِثالًا شَارحًا، بِما يُؤسسُ لَه مِن "حَقِ قَتل الجسد/إِلغاؤُه". وَهيَ المرحلةُ الأَعلى مِن آلياتِ السَيطرةِ الحَداثيةِ: الهَندسةِ والرَقابةِ والعِقابِ – بالمنطقِ الفُوكوي - عَلى الجَسد، بِما يُحققُ مَقولة جوديث باتلر: "لا جَسد لا سِياسة".

إذ يَتم تَوظيفُ فِكرة "الزُومبي" في الثَقافةِ المُعولمةِ ضِمنَ ما أَسماهُ الراحِل إِدوارد سَعيد "إرثْ الرَجل الأَبيض" وواجبه التَخليصي – نسبة لفكرة "المُخلص" - اِتجَاه الحَضارةِ الإِنسانيةِ كَكل. وَهُو ما أُريد له أن يَكونَ المَعنى الظَاهر للخِطاب، في حِين أَن ذَلك التوظِيف يُغفل مُتقصدًا تارِيخَانية الجَسدِ الزُومبيي، وبالتَالي يَضمن عَملية "غسيلٍ بيضاءَ" لجَرائمِ الرَجُلِ الأَبيض الحدّاثية الإِستعمَارية، وهُو ما يَستدعي إِضاءاتٍ على الزُومبي/ الجسد كَنصٍ تَاريخِيٍ مَابعد كُولونيالي.

يتمُ تَقديم "الزومبي" باِعتبارهِ "جِسدًا ماديًا خاليًا منَ الروحٍ والعقلٍ"، وبالتَالي فَهو كيانٌ بيولوجيٌ لا يَحوزُ عَقلاً بالمَفهومِ الإِجتماعيِ. لذا، فغيابُ ذَلكَ العقلِ، وعدمِ قُدرته على تَحليلِ المُؤثر الخارِجي بِشكلٍ أكبرَ مِن الإِستجابةِ الجَسديةِ المُوجهةِ للقتلِ، يجعلُ من ذلكَ "الجسدِ" جَسداً "غيرَ معقلنٍ" (إذ لا يحوزُ على "وعيٍ ذاتيٍ"، نظرًا لحَركتِه الغيرِ مدركةٍ لذاتِها وكميةِ التَشوهِ الوَاقعِ عَليهِ دونَما أي تأثر. ولا "مقصدٍ" إذ أن وُجودَه وجودٌ سلبيٌ فقط، ولا "لغةً"، فَهو لا يَتفهمُ أيَّ محاولةٍ لغويةٍ – بالمنطق السيميولوجي حتى! - للتَواصلِ مَعه) أي أنه "جَسدٌ بهيمي". مما يُسقطُ عنه قِيميَّته الأَكثر بدائيةً: المادية الجَسدية، بالمَنطقِ التَطوري الدَاروِيني – على الأَقل - ويَجعل قَتلهُ فعلًا مُبرراً ومَشروعاً مَهما كانت عَمليةُ القتلِ في ذَاتِها دَمويةً، ومهما كانَ عددُ القَتلى.
"الزُومبي" كمُصطلح/ مُسمى – وتلكَ تَسمية لَيسَت عَربية ولم تُعَّرْب، بَعد - يَعودُ إلى فَترةِ الإِستعمار الكُولونيالي الفَرنسي فِي هَايتي، إبان القَرنِ الـ17-18، حَيثُ كَانت زِراعةُ السُكر قَائمةً على "العَبيد" مِن السُكانِ الأصلييِن، الذِينَ كَانوا يَذوقونَ سُوءَ المُعاملةِ والِاستغلالِ الجَسدي والتَعذيبِ والقَمع لاستغلالهم ضِمنَ تِجارة الرَجلِ الأَبيض. فَكانَ مِن المَنطقيِ أَن يُمثلَ "المَوتُ/ الإنتحارُ" لهؤلاءِ المُستعبَدين رَاحتَهم وطريقَ عَودِتهم إِلى "الجَنة/ غِينيا الجَديدة/ إِفريقيا الأُم"، بِكلِ ما يَحملُه ذَلكَ مِن خوفٍ إنسانيٍ طبيعيٍ، إلا أَنه مَهربٌ ناجع لمعادلةِ الحياةِ الصَعبةِ. بَينما كانَ الموتُ إنتحارًا بِالنسبةِ للمُستَعِمر الفَرنسي خسارةً فادحةً، ليسَ فقط لأنه يَخسر يداً عَاملةً، ولكنهُ يَخسر أَيضاً فرداً/ إنسانًا/ جسداً مِن ثروته من العبيد، عن طريق إِنتزاعِ مِلكيةِ الجَسدِ (المُستَعمَر) عن الفرنسي (المُستَعمِر).
كُل ذلكَ استَلزمَ تَواطؤًا بَين علاقاتِ القُوى والإِنتاجِ في بينةِ النظامِ الإِجتماعيِ وبِنية المُقدس. يُدارُ بِعقليةِ "العَالمِ الجَديد" الكولونيالية الرأسمالية، لِخلقِ مانعٍ يَحولُ دونَ هَذا النَوعِ من الهدرِ فِي العَبيدِ كَرأس مالٍ وليسَ كبشرٍ حُريتُهم حقٌ مكفولٌ. فكانَ تَخليقُ حالةِ "الزُومبي"، وَهوَ الشَخص الذي تَرفض الجَنة/ إفريقيا/ غِينيا الجَديدةُ استقبَالهُ لشَنيعِ صنيعه، ليسَ "الإنتحار" إِنما الخُروجُ عن طاعةِ الرَبِ الأبيضِ المُستَعمِر، صاحبِ العقلِ الأَسمى والأَقوى. وَهُو ما يُعطي الحَداثةَ في صُورتِها الكُولونياَلية صفةً من صِفاتِ الأُلوهةِ والقداسةِ، بمنحِ الحَقِ فِي الجَنةِ أو النَار والسيطرةِ على الحَياة المتجاوزةِ بعد السَيطرة عَلى الحياةِ الآَنيةِ وأَجسادِ من فِيها، وبالتالي فَيكونُ عِقابُ هَذا "الزُومبي" هُو إنتزاعُ رُوحِه وعقلهِ من جسدهِ الذِي ظنَ بِه خَلاصهُ، وتركِهِ هَائمًا على غَيرِ وُصولٍ للجنةِ، المَتروكةِ بيدِ ربهِ الأَبيض.

 "الزومبي" كَخطابٍ ثَقافِي (في السينما):
 يُلاحظُ فِي الأَعمالِ السِينمائيةِ التِي تَناولت فِكرة "الزُومبي"، وَهي أَعمال مُستندة إِلى دِينامياتِ الصُورةِ التِلفزيونيةِ الثلاثةِ: التَذكِير(التَفحيل)/ العُنف/ الجِنس، أَنها تَعامَلت مَع "الزُومبي" باِعتبارِه نَتيجةً لحالةٍ مَرضيةٍ عَامة، تُفقِد الجَسدَ الإِنسانيَ عَقلهُ المُتحضر(!) (وَلعلَهُ هُنا وَجبت الإشارةُ إلى آَلياتِ هَندسةِ الجُنون مُجتمعيًا بِحسبِ مَبحث المُفكر الفَرنسِي مِيشيل فُوكو "تاريخ الجُنون")، تَاركةً لفَضاءِ المَعرفة الحُريةَ في تنفيذِ حَقلِ قُوتِها الغَير بَريء. (لاتُجيب ولا تَتعرض الأعمال السِينمائيِة عامةً عَن سببِ تَفشي هَذا المرض أو ذَاك، أو خلقِ بطلٍ نَتيجةً لِتعرُضِهِ لحادثٍ مهندسٍ جينياً مِثلَ الرجُل ِالعَنكبوت، ولا الغَرض مِن هَندسةِ هَكذا مَرض، تاركةً حقلَ القُوةِ العُنفية للمَعرفةِ بعيدًا عَن المُساءلةِ أو حتى التَخيُل، تماماً مِثلما هُو الأمرُ بشأنِ الأَسلحةِ الكِيماوية /أو الجُرثومِية، فَيسهُل عَلى المَعرفةِ التَضحيةُ بالجَسدِ، بمَنحِ الحياة أو مَنعِها دون مُساءلة).
كَما يُلاحظ كَذلكَ أنَ كُلَ التَناولات السِينمائِية للـ"زُومبي" حَصرت البُطولة فِي بَوتقةِ مُزاوجةٍ حصريةٍ للذُكورةِ والبَشرةِ البَيضاء، إِذ لا يُمكنُنا مُلاحظة دُور بُطولة أُنثوي مُباشِر، وَكذلكَ الأُمرُ بالنسبةِ لبطلٍ أَسمرِ البَشرة، وَهُو ما يضمنُ غَسِيلاً أَبيضاً لإرثِ الرَجلِ الأَبيض مِن اِستغلال "الزُومبي" لِصَالحه.
ولَكن يَظلُ فِيلم WORLD WAR Z بُطولة النَجم الأَمرِيكي براد بيت وإِخراج ريدلي سكوت (2013) النَقلة الأَكثر صَلفًا فِي بِناءِ الخِطابِ الثَقافِي للرَجلِ الأَبيض الكُولونيالي بشأن "الزُومبي"، إِذ يُمكن القولُ مِن التَسمِية أَن القَصد هُو آَخرُ حُروبِ العَالِم الأَبيض، بِاعتِبار أَن اللُغة هِي أَساس التَسمية، والتَسمِية أَولُ أَدواتِ العُنفِ الحَداثي، وَأن الحَرف (زِد/Z) هُو آخِرُ حُروفِ اللُغةِ، واللُغةُ –في عُمومِها، والإِنجليزية لَيسَت اِستثناءًا- هِي مُؤسسة ذُكوريةٌ، واللُغةُ الإِنجليزية لُغةٌ بَيضاء.

لَيسَ ما سَبق فَقط هُو مَا يُميزُ السَردَ الثَقافِي للفِيلم/ الصُورة عَن غَيره، وَلكن اِستحضَاره لِبنيةٍ كُولُونياليةٍ لَم يَتم إستحضُارها سَابقاً فِي هَذا النَوعِ مِن الأَفلام وَهِي : التَهجِين/ Hybridity، فَالتهجينُ هُو مرحلةٌ مِن مَراحل الإِنتاج البَينيِةِ بَين المُستَعِمر والمُستَعمَر، حَيثُ أَن المُستَعمِر يُعرِّف نَفسهُ رَأسِيًا بآخَرِهِ المُستَعمَر، فَلا يُمكن بِحالٍ مِن الأَحوالِ أَن يَقبَلَ بِوجودِ تَرادفٍ بَين النَموذَجينِ، وإِلا انهَارت مَنظومةُ التَعريفِ السَلبيِ الخَاصِة بالسَيطرة. وَعَليهِ فَقد ظَهرت الحَاجةُ لِخلقِ (بِطَانةٍ وُسطَى، لَها درجةٌ من دَرجاتِ الرَخاوةِ بين المُستَعمِر والمُستَعمَر) بحسبِ فرانز فانون، وَهيَ عبارةٌ عن مَنظومةٍ مِن آلياتِ الإِنتاجِ وَالقُوى المُؤسسَاتِيةِ/الأداتّية الخَارجةِ مِن وَسطِ بِينة المُستَعمَر الثَقافِية والإِجتماعِيةِ والوَطنيةِ، إلا أَنها تَدينُ فِي بِنيتِها الحَاكمةِ إلى النَموذجِ الحَداثيِ الكُولونيالِي الرَأسمَاليِ ولِذا فوُجودُها من وُجوده عُضويًا، فَتعمل على خَلقِ كَيانٍ وَسطيٍ بينَ "عِرقينِ" غير متمازجين (بالتَعبيرِ الفِيكتُوري اليَميني)، وَظيفةُ ذَلكَ الكَيانِ "الوَسطي/الهَجينِ" هُو شَرعنةُ وُجُودِ المُحتَل خِطابيًا ومُؤسساتيًا فِي داخلِ فَضاءِ البِنية المَحلية المُستعمَرة (أو مايُعرَف بـ"المَكانْ" بالمَنطق المُتجاوز). وهُو مَا يُمكن تَعيينُه عَلى مَدى التَاريخِ الكُولونيالي. ولَنا في فرانسوا دُوفالييه الدِكتاتُور الذيِ كَان رئيسًا لهَايتِي بَعد زوالِ الإِستعمار الفَرنسِي، والذِي كَان وجهًا أسمراً لسياسياتٍ بَيضاءَ كُولونيالِية ضَمِنت عن طَريقِه إِستمرارَ علاقاتِ السَيطرةِ والإنتاجِ فِيها، حَتى بَعد الزَوالِ المُباشرِ للبِنيةِ الكُولونياليةِ البَيضاءَ ("الكولونيالية الجديدة" كما أَسماها سَارتر) خَيرَ مثال. كَما يُمكن مُماهاة ذلكَ مع النَموذجِ الفِلسطينيِ تَحتَ الإِحتلالِ الإِسرائيليِ، فِي مَابعدَ "إتفاقيةِ أوسلو" التِي خَلقت تَلك الطَبقةَ المُهجنةِ إِسرائيليًا، وَزرعْتها فِي دَاخلِ الفَضاءِ المَعرفي والسياسيِ والثَقافيِ الفِلسطيني، كوَسيطٍ للسِياسَات الإِحتِلالية، وَلعلَ أَبرزَ تَجلِياتها الوَاضحةِ هو"التَنسيقِ الأَمنيِ" معَ الإِحتلال، فَبات الإحتلال مُدبلجاً للفلسطينيةِ، إسماً ورسماً.
تلكَ الطبقةُ المُهجنةُ هِي التِي يُراهنُ عَليها المَعنى المُستَبطن للسَردِ الثَقافيِ للفِيلمِ مُستفيدًا مِن الطُغيانِ والسَطوةِ الحَاصلَينِ حَاليًا للمَعرفةِ الصُوريةِ التِليفِزيُونيةِ (نسبة إلى الصورة)، وَالتِي تَنبَنِي على الصور كخِطاب وَتَراكُمَاتِها ولَيسَ عَلى الوَاقِع، مؤسسةً للحُكم المَعرفِي على الصُور وَليسَ عَلى الواقِع، فيُقدم الفِيلمُ الجَدارَ العَازل الإِسرائِيلي باِعتبارهِ حَاميًا للحَضارةِ البَيضاءَ فِي حَربِها الأَخيرةِ ضدَ الوَحشيةِ بِتعاونٍ مُثمرٍ بينَ الرَجلِ الأَبيضِ المُحتل وطبقتِةِ الهجينةِ مِنَ المُستَعمَر، تِلكَ الطَبقة التِي تُشفِقُ عَلى قَومِها مِن غِيابِ العَقلِ فِي مواجهةِ الحَضارةِ البَيضاءَ (فلنَنظُر لتَصريحَاتِ قَادةِ التَنسيقِ الأَمنيِ وَسلطةِ أُوسلُو عَن عَبَثِيةِ "المًقاومةِ" وَلامَنطقِية فِكرة العَودةِ – صَفَدْ مِثالاً -).
وَأَن سُقوطَ الجِدارِ لَم يَأتِ نَتيجةً لِسقُوطهِ الإِنسانيِ وَالقِيميِ، باعتبارِ صَيرورةِ –أَغلِبِ - النُظمِ الكُولُونيالية، وَلكنْ يَسقط نَتيجةَ تَدافُع أَعدادٍ غَفيرةٍ مِمن فَقَدوا عَقلَهُم وبَاتُوا فِي حَالةٍ بَيهيميةٍ دُونيةٍ، إِستلزَمت تَخليصَ العَالمِ المُتحضرِ الأَبيضَ مِنهُم.

"الزُومبي" هُوَ جَسدٌ/ نَصٌ مَابعدَ كُولُونياليِ، يُمكنُ التَضحيةُ بِه لِحمايةِ الحَداثةِ الرَأسماليةِ – وَموارِدها الثَقافِيةِ وَالإِنسانيةِ وَالجَسديةِ - التي كَانتِ الكُولُونيالةٌ إِحدى تِجلِياتها. هُو جَسَدٌ يُستدَعى مَتى أَرادَ الرَجلُ الأَبيضُ تَوظيفَ ذَلكَ الجَسدْ فِي خِدمةِ إِرثهِ إِتجاهَ الإِنسانيةِ وَدَورُه كمُخلصٍ لها، فَنَرى قَتلَ الأَجسادِ الإِنسانيةِ فِي فِلسطين(غَزة) والعِراق وغَيرهُم لَم يَمس حَمِية الرَجلِ الأَبيض إِتجَاه الإِنسانيةِ، كَما بَات يَفعلُ الآنَ بَشأنِ الحَدثِ السُوريِ، لِيَظل الرَجُل الأَبيضُ هُو المُخَلص طَالَما ظَلت عُقولُنا بِيدِه يُعقلِن بِها أَجسَادَنا.