15‏/02‏/2015

كيف ساهمت تونس في تحرير “عبيد” أمريكا؟




الكاتب : احمد نظيف

نشر في : رصيف 22*

في مجال حقوق الإنسان، لا نعرف حالياً سوى تقديم دول العالم الأول نصائح إلى دول العالم الثالث. ولكن قبل أكثر من قرن، حدث أمر معاكس. نقلت تونس خبرتها في تحرير “العبيد” إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت آنذاك، قوة عالمية صاعدة.

عام 1864، كان قد مضى 18 سنة على صدور “قانون تحرير العبيد” في تونس، وكانت الولايات المتحدة تشهد حرباً أهلية بين ولايات الشمال بقيادة الرئيس أبراهام لينكولن، وولايات الجنوب الخمس، بقيادة جيفرسون ديفيس. وكانت الولايات الجنوبية تعارض حملة لينكولن الساعية إلى تحرير “العبيد”. وفي هذا السياق، حاولت الإدارة الأمريكية، حشد ما أمكن من الحجج والاستئناس بالتجارب الدولية الأخرى في قضية تحرير “العبيد”، فأرسل قنصلها في تونس، أموس بري، رسالة إلى الجنرال التونسي حسين، وكان حينذاك رئيساً للمجلس البلدي لمدينة تونس وأحد رموز المشروع الإصلاحي بقيادة الوزير خير الدين التونسي. طلب القنصل الأمريكي استفسارات عن منافع “قانون تحرير العبيد” في تونس.

رداً على الطلب الأمريكي، حرر الجنرال حسين رسالة موجزة، شرح فيها كيفية إلغاء العبودية في تونس ووصايا القرآن حول هذا الموضوع.فقام بري برفعها إلى وزير الخارجية الأمريكية وليام إيتش سيوارد الذي أوصلها بدوره إلى الرئيس أبراهام لينكولن فأعجب بها إلى درجة أنه أمر بإعادة طبع نصها بأكمله ونشره على نطاق واسع. نوقشت رسالة الجنرال حسين على نطاق واسع في الصحافة الأمريكية، وهي الآن موجودة في كتيب صغير في مكتبة جامعة هارفارد. وقد ألغي الرق في أمريكا عام 1865.

علّل الجنرال حسين قرار الحكومة التونسية بمنع العبودية معتمداً على مقاصد الشريعة الإسلامية التي تعتبر أن الأصل هو الحرية لا الاستعباد، وأن الإسلام اشترط الإحسان “للعبيد” وعدم توفر هذا الشرط يؤدي إلى “تجاوز الحدود الشرعية”. ولفت إلى أن تفشي وجود الخدم و”العبيد” يساعد على انتشار الكسل والبطالة معتبراً أن البلدان التي فيها عموم الحرية أعمر من غيرها كون نتيجة فعل الإنسان المخيّر أربح وأبرك من نتيجة فعل “العبد” المجبور.

وفي رسالته ذكر قصة معبّرة وقعت له في فرنسا: “كنت حضرت مرة في أيام الكرنفال سنة 1856 بالأوبرا الكبيرة بباريس ومعي غلام أسود، فما راعني إلا أن رأيت رجلاً أمريكانياً وثب عليه وثوب القطة على الفأرة وأراد أن يأخد ثيابه قائلاً ولسانه يتلجلج من سطوة النشوتين: ما يفعل هذا “العبد السوداني” بصالون نحن فيه؟ ومتى مكن “العبيد” من مجالسة الأسياد. فأخذت الفتى السوداني البهتة إذ لم يكن يدري ما يقول، ولا علم لماذا يجـــول ذلك الرجل ويصول، فدنوت منهما وقلت للرجل: يا حبيبي هون على نفسك، فإنما نحن بباريس ولسنا بريشموند!”.

وهنا النص الكامل لجواب الجنرال حسين:

“جواب من أمير الأمراء حسين عن مكتوب إليه في العبيد من قنصل جنرال العصبة الأمريكانية بحاضرة تونس المحمية:

الحمد لله وحده، وإليه يرجع الأمر كلّه. إلى موسيو أموس بري قنصل جنرال العصبة الأمريكانية بحاضرة تونس.

أما بعد فإنه شرفني مكتوبكم الذي مضمونه حيث كنتم بأرض كانت الحرية والعبودية بها متجاورتين وناميتين منذ مدة مديدة وصارتا الآن مشتبكتين في حرب شديدة بغاية قهر إحداهما الأخرى، ووجدتم في تاريخ تونس حوادث مهمة متعلقة بهذين المبدأين المتضادين، أردتم أن تعرفوا تأثير العبودية في بلادنا، وهل أعقبت تأسفاً من الأهلين على فقدها أو انشراحاً لذلك فطلبتم منا شرح ذلك وبأن ما أثبتت التجربة أصلحيته هل هو الخدمة الجبرية أي خدمة العبيد بدون إجرام (تجريم) الخدمة الاختيارية بأجر معلوم وأيهما أوفق بنظام الجماعة عند الدولة التونسية.

أما الجواب عما وجدتم في تاريخ بلادنا عن تحرير العبيد، ومنعنا الملك الآدمي في المستقبل بعد أن كان مباحاً فسبب ذلك هو أن دولتنا كسائر الدول الإسلامية كما تسمونها دولة تيوكراتيك في المعني أي أحكامها جامعة بين الديانة والسياسة. والشريعة الإسلامية وإن أقرت الملكية (وقلنا أقرت لأن ملك الآدمي متقدم على الشرائع الثلاث، فقد كان حكم السارق في شرع يعقوب اسرائيل الله أن يسترق سنة بدل القطع في الشريعة المحمدية) إنما أباحتها بعد حصول سبب الملك بشروط وواجبات يعسر القيام بها، فإن منها عدم الإضرار بالملوك حتى جعل الشارع الإضرار موجباً للعتق كما قال: أي مملوك مثل به فهو حر؟ ومع ذلك فلم تزل الشريعة تؤكد الوصاية بالعبيد حتى كان آخر كلام نبينا صلى الله عليه وسلم الصلاة: “وما ملكت إيمانكم” وكان يقول: “إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ولا يكلفه فوق طاقته” وكان عمر ابن الخطاب الخليفة الثاني يذهب كل يوم إلى الموالي فكل عبد وجده في عمل لا يطيقه وضع عنه منه، وكذلك كان يخرج كل يوم سبت يتفقد الدواب فإذا وجد دابة في عمل شاق خفف عنها.

ثم أن من القواعد الشرعية تشوف الشارع إلى الحرية حتى أن من أعتق جزء عبد لزمه عتق باقيه. وكان من مصارف الزكاة المحصورة في الأصناف الثمانية بنص القرآن الكريم فك الرقاب قالوا بأن يشترى من مال الزكاة عبيد فيعتقون. كما أن من لزمته كفارة يمين أو قتل أو فطر أو ظِهار فله التكفير بعتق رقبة.

فلولا أن تحرير العبيد من المصالح المهمة لما ضيقت الشريعة به على الفقراء والمساكين. ومن آثار التشوف المذكور كثرة ترغيب الشارع في العتق كقوله: أيما أمرىء مسلم أعتق امرأً مسلماً استنقذ الله بكل عضو منه عضواً منه من النار. وتلك الشروط والواجبات حيث كان القيام بها عسيراً في زمن عنفوان شباب الدين فما ظنك به في زمن هرمه لا سيما صنف السودان المباينين للبيض في الطبيعة الغريزية، فكثيراً ما يقـــع بين العبيد ومواليهم المشاجرة التي لا منشأ لها إلا التنافر الطبيعي، وذلك مما يفضي إلى مزيد الإضرار بالعبيـــد، وتجاوز الحدود الشرعية في حقهم. ولم يزل ذلك الأمر يتزايد حتى اقتضى نظر الدولة تحجير الاسترقاق من أصله لأنه لما تعذر الرفق بهم والإحسان إليهم على الوجه المطلوب شرعاً لم يبق إلا الأمر ببيعها أو بعتقها. والأول لا يحصل به الغرض المقصود لما فيه من التسلسل وعود الضرر مع المشتري فتعين الوجه الثاني.

ومن ذلك الوقت بطلت ملكية العبيد عندنا دفعة، وذلك في شهر المحرم سنة 1262 في مدة المرحوم المشير أحمد باشا باي. وأول ما خاطب به المجلس الشرعي في هذا الشأن قوله: “أما بعد فقد ثبت عندنا ثبوتاً لا ريب فيه أن غالب أهل إيالتنا في هذا العصر لا يحسن ملكية هؤلاء المماليك السودان، ولذلك اقتضى نظرنا والحالة هذه رفقاً بأولئك المساكين أن نمنع الناس من هذا المبـــــاح، وعندنا في ذلك مصالح سياسية إلخ”، والمصالح المشار لها هنا يمكن شرحها بأمور كثيرة منها مما يقوله أهل الاقتصاد السياسي في أيامنا أن البلدان التي فيها عموم الحرية وعدم الملكية أعمر من غيرها بالاستقراء. وقد رأيت خطبة لبعض الأفاضل من أهل القلم بمملكتنا كتبها في ذلك الوقت يحث بها أهل المملكة على إجابة رئيس الدولة بالقلب والقالب يقول فيها: “فيا للنفوس الزكية، والقلوب التي بالشفقة حرية، شرعكم متشوف للحرية، ورق الآدمي بلية، والرب يقدر على عكس القضية”.

وأما الجواب عن تأثير العبودية وما أعقب فقدها في الأهلين فهو أن ملك الآدمي لما لم يكن من الأمور الضرورية ولا الحاجية في المعيشة لم يصعب العدول عنه، ولا تجزع لفقده نفوس أهل مملكتنا. وكيف يتأسف المعتني بشؤون الترف والكمال في الأحوال والعوائد على تحرير عبده وهو قادر على استرقاق الأحرار بالدراهم والدينار؟ مع اعتقادهم الديني أنهم ينالون بعتق عبيدهم ثواباً من الله في الدار الآخرة. على أن ذلك وإن يصعب في أول الأمر على بعض من الناس لرؤيتهم استخدام العبيد بدون أجر أيسر لهم وأربح من استخدام غيرهم بأجر لشح نفوسهم بالعتق إيثاراً للعاجل على الآجل، إلا أن هؤلاء تسلوا من قريب لما أثبتت لهم التجربة أصلحية الخدمة الاختيارية دون الجبرية كما أثبتها العقل أيضاً.

ورأى من عجز عن استخدام الحر بالأجر ممن كانوا يستخدمون العبيد رجوعه إلى الأمر الطبيعي والسيرة المستحسنة، وهو أن يباشر الإنسان قضاء أوطاره اللازمة بنفسه ويقلل احتياجه إلى أبناء جنسه، فإن النفس إذا تعودت استخدام الغير قد يفضي بها ذلك إلى العجز عن أدنى الضروريات، والإنسان إبن عوائده ومألوفاته لا إبن طبيعته ومزاجه، وبذلك التعود تكثر شروط استمرار حياته، وما كثرت شروطه عز وجوده. وبالجملة فالناس في باب الخدمة على أربعة أصناف:

ـ إنسان يخدم نفسه بنفسه، ولاشك أن هذا يعمل ما يستطيعه في يومه ويجهد نفسه.
ـ الثاني يؤاجر نفسه لغيره طوعاً، وهذا دون الأول في نتيجة العمل حيث لا يجهد نفسه .
ـ الثالث يعمل لغيره بلا أجر، وهو مجبور، فذلك هو العبد المملوك. ولا غرو أن تكون نتيجة عمله الثاني بمراحل.
ـ الرابع الذي لا يعمل لنفسه ولا لغيره، هو العبد البطال الذي يبغضه الله تعالى. ومن هذا الصنف الأخير الناس الذين يترفعون عن خدمة أنفسهم وقضاء أوطارهم استنكافاً عن مزاحمة العبيد في أشغالهم.

وقد ينفع في هذا القسم العلاج إذا رأوا من كان أرفع منهم يتعاطى تلك الأشغال التي أنكروا مباشرتها. وأيضاً ربما نفع هذا التعاضد الكسالى إذا رأوا مع ذلك التفاتاً وترغيباً وترهيباً من رعاتهم إذ لا يجدون محيصاً عن المسير اقتداءً بمن سار. والإنسان أقرب إلى خلال الخير منه إلى خلال الشر بأصل فطرته وقوته الناطقة العاقلة لأن الشر إنما جاءه من قبل القوة الحيوانية المركبة فيه. وأما من حيث هو إنسان فهو إلى الخير وخلاله أقرب، فإذا وجد طبيباً ماهراً وداوى ما طرأ عليه من المرض فإنه يرجعه إلى أحسن تقويم، وتجتمع الأيدي ويكثر التعاون وتتوفر بذلك أسباب العمران. ومن هذا يتبين لكم السر في كون البلدان التي فيها عموم الحرية وعدم الملكية أعمر من غيرها كما أشرنا إلى ذلك آنفاً، ولا سبب لذلك إلا كون نتيجة فعل الإنسان المختار أربح وأبرك من نتيجة فعل العبد المجبور.

وعندي أن عموم الحرية وانتفاء الملكية كما يؤثر في نمو العمران يؤثر أيضاً في تهذيب خلق الإنسان. أما تأثيره في نمو العمران فظاهر إذ لا عمران إلا بعدل، والحرية نتيجة العدل. فإذا انعدمت جاء الظلم المِؤذن بخراب العمران، ونقصه بنقصها. وأما تـأثيره في تهذيب الإنسان فإن تعميم الحرية تبعده عن الأخلاق الردية من الشراسة والتكبر والتجبر ونحوها التي لا تنفك في الغالب عمن يملك العديد لما تعودوا به من الإمرة والترفع، وربما رأيتهم ينظرون الناس بالعين التي ينظرون بها عبيدهم لا سيما إذا رأوا إنسانا أسود، فما يرونه إلا كسائر الحيوانات العجم.

وكنت حضرت مرة في أيام الكرنفال سنة 1856 بالأوبرا الكبيرة بباريس ومعي غلام أسود، فما راعني إلا أن رأيت رجلاً أمريكانياً وثب عليه وثوب القطة على الفأرة وأراد أن يأخد ثيابه قائلاً ولسانه يتلجلج من سطوة النشوتين: ما يفعل هذا العبد السوداني بصالون نحن فيه؟ ومتى مكن العبيد من مجالسة الأسياد. فأخذت الفتى السوداني البهتة إذ لم يكن يدري ما يقول، ولا علم لماذا يجـــول ذلك الرجل ويصول، فدنوت منهما وقلت للرجل: يا حبيبي هون على نفسك، فإنما نحن بباريس ولسنا بريشموند! وبينما هما كذلك إذ وافاهما أحد حفظة المحل وعرفه بأنه لا فرق في حكمهـــم بين الجلود الا بالجودة وإتقان الدبغ. فالحاصل أن ذلك الأسود المسكين لم تخلصه من أظافر ذلك الرجل محرمته البيضاء ولا قوانتواته (قفازاته) الصفراء، وإنما خلصه بياض الحق وعدل الحرية. وبالجملة فالأوفق بنظام الجماعة عند الدولة التونسية هو عدم الملكية، ولا التفات لما عسى أن يستند إليه المخالف من أن بعض العبيد ندموا على خروجهم من بيوت أسيادهم وطلبوا الرجوع إليها على شروط العبودية، إذ: قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد/ وينكر الفم طعم الماء من سقم

على أن ذلك إنما كان في أول الأمر حين خرجوا جافلين كما تخرج الدواب إذا فلتت من مرابطها قبل الاستعداد إلى لوازم المعيشة والحرية. أما الآن، بعد الاستعداد، فهل ترى لهم أدنى ميل إلى العبودية؟ ندع هذا الاعتراض الساقط ونرجع إلى ما هو أهم منه فنقول: أنتم أيتها الأمة الأمريكانية إخوان الأمة التي قال فيها عمرو بن العاص صاحب نبينا صلى الله عليه وسلم أنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخبرهـم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة، وأمنعهم من ظلم الملوك. ولا عمري لأنتم كما قال أمنع الناس من ظلم الملوك حيث أنعم الله عليكم بتمام الحرية في أنفسكم، وجعل سائر أموركم السياسية والمدنية بأيديكم. والبعض من غيركم يقنع بالحقوق المدنية لحماية النفس والعرض والمال فلا يجدها! فما ضركم لو تفضلتم على عبيدكم بما لا يؤثروا هنا شوكتكم؟

شكراً لربكم على ما خولكم من تلك النعم الجليلة، ثم أنتم من التمدن والحضارة بمراحل عن أن تقتدوا بمن يدورون وعيونهم مكنبلة (كذا) على دائرة! “إنا وجدنا آباءنا على أمة” واعلموا أن الشفقة والحنانة البشرية تدعوكم لأن تنبذوا من حريتكم الزيادات التي تسوءها وتكدرها وتلقوا بها البشر على شفاه أولئك العبيد المساكين، والله يحب من عباده الرحماء فارحموا من في الأرض يرحكم من في السماء. هذا وأرجوكم أيها القنصل الجنرال أن تعتقدوا غاية تكدرنا من حروبكم هذه الواقعة بينكم توجعاً على النوع الإنساني وغاية شفقتنا على أولائك العبيد المساكين كما أرجوكم أن تعتقدوا خلوص مودتي لكم .

كتبه بيده الفانية، الفقير إلى ربه تعالى أمير الأمراء حسين رئيس المجلس البلدي في أواخر جمادى الأولى سنة 1281 هجرية الموافق لأواخر أكتوبر سنة 1864 مسيحية”.


http://raseef22.com/politics/2015/02/07/tunisias-contribution-to-liberating-american-slaves/


24‏/01‏/2015

رأي حول عدم منع الرق ابتداءا في الاسلام



الكاتب: عبدالخالق مرزوقي


الإسلام دين واقعي ليس مثالي، وهو لبشر وليس لملائكة
لهذا لم يتم الأمر إلا بما يستطيعه الناس، وحسب واقعهم واستطاعتهم، والواقع والإستطاعة هي واقع واستطاعة الفرد 

والمجتمع على حد سواء. 

ومن ضمن امثلة الواقع والإستطاعة وشروطهما ، درجة وعي المجتمع وتطوره الديني، الثقافي، الفكري، الإقتصادي، والسياسي امثلة ذلك تدرج منع شرب الخمر، كان سبحانه وتعالي يستطيع 
انزال نص واحد ، يحرمها بشكل صريح ، لكن حكمته تعالى ومعرفته بخلقه، اقتضت التدرج، هذا ايضا نلحظه في ذكر اقسام
المستحقين للزكاة ، حيث تم النص عليها ، والنص على اقسام
مستحقيها ، لكن لم يتم النص على انهم يستحقونها في كل زمن
وحال، بل ترك للسلطة المنظمة للزكاة تقدير ذلك،  ومقدار نصيب 
كل مستحق من الاقسام .

 لذا حين جاء الإسلام لم يأمر بالرق بل وجده كواقع في المجتمع والثقافة الإجتماعية، ليس في الجزيرة العربية وحدها ، بل هي ثقافة تشمل كل شعوب العالم في زمن ظهور الإسلام،  واستمرت إلى  عقود قليلة جدا، إلى أن تطور الفكر الإنساني والقانوني لمنعه
وإن كان تم استبدال الرق والإستعباد الفردي، بعملية استعمار الشعوب والدول .

ولا نجد في نصوص الدين سواء كقرآن أو سنه، امرا به أو تشجيعا عليه، بل تعاملت معه كما يدل سياقها كآمر واقع بحاجة للتعامل معه وحل اشكالاته العديدة.

لم يمنعه ابتداء لأن الواقع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي
لم يكن قادرا على تقبل واستيعاب هذا، من ناحية هو سلوك اجتماعي وثقافي مقبول في عصره متوارث لقرون .

ومن ناحية اخرى هو عصب الحياة الاقتصادية، سواء كتجارة

أو زراعة أو رعي، حيث كان الاعتماد عليه فيهم امر اساسي


ومن جهة ثالثة منعه ابتداء كان سيتسبب في مشكلة اكبر اجتماعيا وامنية واقتصادية في الجزيرة العربية، لأن اعتاق عشرات الألوف رجالا ونساء مرة واحدة دون ضمان مأوى وسبل العيش والسكن لفئة تمثل اكبر نسبة من السكان حينها ، سيحولهم إلى كارثة اجتماعية وامنية على المجتمع ويضعف استقراره.


فالحل الواقعي والاسلم لجميع الأطراف وللمجتمع، كان هو توسيع ابواب العتق، وتضييق ابواب الاسترقاق، ومن لديه حلفية بسيطة

في الشريعة والفقه يعلم هذا. 

الخطيئة حدثت حين حول الحكام ابتداء من بني امية الحروب إلى توسع امبراطوري، لاهداف سياسية واقتصادية، خاصة بالسلطة والدولة الناشئة والعلاقات داخلها، وليس بهدف الفتوحات كما سميت رسميا

واصبح توزيع السبي والاراضي والأموال ممارسة لكسب الولاء وزيادة النفوذ وتقليل المعارضة حينها، وهي تتعارض مع اهداف 

التشريع،  مما فاقم المشكلة بدلا من اتجاهها للتقلص تمهيدا لإنهائها

06‏/01‏/2015

في الإحتقان المذهبي والتسامح



عبدالخالق مرزوقي
نشر في صحيفة التقرير

أحببت أن أتمهل قليلًا في الحديث عما جرى من حادث إرهابي في الدالوة بالأحساء
رغبة في انتظار أن تهدأ النفوس وبحثًا عن أسباب ما حدث، وليس مجرد التعليق 
عليه أو استنكاره، فلا أجد أن هذه الجريمة تنفصل عما يجري في المنطقة وبدأت 
تصل تداعياته إلى الداخل بعد شهور من اقترابها من الحدود سواء الشمالية أو الجنوبية


نعلم جميعًا أن الاحتقان المذهبي يبلغ أوجه الآن ليس في السعودية فقط؛ بل في كل 

العالم الإسلامي، وهذا الاحتقان أسبابه سياسية في المقام الأول وليست دينية كما 
يحاول بعض الأطراف تصويره، سواء في الداخل أو الخارج. فالخلافات الدينية الموجودة بين الطرفين منذ قرون، ولم يستجد في الموضوع الديني ما يجعل هذه الخلافات تشتعل في هذه السنوات.

وهذا لا ينفي بأي حال من الأحوال وجود خطاب ديني تكفيري تحريضي متطرف 

ضد الآخر، ولا ينفي آثاره، وهو موجود لدى الطرفين بنسبية علينا الإقرار بها
 وأتحدث هنا على المستوى الإقليمي، وهو يعكس نفسه بقوة على المستوى المحلي 
ولا أعتقد أننا قادرون على عزل أنفسنا تمامًا عما يجري في محيطنا العربي 
والإسلامي كما يتصور بعضنا. ولمزيد من المصارحة تمامًا هنا، فالقضية تحتاج
 منا صراحة في الحديث وشفافية، وعلينا أن نسمي الأمور بأسمائها.

فلا يمكن منع غالبية السنة السعوديين أو في أي بلد عربي آخر من التعاطف مع 

السنة في سوريا والعراق وغيرها ضد ما يجري ضدهم أو مساندتهم، أكثر من 
التعاطف مع غيرهم من الأقليات أو الطوائف الأخرى. وكذلك لا يمكن منع الشيعة السعوديين أو غيرهم في البلدان الأخرى من التعاطف مع الشيعة في البحرين أ
و العراق مثلًا أو النصيريين في سوريا بصفتهم حلفاء.

سواء كانت المساندة علنية بالرأي أو بالصمت السلبي، واعتبار وكأن شيئًا لم 

يحدث هناك، وهو تعاطف ومساندة من الطرفين، جزء ضئيل منه إنساني والجزء

الأكبر منه بسبب الانتماء لنفس المذهب.

وهذا من الأمور المسكوت عنها، ومن القضايا التي لم يفتح النقاش فيها بجدية، أعني موقف كل طرف تجاه القضايا الإقليمية، رغم أن هذا التناقض بين الغالبية العظمى 

من أتباع المذهبين ظاهر تمامًا.

هل هذا عام لدى جميع أتباع المذهبين؟ بالطبع لا، وهو يظهر أكثر ما يظهر لدى من

 يقدم هويته المذهبية كجزء من انتمائه السياسي أو الفكري، بل ظهر أيضًا لدى بعض
 من يقدم نفسه كعلماني أو ليبرالي أو قريب من أفكار اليسار.

هل هذا مثالي وطبيعي؟ أيضًا الإجابة هي بلا. لكنه، مفهوم تمامًا وواقعي، بالنظر لمستوى الوعي والثقافة السائدة والخلفية التاريخية التي تشكل نظرة كل طرف للآخر وهيمنه النظرة الدينية المذهبية على الصراع السياسي الإقليمي. ولا أرى ذلك يمكن 

أن يكون مهددًا للوحدة الوطنية أو أن يشكل استفزازًا للطرف الآخر يصل لحد إثارة احتقان مذهبي كالموجود حاليا، إذا ظل ضمن حدود معينة.

لكن، الاحتقان والمشكلة المذهبية تفاقمت؛ لأن تعاطف كل طرف مع ما يراه من 

مظلوميه لمن يشترك معه في المذهب، ضاعفه أن المواقف لأتباع كل مذهب ذهبت
 لمدى أكبر، وهو تأييد ومساندة المنتمي للمذهب سواء كان مظلومًا أم ظالمًا، قتيلًا 
أم قاتلًا، والإنكار أو التجاهل في الحد الأدنى لمعاناة الطرف الآخر في القضية بناء على التصنيف المذهبي.

فالسنة عمومًا لا يرون معاناة الشيعة وبقية الأقليات في العراق قبل 2003، والشيعة لا يرون معاناة السنة بعد 2003. وكذلك في سوريا يحدث ذات الأمر، وهما أهم ساحتين تشكلان بؤرتين للاحتقان الموجود حاليًا.

هنا تحول الأمر من مجرد تعاطف إلى فعل لا أخلاقي ولا إنساني بتأييد إلحاق الأذى بالآخر، أو مجرد الصمت والتجاهل وكأن الإنسان لا يرى ما يحدث من دماء بريئة 

تسفك من الطرفين.

وهذا الاصطفاف الخارجي أصبح داخليًا أيضًا في القضايا السياسية الخارجية

 وتفاقم بسبب تورط رجال الدين في إلباس هذا الصراع لباسًا دينيًا مذهبيًا، فرأينا 
الفتاوى والتحريض من الطرفين، ومن مراجع دينية كنا نحسبها متعقلة، وأعتقد أن الجميع قرأ أو سمع تلك الفتاوى من رجال دين في الطرفين.

خاصة حين يتكرر على المسامع في خطب الجمعة الدعاء على الشيعة بمسمى “الروافض”، ونرى التحريض ضدهم في بعض القنوات ووسائل التواصل، ومن 

أسماء غالبًا معروفة وحتى التكفير أحيانًا. وكذلك، كلنا نشاهد القنوات المقابلة وهي 
تشتم الصحابة وأم المؤمنين وتكفر السنة وتنزع عنهم الإيمان تحت مسمى النواصب والدعوات في المناسبات الدينية للثأر من قتلة الحسين مع إلباس الخصم السياسي 
لباس قتلة الحسين.

وتحريًا للدقة، فإن ما يجري لا يمكن تحميله للمنتسبين للمذهبين عمومًا؛ بل يتحمله المسؤولون عن الخطاب الديني بالدرجة الأولى، وما يسمى بالنخب في الطرفين في

 طول العالم الإسلامي وعرضه، وعدم وجود قوانين رادعة.

فقبل الإرهاب في الدالوة، رأينا تحريضًا ضد الشيعة السعوديين لم يقف أمامه أحد بجدية. وفي المقابل رأينا أن هناك من يصف من يقتل من يحملون السلاح ضد الدولة في العوامية بالشهداء والمناضلين، ويصف قوات الأمن بمرتزقة آل سعود.

ووسائل التواصل مليئة لمن يبحث عن نماذج ولم نرَ إدانة علنية لمن يصفهم بذلك أو براءة علنية منهم أو من خطاب نمر النمر مثلًا؛ ونتيجة لهذا الاصطفاف، أصبح كل طرف يدافع عن متطرفيه في وجه الطرف الآخر.

ثم يأتي الجميع بعد الدالوة ليتحدث عن وجود الاحتقان وأسبابه، وضرورة تبني 

خطاب مختلف، يركز على الوحدة الوطنية، معتدل ومتسامح، كان هذا ضروريًا ومطلوبًا، والحدث كبير لاشك، لكن ستستمر هذه الدعوات أم ستنسى مع أول 
اختلاف حول قضية سياسية.

ولي وقفه مع هذه الدعوة للوحدة والتسامح، فلست ضدها أبدًا، وأحترم جزءًا كبيرًا 

من المنادين بها رغم أن بعضهم ينادي بالتسامح مع الآخر وهو في ذات الوقت يهاجم ويحرض ضد المختلفين معه فكريًا في ذات المذهب. خطاب دعوة التسامح يضمر 
من ناحية نوعًا من السلطة على الآخر، حتى وإن كان الداعون له لا يعنون ذلك 
أو لم يرد في أذهانهم.

ومن جهة أخرى، فإن هذا الخطاب يقف عند العموميات ولا يدخل إلى التفاصيل

ما هي القاعدة التي ننطلق منها؟ فالتسامح ليس مجرد دعوى تطلق؛ بل يسبقه تأسيس نظري فلسفي وديني وفكري وقانوني؛ لذا، قبل أن نصل للتسامح يجب غربلة الكثير
 من المفاهيم المقيمة حول الدين، وعقلنه التدين، وتأسيس نظري وعملي لحق 
الاختلاف والتعددية بكافة أشكالها الدينية والسياسية والاجتماعية؛ وإلا فسنكون كمن يحرث في البحر. وهذا يجب أن يسبق أولًا بالحرية التي تسمح بالتفكير في كل ذلك وممارسته.

وإلا سنكون أمام تصادم أهلي اجتماعي بين الحقوق والحريات، ونقع في قضايا أكبر كمثال صريح، الشيعة يطالبون بالمزيد من الحقوق والحرية في ممارسه شعائرهم وطقوسهم الدينية علنًا، كعاشوراء وبالطريقة التي يريدون.

ويعتبر أغلبهم أنها شعائر دينية، رغم أنها طقوس وليست شعائر. وفي الطرف الآخر

يتم اعتبار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيضًا شعيرة دينية، رغم أنه بالطريقة الرسمية المنفذة الآن ليس كذلك. فماذا سيحدث لو تم منح كل طرف الحق والحرية في القيام بما يعتبره شعيرة لديه، وبالطريقة التي يريدها هو؟

ماذا يقول لنا أصحاب شعار التسامح هنا؟ في الحقيقة هم لا يقولون شيئًا؛ لأنهم يقفون

عند مجرد الدعوة، ولا يبحثون عن ضرورة التأسيس الفكري والتبيئة الثقافية للعديد 

من المفاهيم التي يجب تحديدها وترسيخها، ثم البناء عليها لاحقًا لإقامة التسامح المفترض.

واستطرادًا لهذا الموضوع، الكثير يتحدث عن كتاب جون لوك "رسالة في التسامح" بكثير من التعظيم والتبجيل، من باب الاستشهاد بالتسامح في أوروبا، وهو كتاب مهم 

لا شك وأحدث تأثيرًا كبيرًا في زمنه وبعده.

رغم أن جون لوك ذاته استثنى الكاثوليك من دعوى التسامح؛ لأنهم كانوا يعتبرون في ذلك الزمن في إنجلترا يدينون بالولاء لسلطة أجنبية هي سلطة (البابا) -عملاء للخارج بمفهوم الحاضر- كذلك استثنى جون لوك الملحدين من دعوته للتسامح.

أوروبا التي تحارب فيها الكاثوليك والبروتستانت لم يصلوا للتعايش والتسامح 

إلا بتحقيق عدة أمور سبقت ذلك، أهمها تنحية الكنيسة عن المشاركة المباشرة حينًا والضمنية في أحيان أخرى في إدارة الدولة، أو الحكم باسمها.

أيضًا، التأسيس الفكري للدولة الحديثة وفكرة المواطنة والدستور وفصل السلطات

 وكذلك عملية الإصلاح الدينية التي نحت جانبًا الكثير من الخرافات والقوانين التي 
كانت تقدم بصفتها جزءًا من الدين. بمعنى أنه كانت هناك عملية تغيير كاملة شاملة 
لكل مناحي الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية والإقتصادية.

فهل تلقى عملية الدعوة للتسامح لدينا صدى حقيقيًا بدون ذلك كله، بمعنى أن أقبل 

كل ما لديك وتقبل كل ما لدي نظريًا وعمليًا، مع حرية الممارسة العلنية وفق ما يرى
 كل طرف. أجزم أن أتباع المذهبين لن يقبلوا بهذا كقاعدة للتسامح، على الأقل الآن ولسنوات قادمة، وكما ذكرت في البداية لابد من المصارحة، فمثلًا مسألة تكرار 
الحديث عن “النواصب” والمناداة المستمرة للثأر من قتلة الحسين والتجييش لذلك 
خاصة في المناسبات الدينية، واعتبار كل رأي مختلف مع الرواية الشيعية للدين
أو التاريخ الإسلامي أنه معاد لآل البيت، أو تكفير منكر الولاية والعصمة، هل 
تدخل ضمن الأمور التي على المنتمي للمذهب السني قبولها نظريًا، واعتبار أن 
تكفيره أو اعتباره معاديًا لآل البيت أو على الأقل نفي الإيمان عنه مسألة يسمح بها؟

مع العلم أن هذا الخطاب -وبمباركة المراجع- يقدم للشيعي الذى يعيش اليوم عن 

آخر يفترض وجوده اليوم، وليس عن عدو لآل البيت وجد في زمن ما. ورغم عدم
 وجود نواصب معروفين في عصرنا، ولا أعلم ممن سيؤخذ ثأر الحسين ممن 
يُجَيش للأخذ بثأره، في الاتجاه السني أيضًا هناك تكرار للحديث عن مسمى 
الروافض والإساءة للشيعة وتكفيرهم -أيضًا بمباركة رجال الدين- وإسقاط المسمى 
على كل الشيعة، سواء في خطب الجمعة أو في الكتب والمحاضرات الدينية.

ابن تيمية ذاته كان يفرق بين التشيع والرفض ولا يكفر الشيعة، فيما الخطاب الديني الحالي لا يفرق، بل يقدم لعامة الناس أن التشيع هو ذاته الرفض، ويدعو عليهم في 

كل خطبة جمعة. فهل على الشيعي أيضًا أن يقبل هذا تحت مسمى التسامح؟

كذلك، نحن لسنا أمام رؤيتين مختلفتين للدين والتاريخ والشخصيات والأحداث فقط

 بل رؤيتين متضادتين متصادمتين منذ يوم السقيفة لليوم، فمن يراهم طرف أفضل 
الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم هم في رؤية الطرف الآخر بين أن يكونوا 
مرتدين أو منافقين أو مغتصبين للسلطة!

ولا أغفل أنه أيضًا مع الدعوة للتسامح تتم إحالتنا لضرورة وجود قوانين لتجريم التحريض الطائفي، وهي مطلوبة ووجودها ضروري بلا شك، لكن هنا أيضًا 

أمامنا وقفة أخرى، فما هي المرجعية الفكرية والقانونية التي نعود لها في هذه 
القوانين؟ كيف لا نجد أنفسنا أمام قمع وتقييد لحرية الرأي والنقد باسم التحريض
 خاصة أن فلسفة إعداد القوانين تقوم على قاعدة التضييق لا قاعدة الحرية، خاصة 
أن الكثير ممن لا يروقهم النقد للمسائل الدينية أو الفكر الديني والممارسات المتعلقة
به أو النقد الثقافي والسياسي، سيدفعون باتجاه توسيع هذه القوانين كي تغلق أي 
نافذة حرية تفتح في هذا المجال.


http://altagreer.com/%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D9%84%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%B2%D9%88%D9%82%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B0%D9%8
7/

02‏/11‏/2014

الحسين الذى مازال يستشهد كل يوم




هذا الموضوع ليس للحديث عن اسشهاد الحسين رضي الله عنه كحدث
بل عن القضية التي خرج من اجلها الحسين , والتي اراها مغيبة على
المستوى العملي في مجال التعامل بيننا كبشر

وقائمة الذين ما زالوا يستشهدون كل يوم طويلة قبل الإمام الحسين

رضي الله عنه وبعده

الحسين رضي الله عنه خرج من اجل ترسيخ عدة امور اهمها
عدم السكوت والخضوع للظلم وتكريس الأمر الواقع , والنطق بالحق
مهما كانت النتيجة , وكذلك غاندي الذى مضى في مسيرته المقاومة

السلمية. والهدف في الحالتين واحد

الآن كلنا نحزن لإستشهاد الحسين , وكلن بطريقته لكن من منا يستلهم

المبادئ التي استشهد الحسين من اجلها اتحدث هنا بحثا عن واقع عملي
على الصعيد الشخصي أولا وقبل أي شئ آخر

من منا يرفض الظلم منه تجاه الآخرين ؟ وهؤلاء الآخرين قد يبدأون

من الإخوة والأبناء، من ينطق بالحق ولو كان في ذلك مضرة عليه،أو
حتى تفويت مصلحة له؟ هل ننصف الآخرين من انفسنا ؟
هل اغلبنا لديه استعداد للوقوف ليس في وجه حاكم ظالم
بل اقل من ذلك , في وجه مدير ظالم ؟
هل بيننا من يقدم الحق على السلامة ؟
جميعنا نشاهد مظالم من افراد تجاه افراد سواء قريبين
أو لا نعرفهم , ونتصرف غالبا وكأن الأمر لا يعنينا

ألسنا جميعا , أو اغلبنا على الأقل نخذل كل من يستشهدون أو يعتقلون

من اجل قضايا انسانية عادلة منذ الإمام الحسين لليوم على الصعيد

العملي البسيط رغم أننا نتحدث عن انتصارنا لهم سواء كأشخاص

أو كقيم ومبادئ والسلام .

24‏/10‏/2014

عبد الخالق المرزوقي: السلفية.. بين التقويض وإعادة البناء


عبد الخالق المرزوقي:
نشر في صحيفة التقرير


قدم الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس رؤية قبل سنوات كان مضمونها أن 

المستقبل للدين العاقل. ورغم اختلاف سياق هذا المقال عما تحدث عنه هابرماس
إلا أن هناك تقاطعا لهذا المقال مع تلك الرؤية مع اختلاف نسبي في المضمونين.


وأعتقد أن السلفيين قبل غيرهم من المفترض أن يعنيهم الحديث والنقد الموضوعي 

وبيان الخطايا والأخطاء التي أوقع السلفيون السلفيةَ فيها. وإن وجود نقد من جهة 

وهجوم من جهة أخرى بناء على خصومة فكرية مع السلفية لا ينبغي أن يعمي 
عن الحاجة للمراجعة والنقد الداخلي. ومطلوب منا جميعا اليوم حين نتحدث 
عما أصبحت عليه السلفية تحري الموضوعية وممارسة النقد الصريح الشفاف 
فهما السبيلان الوحيدان لإخراج السلفية من مأزقها الواقعة فيه.

لكن، وكما هو واضح للجميع، فإن النقد للسلفية من داخلها ضعيف جدا وشبه 

نادر قد يكون بعضه بسبب خشية تصنيف، أو اعتقاد بأنّ هذا ليس زمن النقد 
فيما هي تتعرض للهجوم أو غيرها من الأسباب. في هذا المقال سأتحدث 
عما أعتقد أنه أكبر مشكلات السلفية في العصر الحالي. وهي كما أرى اكبر
 من أن تكون مشكلة بل أصبح مأزقا له جوانب كبرى أصبح المنهج السلفي 
أسيرا له ولتفرعاته

الجانب الأول هو في تعريفها لذاتها ولرموزها. فالسلفيون يطلقون على أنفسهم 

هذا المسمى كاتّباع للسلف الصالح من النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة 
والتابعين ويرسخونه، فيما هم أقرب نظريا وعمليا لمسمى أهل الحديث، وحتى
في هذه لديهم إشكالية كبيرة؛ فهم لو أردنا التسمية الدقيقة "حفاظ أحاديث"
وليسوا أهل حديث كما كان يُسمّى السابقون.

فعلى المستوى العملي السلفي التقليدي، يحفظ أحاديث النبي -صلى الله عليه 

وسلم بالدرجة الأولى ويحاول تطبيقها حرفيا دون فقهها ودون النظر لمقاصدها
بل إن الحديث يقدم أحيانا على القرآن الكريم.

ثم يطبق بانتقائية سنه الأئمة أحمد بن حنبل وابن تيمية وابن القيم من المتقدمين

 ومحمد بن عبد الوهاب من المتأخرين وعبد العزيز بن باز وابن عثيمين حديثًا
رحمهم الله جميعا. ويستبعد على المستوى العملي كثيرا مما لا يروقه من أقوال 
وأفعال الصحابة وآراء وفقه بقيه علماء المسلمين وإن لم يصرح بذلك نظريا.

أي هو يمارس الاتباع الحرفي للسنة أولا ثم للقرآن، دون إعمال كبير للعقل 

فيهما اجتهادا، حتى وفق المفهوم الديني للاجتهاد، ويلغي اختلاف الحال والبيئة 
والزمان والمكان، وهذا أهم أسباب الجمود الفكري الحالي للسلفية أمام مستجدات
الحياة العملية.

وجميعنا يعلم تمامًا موقف السلفية التقليدية أمام كل ما يستجد في العصر منذ 

بداية تأسيس السعودية لليوم، وجزء من هذا يعود تاريخيا لظروف نشأة تيار 
أهل الحديث أساسا والذي واجه في بداياته تيارات فكرية تقدم العقل على النص 
وبعضها بهوى وتطرف؛ فكان الرد بتقديم النص وإلغاء العقل. أي الرد على 
خطأ أو تطرف بخطأ أو تطرف آخر. وأستثني ابن تيمية هنا في مجالات 
عديدة من فكره.

الجزء الآخر من هذا الجمود يعود لنشأة فكر محمد بن عبد الوهاب رحمه الله

فالبيئة والأحداث التي رافقت مسيرة حركته وما تلاها تميزت بالصراعات 
الدينية والسياسية مع الانعزال الداخلي وشبه انقطاع عن التواصل الفكري 
الديني مع بقية مناطق العالم الإسلامي، واستمر هذا الانعزال الفكري الديني 
إلى عقود قريبة ومن المعروف أنه في بيئة الصراع السياسي والديني والتشدد 
الاجتماعي غالبا ما يؤثر هذا على الاتجاه الديني من ناحية انفتاح/ تشدد، وعلى
النظرة للآخر.

الجانب الثاني من مأزق السلفية الحالية هو غياب وقلة الفقهاء المجتهدين والفقه 

وإعمال الفكر في الحركة السلفية، وهذه أيضا إحدى المشكلات التي رافقت أهل 
الحديث من زمن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وهو الذى يصنفه بعض 
العلماء كمحدث وليس كفقيه، وهذا لا يقدح فيه بلا شك.

وهذه المشكلة تحولت لمأزق ازداد وضوحا في العقود الأخيرة، خاصة بعد 

الإمامين عبد العزيز بن باز وابن عثيمين رحمهما الله، هذا الغياب للفقه والفقهاء 
في العصر الحديث أدى لتصدر بعض المُحَدِثين والوعاظ للمشهد السلفي محليا 
وعربيا وتحقيقهم لجماهيرية كبيرة رغم قلة حصيلتهم المعرفية الفقهية والفكرية 
دينيا وسياسيا.

يضاف لذلك ضعف التأهيل الفقهي والفكري في الكليات الشرعية، مما ساهم 

في تكوين أجيال من الشباب السلفي القوي من الناحية العقدية والضعيف بل 
الهزيل من الناحية الفقهية والفكرية سواء في الفقه الديني أو في فقه الواقع 
بأقسامه السياسية والاجتماعية.

قلة الحصيلة المعرفية والفقهية وعدم القدرة على مخاطبة العقل بطريقة مقنعة 

له وتطوير الوعي، جعلت السلفي خاصة الداعية والواعظ يلجأ للخطاب 
العاطفي والبكائيات كي يكون مؤثرا.

وهذه وإن كان لها تأثير كبير في جذب الشباب والمجتمع للخطاب الديني في فترة

ما إلا أن سحرها قد بطل في السنوات الأخيرة مع ازدياد الوعي والثقافة ووسائل
التقنية من جهة، وعدم قدرة السلفية على تطوير فكرها وخطابها وأدواتها من جهة أخرى.

وهذا يظهر أكثر ما يظهر في دول الخليج، خاصة السعودية عكس الدول العربية 

خارج الخليج التي كسبت فيها السلفية أراضي جديدة لأسباب عديدة، منها أن 
الإنسان المتدين البسيط في تلك المجتمعات ما زال يتعرف على السلفية وخطابها 
العاطفي مع مصاحبة ذلك لسأمه من الخطابات القومية وغيرها من الخطابات 
المفلسة، وإن كان هذا المكسب والرصيد بدأ جزء منه يتبدد، خاصة في مصر 
نتيجة لمواقف بعض التيار السلفي المساندة للانقلاب.

الجانب الثالث من أزمة السلفية المعاصرة هي في كونها تحولت هي ورموزها 

التقليدية إلى أداة في يد الأنظمة الحاكمة، ضد المجتمعات لضبطها من ناحية
وضد خصوم تلك الأنظمة من التيارات الأخرى من ناحية ثانية؛ فأصبحت 
السلفية التقليدية في فقهها السياسي العملي تقدم الحاكم مقدسا معصوما لا يُسأل
عما يفعل.

وتقوم بتطويع الدين ونصوصه لخدمة عصمة الحاكم وتبرير أعماله وإلباسها 

لباس الدين، وإرهاب المجتمع بإنتاج نسخة من الدين تقف سدّا أمام حقوق 
وحرية المجتمع والشعوب سواء على المستوى الفردي أو على مستوى الحقوق
 من الحاكم.

وبالمقابل يقوم الحاكم بتسهيل سيطرة رجل الدين التقليدي على المجتمع، كنوع 

من تبادل المنافع، وهذا أدى لظاهرة خطيرة وهي أنه أصبح النفور من رجل 
الدين أو من يقدم نفسه كممثل للدين أو حارسا له يتحول لنفور من الدين ذاته، بل 
هناك من لم يعد يفرق بين رجل الدين وخطابه وسلوكه وبين أساس الدين ذاته 
ونصوصه وأصبح يتعامل معهم كشيء واحد وينسب للثاني كل سيئات الأول.

المفارقة أن رموز السلفية والمقدمين لديها كرموز كالأئمة احمد ابن حنبل 

وابن تيمية رحمهم الله اشتهروا وبرزوا بأنهم مناضلون -بلغة اليوم- ضد 
الحكام واستبدادهم. وهذا يقودنا اليوم للنظر إلى المسافة الواسعة التي 
أصبحت بين جزء من الخطاب النظري للسلفية المعاصرة، تجاه تمجيد أحمد
بن حنبل وابن تيمية ونضالهما والإشادة به وبصبرهما في الحق وشجاعتهما 
في قول كلمة الحق من جهة، وبين الممارسة العملية المعاكسة تماما لذلك 
الفعل، المعارضة له في الجزء النظري الآخر من خطابها الداعي للطاعة
شبه المطلقة للحاكم. فأصبحنا أمام حالة من الازدواجية النافرة لا أعلم كيف 
يستطيع حاملها الجمع بين هذين النقيضين .

ونأتي للجانب الرابع من أزمة السلفية، وهو أنها تعيش في يوتوبيا خيالية. السلفية 

خلقت هالة كبيرة من التقديس حول العصر الأول من الإسلام تحديدا فترة النبي 
-صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين. وصورت لمعتنقها أن ذلك العصر هو
 المثال الذى لا بد من العمل للعودة إليه، سواء على صعيد التدين الفردي أو العام 
وأي شيء أقل من ذلك هو تقصير وقدح في التدين.

ونعلم مقدار القصص التي تُساق عن من كان يختم القرآن في عدة ليالٍ، وعمن 

تتخضب لحيته بالدموع عن قراءة القرآن وعن مقدار التقوى لدى من عاش ذلك 
العصر، وهنا لست في مقام إثبات تلك القصص أو نفيها فليس هذا مجال حديثي
بل بيان تلك اليوتوبيا الذى يتم غرسها في ذهنية معتنق السلفية حول ضرورة 
العودة لتدين ذلك العصر وأمجاده وعزته وفتوحاته وعدله.

لذا نرى السلفي دائما مشغولا بضرورة إعادة إنتاج الماضي في المستقبل. وهذه 

استحالة، وكل ذلك يتم بأسلوب عاطفي لا يحمل وعيا بالماضي وظروفه 
ولا للمستقبل واشتراطاته.

وحين اصطدام الشباب بالواقع يبدأ الاتجاه لأحد مسارين؛ إما محاولة إجبار

المستقبل على العودة للماضي بالقوة، وهذا يأخذ في العادة أشكالا عنفية في 
التغيير وإما يأخذ مسار التشكيك في الماضي والبحث عن مستقبل مختلف.

إذن، هل من حلول إنقاذية؟

هو سؤال كبير ويتطلّب عملا جبارا وتجردا وفكرا واعيا وتقديم ضرورة دخول 

الفكر الديني السلفي إلى المستقبل بوعي ورؤية وأدوات وخطاب مختلف جذريا 
عما هو عليه الآن، وإلا سيظل يدور في حلقة من الأزمات التي يخلقها لنفسه 
وللمجتمع .

هناك عبارة شهيرة تتردد تقول: “لا يمكن حل مشكلة بنفس التفكير الذى 

أوجدها لذا كما أرى أنه باستمرار رموز السلفية التقليدية الحاليين من رجال 
دين أو دعاة أو وعاظ، سواء من كانوا "يحتلون" مناصب دينية رسمية 
أو لا -مع بعض الاستثناءات-، فإنه لا يمكن إخراج السلفية من مأزقها، بل 
استمرارهم في تصدرالمشهد يفاقم ذلك المأزق ويعمقه.

ولا حل إلا بوجود جيل جديد أكثر فقها وأكثر وعيا للواقع بجميع جوانبه وأكثر 

انفتاحا على الأفكار سواء كانت أفكارا دينية أم غير دينية، وليس لديه ذلك 
الانغلاق في تقبل كل جديد وغربلته والخروج منه برؤية تخدم الدين والدنيا 
والمستقبل معا.

قوة الفكرة السلفية تكمن في رؤيتها العقدية -كما أرى وأعتقد-، وهي الأساس 

الذي انطلقت منه، وباعتقادي لا توجد أطروحة في العقيدة توازي الأطروحة 
السلفية في القوة وفي احترام العقل والنص معا.

وهذا يسهل كثيرا عملية الإصلاح الديني والفكري في السلفية، فرسوخ الأساس 

وقوته يجعل الانطلاق أكثر ثقة وأسهل ولا يحتاج لجهد كبير فيما لو كان أساس 
الخلل في أصل العقيدة.

لكن هذا لا يعني أن تلك الأطروحة في العقيدة لم تدخل عليها أفكار وآراء جعلت 

كثيرا من أمور الشريعة والفقه التي يسعها الدين ورحمة الاختلاف داخلة من 
أمور العقيدة. ويتم التعامل معها من قبل السلفية التقليدية على أنها أمور عقدية 
تدخل في باب الإسلام أو الشرك والكفر، لذا علينا إرجاع تلك الأمور والآراء 
البشرية المختلف عليها إلى أصلها. ومن ذلك تضخيم عقيدة الولاء والبراء، وأن
يكون الأصل في التفريق بين ما هو داخل في العقيدة وبين غيرها هو كتاب الله 
وسنه النبي -صلى الله عليه وسلم- “الصحيحة، المتواترة، الموافقة لصريح 
القرآن”، وألا تقبل أحاديث الآحاد في العقيدة.

أما في الجانب الفقهي، فعلى السلفية الانفتاح والاجتهاد حتى في النصوص 

الشرعية المتعلقة بحياة الناس عبر إعادة قراءة لها، لا تخرج عن مضمون 
النص من جهة وتراعي الواقع من جهة أخرى، وتهتم بمقاصد الدين العامة
وكذلك عدم احتكار الرؤية والحق لها وحدها، وإعادة القراءة هذه لا يمكن أن
 تعبر السلفية الحالية للمستقبل دونها.

وهذا يتطلب أيضا إعادة النظر في طريقة التكوين العلمي النظري في الجامعات 

والكليات الشرعية، فلا يعقل ألا يكون طالب الكليات الشرعية اليوم غير ملمٍّ 
بالنظريات السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة في العالم، ولم يدرس 
المنطق والفلسفة والقانون دراسة إلمام وافٍ من باب المعرفة والتفاعل معها 
ودمجها بما يحصل عليه من معرفة دينية. وليس المرور عليها من باب التعرف
 على “الفرق الضالة والتيارات المنحرفة”.

كذلك يجب تحرير الدين عمومًا والسلفية خصوصًا من الأنظمة السياسية، وأن

 تحصل على استقلالها كمؤسسات دينية وكأفراد عن الدولة كمؤسسة، فهذا 
الارتباط قد أساء للدين ولها كثيرا وأضر بهما بشدة.

وهنا لا أدعو لفصل الدين عن المجال العام، كما يردد بعض من لا يفهمون 

الدين أو العلمانية أو المجتمعات على السواء، أو عن الدولة على النمط العلماني
 الغربي. بل لاستقلالية المؤسسة الدينية عن الدولة تنظيميا وماليا، وألا يكون 
للسياسي قرار عليها، وهذا ممكن لكنه بحاجة لاقتناع مشترك من الطرفين 
الدولة والمؤسسة الدينية.

وهناك موارد يمكن لها تأمين الاستقلال المادي بعيدا عن ميزانية الدولة والتحكم 

في المخصصات من قبل السياسي. ولضمان ألا تكون هناك أيضا هيمنة مقابلة 
من المؤسسة الدينية على الدولة، يجب توضيح دور ومجال وحدود كل منهما. 
هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن يكون هناك فصل بين الوظيفة أو الدور الديني 
لرجل الدين وبين دوره السياسي، هذه الاستقلالية ستفيد الدين والدولة والمجتمع
 معا.

وبمناسبة الحديث عن الاستقلالية تابعت بعض الحديث الذى يثار حاليا حول

الاكتتاب في أحد البنوك، بين من يحرم الاكتتاب ومن يجيزه. لا يعنيني من 
الأمر إلا مفارقة توضح حجم الإساءة للدين التي تجري تحت مسمى اللجان 
الشرعية في البنوك، فكيف يكون لرجل الدين غير متخصص أو مؤهل 
اقتصاديا أو في العلوم المالية مخصصات مالية من بنك تجاري أيا كان اسمه
وبمبالغ كبيرة، ثم يطلب منه أن يفتي بكون أعمال البنك ذاته شرعية من 
الناحية الدينية أم لا؟ أي استقلالية ستبقى له؟ وأي قانون يقبل تضارب 
المصالح في هذه الحالات؟

في الجانب السياسي للسلفية مشكلة كبيرة في قضية الحكم والدولة والعملية 

السياسية برمتها. فهي للآن ما زالت تعيش على وهم إعادة زمن الخلفاء 
الراشدين في الحكم أو مسمى الخلافة بشكلها ذلك. وهذا من ناحية الواقع 
مستحيل، لكنها لا تعيش الواقع بل مشدودة للمثال وتصر على أن يعيش 
أتباعها غير الواعين منفصلين عن الواقع واشتراطاته والعيش خارج الزمان
 والمكان ذهنيا.

ما أؤمن به أنّ الإسلام لم يأت بنظام سياسي أو اقتصادي أو طريقة في الحكم

وترك كل ذلك للناس في كل زمان ومكان أن يختاروا نظامهم وطريقة حكمهم. 
كل ما لدينا هو أسس وقواعد عامة من ضمنها الشورى لكن التفاصيل متروكة 
لنا تماما.

وهذا أحد مصادر قوة الإسلام، وما يجعله صالحا لكل زمان ومكان. لذا

لا مبرر من الناحية الدينية لهذا الموقف السلفي المبدئي من الديمقراطية 
وأدواتها، وكل منجزات العقل البشري في مجال الدولة والحكم ووسائله في
الدول الحديثة، وهو موقف ممانع يشبه موقفها من كل منتج حديث. ولو اتجهت
البلدان العربية للديمقراطية سنرى الواقع يجعلها ترضخ له وتستجيب على 
مضض.

فما الذى يمنع من موقف فكري استباقي يصالح بين السلفية والديمقراطية فكريّا 

من الناحية المبدئية، ثم يتم الحديث في تفاصيل الاختلاف لاحقا، وهذا يجب 
أن يشمل الكثير من الإنتاج الفكري الحضاري سواء كان من الغرب والشرق؟

هذا الموقف المتصالح مع المستقبل، وهو موقف فكري في النهاية وليس دينيا

 سيفتح الباب واسعا أمام الاجتهاد في ابتكار طريقة الحكم والنظام السياسي 
ومؤسساته المتوافقة مع أسس الدين وقواعده من جهة، ومع المنجزات الفكرية 
الإنسانية في إدارة المجتمعات ومؤسساتها .

__________________________________-
http://altagreer.com/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D9%84%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%B2%D9%88%D9%82%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%82%D9%88/

12‏/09‏/2014

المعنى العميق ل : "وجعلنا بينكم مودة ورحمه "



" وجعلنا بينكم مودة ورحمة "

رؤيتي للآية :

المودة اعمق من الحب وهي المرحلة التي تلي اشتعال
الحب -اذا استمر - وتشمل اضافة للحب،الوجد،القرب،الصداقة،التفاهم
التفهم،الانسجام،التناغم،السكينة مع بعضنا،الأمان
فإذا اضفنا الرحمة فإننا نضيف الحنان،العطف،المساندة،المساعدة
الصبر،التحمل الحب قد لا يشمل كل ذلك وقد يشمل بعضه
والزواج كي يستمر يحتاج لكل ذلك وليس للحب وحده

وهنا تتجلى بلاغة استخدام اللفظ القرآني الصحيح في مكانه الصحيح
فلو تم استخدام كلمة "حب"بدلا من "مودة ورحمة" لما كانت معبرة بقدرهما
لأن الحب وحده غير قادر على جعل الحياة الزوجية تستمر بشكل
سليم ومتماسك وصحي.

30‏/07‏/2014

فلسطين بين القضية وما حول القضية




عبدالخالق المرزوقي
نشر في صحيفة التقرير



منذ بداية النكبة قبل 60 عامًا، وهناك أمران متداخلان يحيطان بالقضية الفلسطينية : الأول هو القضية المركزية، أي الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية، أما الأمر

الثاني فهو محاولات السيطرة والهيمنة على القضية وباسمها من أجل مصالح أخرى

لم يكن هناك خلاف بين الشعوب العربية، حول أهمية القضية وضرورة العمل لحلها 

بكل الطرق المتاحة بما فيها العسكرية منذ النكبة إلى اليوم.

وشهدت القضية منذ بداياتها لليوم تحولات عديدة، منذ 1948 مرورًا بكل الحروب 

التي خاضها الفلسطينيون والعرب إلى حرب 1973. كان هناك خطان متوازيان 
تجاه فلسطين، وحينًا يشترك نفس النظام العربي في العمل على الخطين. كان هناك
 توحّد فلسطيني عربي صادق حول القضية في الغالب، وهناك من رفع بعض 
الشعارات كشعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، واستغلّه من أجل قمع 
بعض المجتمعات العربية. فقد سعت أنظمة وحركات وأحزاب فلسطينية وعربية وإسلامية لخطف القضية وجعل نفسها المتحدث الرسمي باسمها والمتصرف 
بأخذها للاتجاه الذى يحقّق المصلحة العقائدية أو السياسة لتلك الحركات والأنظمة.

وكان هذا منذ بداية النكبة إلى اليوم، وهذا أحد الأسباب الكبرى التي دفعت لتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية لتكون هي الجهة التي تتبنى القضية سواء على الأرض 

أو في السياسة. وهنا نتذكر الدور الكبير والعملاق للراحل ياسر عرفات، الذى مهما اختلفنا حوله، سيبقى هو القائد التاريخي للكفاح الفلسطيني. ولأنه أدرك منذ البداية 
أهمية عدم ترك القضية في يد أنظمة وحركات تتصرف بنا وبالقرار الفلسطيني وفق أهواء بعيدة كل البعد عن مصالح الشعب الفلسطيني، وخاض في سبيل ذلك معارك 
عديدة سياسية وعسكرية ضد أحزاب وأنظمة عربية من أجل استقلال القرار
 الفلسطيني، أصاب والمنظمة في بعضها ولم يصيبا في بعضها الآخر.

وفي سنواته الأخيرة، أدى ضعفه إضافة لغياب القيادات التاريخية للشعب الفلسطيني ودخول مجموعات جديدة داخل منظمة التحرير وحركة فتح خاصة بعد أوسلو إلى إضعاف هذه الاستقلالية، وهذا ما نراه تَعزّز في الوقت الحاضر؛ حيث لم يعد 

لمنظمة التحرير أو حركة فتح أي دور عملي واضح من أجل القضية.

وتصاحب هذا مع بروز الحركات الجهادية الإسلامية في الدفاع عن القضية

 ويحسب لها أنّها هي من أبقت القضية حيّة بين الفلسطينيين والعرب والمسلمين
 في العقود الأخيرة، وحاولت هي أيضًا الموازنة بين استقلالية قرارها وبين 
حاجتها للمؤازرة السياسية والعسكرية والمالية.

وكان هناك تيار فلسطيني وعربي على مستوى أصحاب الرأي سواء في السياسة 

أو الإعلام خاصة في العقود الأخيرة بعد أوسلو، يرى أنّ التفاهم مع إسرائيل أكثر 
جدوى ومنطقية من العمل العسكري. أُطلق على السياسيين من هذا التيار قوى 
الاعتدال، مقابل ما أطلق عليه قوى الممانعة والذى اتضح لاحقًا خاصة بعد 
الثورات أنّها مجرد تسميات لا وجود لها حقيقة. فالاعتدال العربي هو أقرب
للخنوع أمام الخارج والممانعة أمام الداخل، والممانعة هي كذلك ممانعة أمام 
الداخل والبحث عن صفقات مع الخارج.

ومثلما كان على مستوى السياسيين، أيضًا على مستوى المثقفين والكتّاب 

والإعلاميين. فهناك ضمن “المعتدلين العرب” فريقان بالنسبة للرؤية حول 
القضية الفلسطينية؛ فقد أدّى مؤتمر السلام في مدريد وبعده اتفاق أوسلو 
لتحولات عديدة على المستوى الفكري والسياسي تجاه إسرائيل. حيث لم تعد 
لدى العديد من العرب هي “الكيان الصهيوني”، وأصبح التفاوض معها مقبولًا
وشهدنا تقاربا سياسيا بينها وبين اغلب الدول العربية. لكنّ وجهة النظر هذه بقيت
بعيدة عن تفكير الرأي العام العربي، ومحصورة في أهل السياسة وبعض المثقفين والإعلاميين .

هذان الفريقان أحدهما صادق في رغبته في عودة الحقوق الفلسطينية ويرى أن 

وجهة نظره حول الاستمرار في التسوية السلمية هي أكثر جدوى لأسباب مقنعة 
لديه. ويشدّد هذا الفريق ويكرر الحديث حول الاستقرار والتنمية. إنّنا لم نشهد 
لا تسوية ولا سلمية ولا استقرار وتنمية. والفريق الآخر هو لا يهتم بالقضية 
أساسًا، ويتحدث عنها كجزء من برستيج عام أمام الرأي العام.

هنا لا أتحدث عن النظرة الأصوب للتعامل مع القضية، بل عن الإيمان بوجود 

عدة اتجاهات للنظر للقضية الفلسطينية وعن أسباب وجود هذه الاتجاهات .

القضية الفلسطينية والمرحلة الجديدة

اختلف تناول القضيّة الفلسطينيّة خلال الربيع العربي. في مرحلة المدّ للربيع 

العربي رأينا تفاؤلًا بوجود دعم قويّ وحقيقيّ للقضية نتيجة لزيادة دور الشعوب
 العربية في تشكيل القرار السياسي وهي بطبيعتها مؤيدة للقضية بدون تحفظ
 خاصّة أن أغلب الحكومات الناتجة عن الثورات العربية كانت من التيار الإسلامي
 وهو بينهم وبين حركة حماس حاملة لواء القضية والمتصدرة لواجهتها علاقة قوية

في المرحلة الثانية من الثورات العربية وهي مرحلة الجزر، رأينا انقلابًا كبيرًا وإن 

ظل الحديث عنه متحفظًا سياسيًّا وإعلاميًّا إلى حين بدأ العدوان الإسرائيلي الحالي 
على غزة. حيث لم نصبح أمام اتجاهات لتناول حلول للقضية كما كان سابقًا، بل 
أصبحنا أمام اتجاهين متمايزين جدًّا يشمل كلٌّ منهما أنظمةً وسياسيين ومثقفين 
وإعلاميين .

اتجاه ما زال ينظر للقضية كحق أصيل فلسطيني وعربي والوقوف معها ومع 

من يحمل لواءها. رغم أنّه قد لا يكون هناك اتفاق تامّ مع حركات المقاومة في 
سياستها، وما زال هذا الاتجاه هو الغالب .

واتجاه آخر تتراوح آراؤه بين الوقوف بالضد من الفلسطينيين أو أغلبيتهم بل 

المطالبة بالقضاء على حركات المقاومة الفلسطينية واعتبار القضية عبئًا يجب 
التخلص منه سياسيًّا وثقافيًّا، سواء بإظهار هذه الآراء بطريقة مباشرة، أو غير 
مباشرة مراعاة وخوفًا من التصريح العلني .

وجزء من هذا الرأي يظهر عداءَه للحركات الإسلامية وصراعَه المحليَّ معها 

ليحوّله إلى مكارثية وفاشيّة حتى ضدّ كلّ من انتمى للتيّار الإسلاميّ لدرجة العداء 
للحقّ الفلسطينيّ طالما أن من يحمل لواء هذا الحقّ في الفترة الحالية حركات
 إسلامية. وبين منَ يرى أنه يجب الاستمرار في التفاوض مع إسرائيل ولو 
رفضت إسرائيل وتجنُّب استثارتها وأنه يجب الاكتفاء بالتنمية والاستقرار 
و”أكل العيش”.

ولفلسطين ربّ يحميها، والدماء عزيزة وعلينا تجنب الألم. وأمام اعتداءات 

إسرائيل تكفي الشكوى لمجلس الأمن ولأمريكا لعلّ وعسى أن ننال حقوقنا 
يومًا ما. والحمد لله أنّ هذه الآراء لم تظهر خلال فترة الاستعمار والانتدابات
وإلّا لكانت أغلب دولنا العربية ما زالت مستعمرة.


http://altagreer.com/%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D9%84%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%B2%D9%88%D9%82%D9%8A%E2%80%A8-%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B6%D9%8
A/